مجلة"فورين بوليسي"الامريكية/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
يقدَّم مقال محمد جواد ظريف في مجلة "فورين أفيرز" على أنه مبادرة لإنهاء الحرب، لكن القراءة المتأنية تكشف أنه أقرب إلى محاولة لإعادة تموضع إيراني بعد خسائر ميدانية، عبر تحويل ما تبقى من أوراق القوة إلى صفقة محدودة مع الولايات المتحدة.
يقترح ظريف إطارا يقوم على مقايضة واضحة: قيود على البرنامج النووي الإيراني، وضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، مقابل رفع العقوبات وإعادة دمج إيران اقتصاديا في النظام الدولي. ويتضمن العرض تحديد نسبة التخصيب دون 3.67%، والتصديق الكامل على البروتوكول الإضافي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ونقل المواد المخصبة إلى كيان دولي مشترك، إضافة إلى توقيع اتفاق عدم اعتداء مع واشنطن.
لكن هذه الشروط، بدل أن تعكس موقع قوة، توحي بمحاولة تثبيت ما تبقى من نفوذ قبل مزيد من التدهور.
ما كشفته الحرب: تراجع إيراني واختلال إقليمي
خلال خمسة أسابيع من الضربات الأمريكية-الإسرائيلية، تعرضت البنية العسكرية الإيرانية لتدمير واسع طال قدراتها الصاروخية والجوية والدفاعية. كما قتل عدد كبير من القيادات العليا، في تطور غير مسبوق. والأهم أن ظريف نفسه أقر بأن البرنامج النووي لم ينجح في ردع الهجوم، وهو اعتراف يكشف حدود الاستراتيجية الإيرانية.
لكن الأثر الأعمق للحرب لم يكن داخل إيران فقط، بل في بنية النظام الإقليمي. فقد أظهرت الحرب هشاشة دول الخليج التي تستضيف قوات أمريكية دون أن يكون لها قرار في استخدامها. وعندما ردت إيران، لم تستهدف هذه الدول كخصوم، بل كامتداد للوجود الأمريكي.
هذا التحول يضع دول الخليج في قلب أي معادلة ما بعد الحرب، لا على هامشها.
انقسام داخلي في طهران ورسائل مزدوجة
تشير المعطيات إلى وجود انقسام داخل النظام الإيراني. فقد أضعفت الضربات قيادة الحرس الثوري، بينما بقي التيار البراغماتي، المرتبط بشخصيات مثل بزشكيان وروحاني وخاتمي، أكثر تماسكا. ويبدو أن طرح ظريف يعكس محاولة هذا التيار فرض مسار تفاوضي قبل إعادة تماسك المؤسسة العسكرية.
في الوقت ذاته، تعتمد طهران سياسة مزدوجة: إنكار التفاوض علنا، والانخراط فيه عبر قنوات غير مباشرة مع واشنطن، من خلال وسطاء إقليميين، مع خطوات ميدانية مثل السماح بمرور جزئي للناقلات في مضيق هرمز.
المعضلة الكبرى: تجاهل الخليج
أبرز ما في طرح ظريف ليس ما يقوله، بل ما يتجاهله. فالإطار المطروح ثنائي بحت بين إيران والولايات المتحدة، فيما تختزل دول الخليج إلى أطراف ثانوية، رغم أنها كانت ساحة مباشرة للهجمات.
هذا التجاهل يثير رفضا واضحا في العواصم الخليجية، التي باتت ترى أن أي تسوية لا تشمل أمنها بشكل مباشر ستكون غير مقبولة.
وقد عبّر مسؤولون خليجيون عن ذلك بوضوح:
* لا يكفي وقف إطلاق النار، بل يجب معالجة كامل التهديد الإيراني
* يجب تضمين الصواريخ والطائرات المسيرة والشبكات الوكيلة ضمن أي اتفاق
* لا بد من ضمانات أمنية مباشرة لدول الخليج
وهذا الموقف لا يقتصر على دولة دون أخرى، بل يمثل إجماعا داخل مجلس التعاون الخليجي، رغم اختلاف التكتيكات.
كلفة الحرب: الخليج في مرمى النيران
ما تعرضت له دول الخليج خلال الحرب يفسر هذا الموقف المتشدد:
* مئات الصواريخ الباليستية وآلاف الطائرات المسيّرة
* ضربات طالت مطارات ومنشآت حيوية
* استهداف منشآت الطاقة والبنية التحتية
* تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز
وقد أدى ذلك إلى أزمة طاقة عالمية وارتفاع هائل في المخاطر الاقتصادية، إضافة إلى تحولات سريعة في التحالفات الدفاعية، مثل اتفاقيات التعاون العسكري مع أوكرانيا.
شروط الخليج: نحو تسوية شاملة
في ضوء هذه المعطيات، تطرح دول الخليج مجموعة من الشروط لأي اتفاق مستقبلي:
1.تقييد شامل للقدرات العسكرية الإيرانية، بما في ذلك الصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرات البحرية
2. آلية تشاور ملزمة: تمنع تكرار فرض الحروب دون علم الدول المستضيفة للقوات الأجنبية
3. اتفاق عدم اعتداء إقليمي شامل: يشمل إيران ودول الخليج، وليس اتفاقا ثنائيا مع واشنطن فقط
4. معالجة الأضرار الاقتصادية: التي لحقت بدول المنطقة، وعدم تحميلها كلفة الصراع
كما ترفض هذه الدول أي اتفاق يعيد دمج إيران اقتصاديا دون معالجة هذه القضايا، معتبرة أن ذلك سيؤسس لأزمات جديدة.
إشكالية المقترح الإيراني: تدويل النفوذ لا حله
يقترح ظريف إنشاء كونسورتيوم دولي لإدارة البرنامج النووي بمشاركة الصين وروسيا، لكن هذا الطرح يثير مخاوف من تحويل الملف الإيراني إلى ساحة تنافس بين القوى الكبرى، بدل أن يكون جزءا من حل إقليمي مستقر.
بين صفقة ناقصة وتسوية مستحقة
خلقت الحرب واقعا جديدا: إيران لم تعد قادرة على فرض شروطها، لكنها أيضا لم تهزم بالكامل. في المقابل، لم تعد دول الخليج مستعدة للبقاء خارج طاولة القرار.
السؤال الحاسم اليوم ليس فقط كيف تنتهي الحرب، بل "من يحدد شروط نهايتها:
* هل ستكون صفقة ثنائية بين واشنطن وطهران؟
* أم تسوية شاملة تعكس موازين القوى الحقيقية في المنطقة؟
التاريخ، كما تشير التجارب، لا يتذكر من انتصر في الحرب بقدر ما يتذكر من نجح في صناعة السلام.
*مهند سلوم :أستاذ مساعد في السياسة الدولية والأمن في معهد الدوحة للدراسات العليا. وهو أيضا زميل بحث فخري في جامعة إكستر. X: @MuhanadSeloom