×


  رؤى حول العراق

  ما بعد التكليف… اختبار التوازن بين الدستور والتوافقات



 

تمثل مرحلة ما بعد تكليف رئيس مجلس الوزراء، بتشكيل الحكومة المقبلة محطة حاسمة في مسار العملية السياسية، إذ تتداخل فيها الالتزامات الدستورية مع تعقيدات التوافقات بين القوى السياسية، وفي وقت تتصاعد فيه تطلعات الشارع نحو حكومة فاعلة قادرة على تقديم حلول ملموسة رجحت مصادر سياسية، أن يتم تقديم الكابينة الوزارية خلال الأسبوعين المقبلين.

وتوقع عضو المكتب السياسي لحركة عصائب أهل الحق، الدكتور سعد السعدي، تقديم الكابينة الوزارية من قبل رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، خلال 15 يوما.

وقال السعدي لـ"ألصباح": إن جلسات الحوار والتفاهم للتوصل إلى اتفاق بين القوى السياسية لتسمية مرشحيها لشغل الكابينات الوزارية قد بدأت، مشيرا إلى أن المكلف برئاسة الوزراء منفتح على باقي المكونات والفرقاء السياسين سواء في البيتين السني أو الكردي لإيجاد صيغة تفاهمات مشتركة.

وأعرب المتحدث، عن أمله باكتمال الكابينة الوزارية وتقديمها إلى مجلس النواب في مدة لاتتجاوز الـ15 يوما منذ بدء تكليفه من قبل رئيس الجمهورية.

وأكد السعدي، أن الإطار عاكف على تشكيل لجنتين، الأولى لكتابة البيان الحكومي وأخرى لمقابلة ومتابعة ملف الكابينة الوزارية، منوها بأن البرنامج الحكومي سيتضمن في أولوياته  معالجة الأزمة الاقتصادية والموازنات والقوانين المعطلة، كقانوني الحشد والنفط والغاز، على أن يكون هنالك اتفاق رسمي بين الفرقاء السياسيين لتمريرها.

 

محطة مفصلية

بدورها، قالت مقرر مجلس النواب كولسل المخلص  لـ"الصباح": إن مرحلة ما بعد تكليف رئيس مجلس الوزراء بتشكيل الحكومة تمثل محطة مفصلية تتطلب وضوحا في الرؤية وسرعة في الإنجاز، مشيرة إلى أن "الخطوات العملية تبدأ بمشاورات مكثفة مع الكتل السياسية لتحديد شكل الحكومة وبرنامجها، يليها اختيار الكابينة الوزارية وفق معايير الكفاءة والتمثيل السياسي، ومن ثم عرضها على مجلس النواب لنيل الثقة".

وأضافت المخلص، أن "الإطار الزمني لإعلان التشكيلة الوزارية تحدده الاستحقاقات الدستورية، والتي غالبا ما تضع سقفا زمنيا يمتد إلى 30 يوما من تاريخ التكليف، إلا أن هذا المدى قد يتأثر بطبيعة التوافقات السياسية وسرعة حسم الخلافات بين القوى المعنية".

وبينت مقرر مجلس النواب، أن "أبرز التحديات التي تواجه مرحلة ما بعد التكليف تتمثل في التوازن بين مبدأ الشراكة الوطنية ومراعاة حقوق المكونات ومتطلبات الإصلاح، إلى جانب الخلافات حول توزيع الحقائب الوزارية، وضمان دعم الكتل النيابية لتمرير الحكومة داخل البرلمان".

فيما أكد النائب عن كتلة صادقون النيابية، قيصر الجوراني، في تصريح لـ"الصباح"، أن الاستحقاق الانتخابي للكتلة يخولها الحصول على وزارتين، إضافة إلى عدد من المناصب المهمة، مشيرا إلى أن"،  الكتلة حصدت 28 مقعدا في مجلس النواب، الأمر الذي مكنها أيضا من نيل منصب نائب رئيس مجلس النواب".

في حين يرى، عضو كتلة الإعمار والتنمية، ناظم الشبلي، في تصريح مماثل لـ"الصباح"، إن "استحقاق كتلته يصل إلى خمس وزارات، من بينها وزارة سيادية، استنادا إلى حجمها النيابي ودورها في المعادلة السياسية".

 

نظام النقاط

إلى ذلك، أكدت النائبة زليخة بكار، لـ"الصباح"، أن توزيع الوزارات والمناصب الحكومية يتم وفق نظام النقاط، وهو الأسلوب الذي جرى اعتماده في الدورات السابقة، استنادا إلى تفاهمات سياسية بين الكتل تهدف إلى تنظيم مبدأ الشراكة وضمان تمثيل مختلف القوى داخل الحكومة.

وأضافت النائبة، أن "هذا النظام يقوم على توزيع الاستحقاقات بحسب الوزن النيابي لكل كتلة بما يعكس حجمها داخل مجلس النواب، ويمنحها فرصة المشاركة في إدارة المؤسسات التنفيذية" مشيرة إلى أن "هذه الآلية رغم ما يثار حولها من ملاحظات ما تزال تعد من الأدوات المعتمدة لتحقيق التوازن السياسي وتجنب الخلافات الحادة بين الأطراف".

وأوضحت بكار، أن "التفاهمات الجارية تسعى إلى تثبيت معايير واضحة في توزيع الحقائب بما يضمن عدم احتكار جهة معينة لمفاصل القرار ويعزز مبدأ الشراكة الوطنية في إدارة الدولة" لافتة إلى أن "المرحلة الحالية تتطلب مرونة سياسية عالية للتوصل إلى اتفاقات تضمن استقرار العملية السياسية وتدعم تشكيل حكومة قادرة على تلبية تطلعات المواطنين".

 

الكفاءة والخبرة

من جهته أكد النائب أحمد شهيد، لـ"الصباح"، أن ملف اختيار الفريق الوزاري يمثل التحدي الأبرز في المرحلة المقبلة" مشددا على أن"،  المعايير المعتمدة ينبغي أن تقوم على أسس واضحة تجمع بين الكفاءة والخبرة والنزاهة، بعيدا عن المجاملات السياسية".

 وأوضح أن "الجدل لا يزال قائما بين اعتماد معيار الكفاءة المهنية بشكل كامل أو مراعاة التوازنات السياسية، إلا أن نجاح الحكومة مرهون بالقدرة على تحقيق توازن مدروس لا يطغى فيه الجانب الحزبي على حساب الأداء المؤسسي".

وأضاف شهيد، أن "ضمان استقلالية الوزراء عن الضغوط الحزبية يتطلب وجود إرادة سياسية حقيقية داعمة للإصلاح، إلى جانب تفعيل الرقابة البرلمانية ووضع ضوابط تمنع التدخلات في عمل المؤسسات التنفيذية، بما يعزز من مهنية القرار الحكومي".

وفي ما يتعلق بمبدأ الشراكة الوطنية، أشار النائب، إلى أن "النقاشات لا تزال مستمرة بين القوى السياسية بشأن الاستمرار بصيغة التوافق أو السعي لتجاوز نظام المحاصصة، مبينا أن هذا النظام، رغم مساهمته في تمثيل مختلف المكونات، إلا أنه أثر سلبا في أداء الحكومات السابقة من خلال إضعاف مبدأ المسؤولية وتغليب المصالح الحزبية".

وأكد شهيد، أن "البحث عن بدائل واقعية للمحاصصة بات ضرورة ملحة، من خلال التوجه نحو حكومة تعتمد معايير الكفاءة وتمنح الأولوية للبرنامج الحكومي، مع الحفاظ على التوازن الوطني دون أن يتحول إلى قيد يعيق فاعلية الأداء التنفيذي".

 

تحول مهم

من ناحيته، يرى المحلل السياسي محمد صلاح، خلال حديثه لـ"الصباح"، أن خطوة تسمية رئيس مجلس الوزراء تعد تحولا مهما وإيجابيا في مسار العملية السياسية، كونها تضع حدا لحالة الانسداد التي عطلت عمل المؤسسات وأثرت في مجمل الأوضاع العامة، لافتا إلى أن، هذه الخطوة تمثل بداية فعلية للانتقال من مرحلة الخلافات إلى مرحلة البناء والتوافق.

وأوضح أن "مرحلة ما بعد التكليف لا تقل أهمية عن خطوة الاختيار نفسها، إذ تتطلب قراءة دقيقة ومعمقة لطبيعة المشهد السياسي العراقي، بما يحمله من توازنات وتعقيدات فضلا عن ضرورة استيعاب تطلعات الشارع الذي ينتظر حكومة قادرة على تقديم حلول واقعية للأزمات المتراكمة.

وأضاف المتحدث، أن"رسم خريطة الكابينة الوزارية يجب أن يستند إلى مبدأ الاستحقاقات الانتخابية مع مراعاة الكفاءة والنزاهة في اختيار الشخصيات المرشحة لتولي الحقائب الوزارية بما يسهم في تشكيل حكومة متماسكة وقادرة على تنفيذ برنامجها بعيدا عن المحاصصة الضيقة".

وأشار صلاح، إلى أن "نجاح الحكومة المقبلة مرهون بمدى قدرتها على تحقيق توازن بين متطلبات القوى السياسية من جهة، وحاجات المواطنين من جهة أخرى، فضلا عن تبني برنامج حكومي واضح يتضمن أولويات خدمية واقتصادية وأمنية قابلة للتطبيق" مؤكدا أن"،  المرحلة الحالية تتطلب إرادة سياسية حقيقية تدعم الاستقرار وتدفع باتجاه إصلاحات جدية تعزز ثقة الشارع بالمؤسسات".  فيما يرى الخبير القانوني الدكتور بشار العبيدي لـ"الصباح"، إن بعد صدور وثيقة التكليف من رئيس الجمهورية، يصبح رئيس مجلس الوزراء المكلف، علي الزيدي، ملزما دستوريا خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يوما من تاريخ 27 / 4  بتشكيل أعضاء حكومته وعرض أسماء الوزراء والمنهاج الوزاري على مجلس النواب لنيل الثقة بأغلبية عدد أعضائه.

وأوضح العبيدي، أن " تكليف الزيدي ينسجم مع التوجه نحو البحث عن الكفاءة القيادية خارج الأطر التقليدية إذ إن خبرته في مجالات الاقتصاد والأعمال المصرفية قد تمثل إضافة مهمة، خاصة في ظل حاجة البلاد إلى تنشيط الاستثمار وإصلاح الإدارة المالية".

وبين أن "، المرحلة الراهنة تتطلب عقلا اقتصاديا قادرا على فهم حركة الأسواق وإدارة الموارد وبناء الثقة مع القطاع الخاص، مؤكدا أن"  دخول شخصية اقتصادية إلى رئاسة الحكومة قد يشكل فرصة لإعادة تعريف النجاح الحكومي وفق معايير الإنجاز بدلا من الاكتفاء بالخطاب السياسي.

*صحيفة"الصباح"- مهند عبد الوهاب وعمر عبد اللطيف


03/05/2026