*محمد شيخ عثمان
العمال،المحامون و رجال الاعمال
في استذكار يوم عيد العمال العالمي، لا تبدو القوانين وحدها كافية لحماية حقوق العمال، بل تحتاج إلى ضمير حي يترجمها إلى عدالة.
وهنا تتجلى واحدة من أعمق القصص التي رواها الرئيس الراحل جلال طالباني، لا بوصفها حادثة مهنية عابرة، بل باعتبارها درسا اخلاقيا متكاملا يتقاطع فيه القانون مع القيم.
في عام 1960، كان مام جلال محاميا شابا يمثل شركة يملكها رجل الاعمال الكردي المعروف رشيد عارف وقد تقدم 17 عاملا بدعوى ضد الشركة مطالبين بتعويضات.
وهنا تبدأ المفارقة: المحامي، الذي يفترض ان يدافع عن موكله، وجد نفسه امام حقيقة قانونية واخلاقية لا تحتمل الالتفاف فبمجرد الاستماع الى اقوال العمال، لم يتردد في الاعتراف امام المحكمة بحقهم في التعويض لم يناور، لم يبحث عن ثغرات، ولم يحول القانون الى اداة مراوغة، بل قدمه كما يجب ان يكون: ميزانا للانصاف.
صدر الحكم لصالح العمال، واكتسب الدرجة القطعية،لكن الامتحان الحقيقي لم يكن في قاعة المحكمة، بل في مكتب صاحب الشركة، حيث واجه مام جلال سؤالا حادا:هل انت محام عن الشركة ام عن البروليتاريا؟
الجواب لم يكن دفاعا تقليديا، بل رؤية متقدمة: لقد فعل ذلك دفاعا عن سمعة الشركة قبل اي شيء اخر، لان العدالة، حين تنتهك، لا تفقد المال فقط، بل تفقد الثقة، وهي اثمن من اي ارباح.
الدرس الاول: للعمال… قوة القانون حين يصان بالوحدة
تقول هذه القصة بوضوح ان العمال، حين يتحركون ضمن اطار قانوني موحد ومنظم، يمتلكون قوة حقيقية،فلم يكن عددهم وحده هو العامل الحاسم، بل لجوؤهم الى القضاء، وثقتهم به، والتزامهم بالاجراءات وبالطبع القانون لا ينصف من يقف خارجه، بل من يحسن استخدامه.
الدرس الثاني: للمحامين… من الدفاع الى العدالة
ما فعله مام جلال يعيد تعريف مهنة المحاماة. فالمحامي ليس مجرد مدافع اعمى عن موكله، بل هو جزء من منظومة العدالة.
الانتصار في القضايا ليس دائما في كسب الحكم، بل في كسب النزاهة.
المحامي الذي يفصل بين القانون والاخلاق، يفقد جوهر مهنته، حتى لو ربح كل القضايا.
الدرس الثالث: لاصحاب الاعمال… السمعة راس المال الحقيقي
ردة فعل رشيد عارف في البداية كانت غاضبة، لكنها تحولت الى تقدير عميق حين ادرك ان ما حدث لم يكن خيانة، بل حماية لصورته كرجل ديمقراطي فالشركات لا تقاس فقط بارباحها، بل بسمعتها والسمعة لا تشترى، بل تبنى عبر العدالة والانصاف.
اذن هذه القصة ليست مجرد ذكرى من سيرة الرئيس مام جلال، بل نموذج حي لما يمكن ان تكون عليه العلاقة بين القانون والمجتمع.
انها تذكير بان العدالة ليست شعارا، بل ممارسة، وان الوقوف مع الحق لا يتناقض مع المهنية، بل يرفع من شأنها.
وهنا لابد من نشر نص القصة من باب التوثيق:
مام جلال: في عام 1960 كنت محاميا لشركة صاحبها رجل الاعمال الكردي المعروف رشيد عارف، وهو من الرعيل الاول من الديمقراطيين، وقد عينني في شركته لمساعدتي، وحتى احصل على راتب جيد، وصادف ان تقدم 17 عاملا من الشركة بدعوة ضد الشركة، وطالبوا بتعويضات مادية، فذهبت انا الى المحكمة، باعتباري محامي الشركة.
وبعد سماعي لاقوال العمال اعترفت بحق العمال في الحصول على التعويضات وقلت للقاضي: نعم هذا من حقهم، وصدر القرار بمنحهم التعويضات، وانتظرت حتى تم التصديق على الحكم من محكمة الاستئناف واخذ الدرجة القطعية، اي انه يجب تنفيذ قرار المحكمة.
وبعثت المحكمة بقرارها الى رئيس الشركة تطلب منه دفع التعويضات، كون القرار اكتسب الدرجة القطعية، وان محامي الشركة اعترف بحق العمال بالحصول على التعويضات، فارسل رشيد عارف بطلبي، وكان غاضبا جدا مني، وكنت اعرف السبب، وكنت حينها مستعد لشرح الحقيقة والرد عليه، وعندما دخلت الى مكتبه سالني قائلا: افندي هل انت محام عن الشركة ام محام عن البروليتاريا؟
فقلت له باني محامي الشركة، فقال: لماذا فعلت ذلك يا افندي؟
فاجبته: فعلت ذلك دفاعا عن سمعتكم وسمعة الشركة، فانا، ومنذ صغري، اعرفكم واعرف ان رشيد عارف رجل ديمقراطي من الرعيل الاول، وانت صديق كامل الجادرجي، وجعفر ابو التمن، وانه يعز علي ان يشتكي عليك بعض العمال، وهذا يسيء الى سمعتك كرجل تقدمي وديمقراطي، فما قيمة التعويضات البسيطة امام سمعتكم التي تساوي اموال الدنيا؟
فهدأ رشيد عارف ونظر الي وقال: حقا احسنت، خير ما فعلت.
فسلام لكل من ينصف حقوق العمال، ولكل محام يتمسك بتحقيق العدالة لا بمجرد كسب القضايا، وسلام لرجال الاعمال واصحاب الشركات الذين يضعون السمعة والانسانية والعدالة فوق نزعة جمع الثروة.
وسلاما للرئيس مام جلال المدافع عن حقوق العمال، ومهندس ترسيخ استقلالية القضاء في الدستور العراقي وتفعيل دوره الوطني.