*أمير أسمر
المجلس الاطلسي(Atlantic Council)/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
ستترك الحرب الإيرانية، التي تشهد حاليا وقفا مؤقتا لإطلاق النار وإن كان غير مؤكد، بصمة دائمة على الشرق الأوسط. تاريخيا، كانت المنطقة عرضة للصدمات، حيث تركت كل صدمة تغييرا دائما فيها، وجعلتها أقل استقرارا. إن قيام إسرائيل عام 1948، واحتلالها للضفة الغربية وقطاع غزة عام 1967، والثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وغزو صدام حسين لجيرانه (إيران عام 1980 والكويت عام 1990)، والغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ليست سوى بعض هذه الصدمات التي غيرت وجه المنطقة إلى الأبد.
وبالمثل، ستُغير حرب إيران عام 2026 المنطقة بطرقٍ جوهرية ودقيقة. إليكم خمسة عوامل ديناميكية يجب مراقبتها في المستقبل.
1. سيصبح النظام الإيراني أضعف وأكثر ارتيابا
أدى الهجوم الأمريكي الإسرائيلي المشترك على إيران إلى بقاء نظام طهران في السلطة، لكنه أصبح أضعف بكثير، وأكثر ارتيابا، وأقل خبرة في قيادته. وسيتم في البداية حشد الموارد المتبقية من هذه الحرب لحماية النظام من التهديدات الداخلية. وقد يؤدي ضعف طهران، اقتصاديا وعسكريا، بعد الحرب إلى اندلاع المزيد من المظاهرات الشعبية، على الرغم من أن المتظاهرين قد يكونون مترددين، وهو أمر مفهوم، بعد أن قتل النظام آلاف المواطنين لقمع المظاهرات الواسعة النطاق في يناير الماضي. وسيحتفظ النظام ببعض أدوات القمع، وسيعطي الأولوية للحد من المعارضة، كما فعل في الماضي، لكنه قد يفقد قدرته على السيطرة الكاملة على كامل أراضيه، مما يفتح الباب أمام المزيد من التمردات العرقية النشطة .
على الصعيدين الإقليمي والدولي، سيحاول النظام، ربما دون جدوى، بناء نوع من الردع الاستراتيجي ضد أي هجوم آخر. وبافتراض عدم توصل إيران والولايات المتحدة إلى اتفاق لكبح برنامج إيران النووي، فقد ينظر النظام في فشل سياسته طويلة الأمد المتمثلة في الاكتفاء بقدرة نووية محدودة . ليس من الواضح بعد ما إذا كانت إيران تحتفظ باليورانيوم المخصب والمنشآت اللازمة، أو ما إذا كان بإمكانها إعادة إنتاجها بسرعة. ولكن إذا كان الأمر كذلك، فقد يرى النظام ما بعد الحرب فائدة في السعي الحثيث نحو امتلاك قدرة نووية مثبتة، معتقدا أن إجراء اختبار ناجح قد يوفر له الحماية التي حققتها كوريا الشمالية، على سبيل المثال، بإعلان قدراتها النووية.
2. ستبقى الولايات المتحدة في المنطقة لبعض الوقت
رغم أن واشنطن، في ظل إدارات مختلفة، أعربت عن رغبتها في الانسحاب من الشرق الأوسط، إلا أن أحداث السنوات القليلة الماضية تُظهر صعوبة ذلك. فقد توطدت الشراكة الأمريكية الإسرائيلية مع استمرار واشنطن في تزويد إسرائيل بالعتاد العسكري خلال حرب غزة. كما أن انخراط الولايات المتحدة في تهدئة الصراع وتخطيطها لمستقبل غزة، وإن كان غير فعال حتى الآن، عزز دورها الإقليمي. وأظهرت الشراكة العسكرية مع إسرائيل في حربَي إيران مستوى آخر من التدخل الإقليمي.
لكن الأمر يتجاوز إسرائيل. من المرجح أن تحتاج الولايات المتحدة إلى التدخل في إبقاء مضيق هرمز مفتوحا بالكامل بعد الحرب، وهو أمر لم تتمكن من تحقيقه حتى الآن، على الرغم من أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حاول إلقاء العبء على أوروبا.
ستواصل حكومات مجلس التعاون الخليجي - البحرين والكويت وعُمان وقطر والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة - سعيها للحصول على دعم واشنطن. فبعد فشلها في منع الهجوم على إيران، أفادت التقارير أن دول مجلس التعاون الخليجي حثت واشنطن على عدم إنهاء الحرب قبل القضاء على القدرة العسكرية لطهران على مهاجمتها وتهديد خطوط إمداد النفط.
ستظل دول مجلس التعاون الخليجي تفضل واشنطن كشريك أمني، على الرغم من القلق بشأن التزام الولايات المتحدة بأمنها، لا سيما بعد فشل الولايات المتحدة في منع أو الرد على الهجمات التي استهدفت أراضيها منذ عام 2019. ويعود ذلك جزئيا إلى حقيقة أن المنطقة ليست مستعدة بشكل واضح لهيكل دفاعي متكامل على مستوى المنطقة، وأن الولايات المتحدة وحدها هي القادرة على إحراز تقدم في توجيه شركائها نحو هذا الهدف النهائي.
3. ستتأثر العلاقات الأمريكية الإسرائيلية سلبا
أدى عدم شعبية الحرب الإيرانية الأخيرة في الولايات المتحدة، إلى جانب عجز واشنطن عن تبريرها ، إلى ظهور سردية سطحية مفادها أن إسرائيل هي من جرت الولايات المتحدة إلى الحرب. وبينما يعاني الأمريكيون من التداعيات الاقتصادية لهذه الحرب، ستظل الأسباب الكامنة وراء الصراع موضع نقاش.
تُظهر استطلاعات الرأي تراجعا في صورة إسرائيل لدى الولايات المتحدة بسبب تصرفاتها في حرب غزة، وإذا اعتقد الأمريكيون أن إسرائيل جرت الولايات المتحدة إلى حرب غير مرغوب فيها، فإن الوضع سيزداد سوءا. وستكتسب الدعوات إلى ربط المساعدات العسكرية الأمريكية بسلوك إسرائيلي محدد، ومحاسبة القدس على أي انتهاكات لحقوق الإنسان وقواعد الحرب والقوانين الأمريكية، ومراجعة أي مكاسب استراتيجية أمريكية من العلاقات الثنائية، مزيدا من الزخم بين السياسيين والرأي العام.
4. ستتزايد العداوة الإقليمية تجاه إسرائيل
قبل بدء الحرب على إيران في 28 فبراير، كانت إسرائيل مكروهة بشدة لدى الرأي العام العربي، وفقا لاستطلاعات الباروميتر العربي لعامي 2023-2024، حيث أدانت أغلبية في العالم العربي إسرائيل ووصفت حرب غزة بالإبادة الجماعية والمجزرة والتطهير العرقي. وقد زادت الكارثة والأزمة الإنسانية في غزة من شكوك العرب تجاه العمليات العسكرية الإسرائيلية في مناطق أخرى. ويرى العديد من المراقبين العرب أن الحرب على إيران ليست صراعا معزولا ، بل جزءا من تصعيد إسرائيلي أوسع نطاقا يهدف إلى تعزيز هيمنتها، ويشمل ليس فقط إيران، بل أيضا غزة والضفة الغربية وسوريا ولبنان وقطر. أما الولايات المتحدة، التي يُنظر إليها على أنها داعمة لإسرائيل، فهي مكروهة بنفس القدر تقريبا بين العرب، مما يُرجح أن يؤدي إلى اتساع الفجوة بين الرأي العام العربي وحكوماته التي لا تزال تعتمد على الولايات المتحدة.
في استطلاع رأي حديث أجراه مؤشر الرأي العام العربي في العالم العربي، اختارت أغلبية المشاركين إسرائيل باعتبارها التهديد الأكبر للمنطقة. وبينما اعتبر الرأي العام العربي إيران تهديدا أيضا (6%)، إلا أنها جاءت في المرتبة الثالثة بفارق كبير بعد إسرائيل (44%) والولايات المتحدة (21%).
يُظهر مؤشر الرأي العام العربي أن غالبية العرب ، الذين ينظرون إلى إسرائيل كخصمهم الرئيسي ، يُعرقلون التطبيع الدبلوماسي؛ إذ يعارض 87% من المشاركين في الاستطلاع التطبيع مع إسرائيل، بينما يؤيده 6% فقط. وقد ربط نصف هؤلاء الـ 6% التطبيع بإقامة دولة فلسطينية. وهذا يُعيق هدف الولايات المتحدة المتمثل في تعزيز ممرات النقل الإقليمية والتكامل الاقتصادي. ولا يزال معظم القادة العرب غير مستعدين للمخاطرة برد فعل شعبي سلبي من خلال السعي إلى تعاون أوثق مع القدس.
5. ستتقارب دول الخليج أكثر فأكثر
لم يفِ مجلس التعاون الخليجي قط بوعده بإنشاء هيكل اقتصادي ودفاعي فعال ومنسق. لكن الهجمات الإيرانية الناجحة، في محاولتها لرفع تكلفة هذه الحرب، ينبغي أن تدفع دول المجلس إلى إعادة النظر في سياساتها. إن ربط دفاعاتها بعلاقات ثنائية مع الولايات المتحدة لم يحصنها من الهجمات، بل جعلها هدفا أسهل، إذ استهدفت إيران قواعد عسكرية أمريكية في دول المجلس، إلى جانب البنية التحتية للطاقة والبنية التحتية المدنية.
ستُدرك دول مجلس التعاون الخليجي ضرورة تعزيز قدراتها الأمنية، مع الحفاظ على الدعم الأمريكي، وستدرس إمكانية تحقيق مستوى أعلى من التكامل الدفاعي. من المرجح أن تحول الخلافات بين دول الخليج دون إبرام معاهدة شبيهة بحلف الناتو تُلزم الدول الست بتسخير مواردها الدفاعية في حال تعرض إحداها لهجوم؛ إلا أن التكامل الوثيق من شأنه أن يُسهم في صد العدوان بشكل أكثر فعالية، ويرفع تكلفة أي مهاجم مستقبلي. كما يُرجح أن تنظر دول مجلس التعاون الخليجي فيما إذا كان تعزيز القدرات الأمنية وتكاملها يتطلب التعاون مع دول أخرى (كالصين وباكستان وروسيا وغيرها)، في ظل استمرار شعورها بتذبذب الدعم الأمريكي ، وما إذا كان عليها السعي إلى تطوير قدرات ردع خاصة بها ضد أسلحة الدمار الشامل.
الطريق إلى الأمام
بالنظر إلى ميل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى التطور بطرق غير متوقعة وغير قابلة للتنبؤ، فمن المرجح أن يؤدي العنف واتساع نطاق الحرب الإيرانية ودمارها إلى تحديات مستقبلية غير متوقعة لصناع السياسة الأمريكية. ومع ذلك، فمن المرجح أن تهيمن الديناميكيات المذكورة أعلاه على فترة ما بعد الحرب.
إذا لم تتمكن الولايات المتحدة وإسرائيل من ترجمة نجاحاتهما العملياتية إلى مكاسب استراتيجية، كما كان الحال في الصراعات الإسرائيلية الأخيرة، فإن الاعتقاد بأن الحرب لم تشن من أجل أي مكسب طويل الأجل، وأنها كانت إلى حد كبير مضيعة للدماء والأموال، سيزيد من حدة كل من الديناميكيات المتوقعة أعلاه.
*أمير أسمر زميل أول غير مقيم في مبادرة سكوكروفت لأمن الشرق الأوسط التابعة لبرامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي. وهو أستاذ مساعد لشؤون الشرق الأوسط في جامعة الاستخبارات الوطنية.
شغل سابقا منصبا تنفيذيا رفيعا ومحللا لشؤون الشرق الأوسط والإرهاب في وزارة الدفاع الأمريكية.