×


  کل الاخبار

  مظلوم عبدي قريبا في أنقرة..



*حسني محلي

 

مع الإدارة الذاتية الكردية شرق الفرات داخل مؤسسات الدولة السورية، يستعد الكرد في سوريا لمرحلة جديدة ومثيرة، ولكن هذه المرة، عبر المصالحة مع الدولة التركية التي يمثلها الرئيس إردوغان.

وذلك على الرغم من سياسات الرئيس إردوغان الذي استنفر طيلة السنوات الماضية كل إمكانياته لمحاربة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني السوري وجناحه العسكري "وحدات حماية الشعب"؛ باعتبار أنها  الذراع السورية لـ"حزب العمال الكردستاني" التركي، وبعد أن  رفضت التمرد ضد الرئيس بشار الأسد خلال سنوات ما يسمى بـ"الربيع العربي".

كما يعرف الجميع أن الرئيس إردوغان كان قد اعترض وبشدة على اتفاق 11 آذار/ مارس العام الماضي بين الرئيس الانتقالي أحمد الشرع وقائد قوات "قسد" مظلوم عبدي، والذي تم برعاية أميركية - فرنسية مشتركة.

ودفع ذلك الرئيس إردوغان إلى إرسال وزيري الدفاع والخارجية ورئيس المخابرات إبراهيم كالين إلى دمشق فورا للتعبير عن عدم رضى أنقرة على الاتفاق، بحجة أنه يشكل خطرا على المصالح والحسابات التركية في سوريا والمنطقة.

ومن دون أن يحالف الحظ الرئيس أحمد الشرع آنذاك في تلبية المطالب التركية في محاربة الكرد، والتي تحقق البعض منها في يناير/ كانون الثاني الماضي عندما شنت القوات السورية الحكومية هجومها المفاجئ على قوات "قسد"، وأجبرتها على الانسحاب من معظم الأراضي التي كانت تسيطر عليها شرق الفرات.

وكان ذلك  بتعليمات واشنطن التي  أرادت ولحساباتها  الخاصة في العراق وإيران "تأديب الكرد"، ثم عادت وحققت المصالحة من جديد بين الشرع وعبدي في 29 يناير/ كانون الثاني. وبدأت بعدها عملية دمج المقاتلين والعناصر الأمنية الكردية داخل الجيش ووزارة الداخلية السورية وباقي مؤسسات الدولة، حيث تم تعيين أحد قيادات "قسد" نائبا لوزير الدفاع وآخر محافظا على مدينة الحسكة في الوقت الذي يستمر فيه تدريب نحو 90 من كوادر "وحدات حماية الشعب" الكردية في الكلية الحربية السورية وعدد آخر في كلية الشرطة.

ومن دون أن يمنع كل ذلك توم برّاك من الاستمرار في مساعيه لتحقيق المصالحة بين عبدي والرئيس إردوغان الذي تتهمه المعارضة بانتهاج سياسات متناقضة على الصعيدين الداخلي والخارجي، وبشكل خاص في الملف الكردي.

فبعد نحو 18 شهرا من خطاب زعيم حزب "الحركة القومية" دولت بهتشلي (شريك إردوغان في السلطة)  في 22 أكتوبر/ تشرين الأول 2024 حيث دعا زعيم "حزب العمال الكردستاني" عبد الله أوجلان إلى المجيء إلى البرلمان والإعلان عن حل الحزب ووقف العمل المسلح نهائيا، فلم تلق أنقرة أي خطوة عملية دستورية أو قانونية  على طريق المصالحة  مع الكرد، وعلى الرغم من دعوة أوجلان  قيادات الحزب شمال العراق إلى حلّ الحزب وإلقاء السلاح، وهو ما قاموا به فعلا.

ومن دون أن يمنع كل ذلك دولت بهتشلي، وهو زعيم حزب قومي تركي عنصري متطرف وكان من ألد أعداء الكرد، من الدفاع عن أوجلان  حيث وصفه بأنه "الزعيم المؤسس للحركة الكردية"، ولا بد من الاعتراف له بدور سياسي وإخلاء سبيله بعد 26 عاما من وجوده في السجن، وتكليفه بمهمة التنسيق  بين الدولة التركية وكل من الحركة الكردية في سوريا وتركيا.

وصادفت كل هذه التطورات، المعلومات التي تحدثت عن زيارة مرتقبة لقائد قوات "قسد" مظلوم عبدي إلى أنقرة،  وسبق أن أصدرت المحاكم التركية بحقه مذكرة اعتقال بتهمة الإرهاب. ومع أن مظلوم عبدي وفي حديثه إلى العديد من وسائل الإعلام تحدث عن وساطة الرئيس الشرع بينه وبين الرئيس إردوغان إلا أن المعلومات تقول إن الرئيس إردوغان هو الذي طلب من الشرع كي يكون وسيطا بينه وبين عبدي، الذي قد تسمح له السلطات الحكومية بزيارة عبد الله أوجلان في سجنه في جزيرة ايمرالي قرب إسطنبول.

وسبق لأوجلان أن اشترط على الدولة التركية السماح له بالتواصل المباشر وغير المباشر مع القيادات الكردية داخل تركيا أو في شمال العراق وسوريا مقابل دعمه مساعي إردوغان لتحقيق المصالحة مع الكرد وفي إطار خطة قيل إن سكرتير الأمن القومي البريطاني جاناثان باول قد أعدّها وبحثها مسبقا مع أوجلان في أكتوبر/ تشرين الأول 2024 أي قبل سقوط الأسد بـ 45 يوما!

ويعرف الجميع أن هذه المصالحة بين أوجلان والدولة التركية تحظى بدعم واشنطن وسفيرها في أنقرة توم برّاك الذي أقنع الرئيس إردوغان بذلك على أن تكون الورقة الكردية إقليميا تحت رعاية تركيا، وهو ما صادف الاتهامات التي وجّهها الرئيس ترامب إلى كرد العراق وقال عنهم إنهم استولوا على الأسلحة التي أرسلها لهم كي يعطوها للمعارضة في غرب إيران.

لقاء عبدي مع أوجلان، وإذا لم تؤجل، (معلوماتي تقول إنها ستتحقق بعد عيد الأضحى فورا)  فسوف يفتح آفاقا جديدة في التعامل التركي مع الملف الكردي، تركيا وسوريا وعراقيا، ويساعد أنقرة في سحب البساط من تحت أقدام  الكيان العبري الذي يتحدث قادته بين الحين والحين عن دفاعهم عن الكرد في سوريا وتركيا، كما هم يتحدثون عن تحالفاتهم الخفية مع أربيل التي فتحت أبواب الشمال العراقي على مصراعيها أمام عملاء  الموساد ليتحركوا من خلالها ضد إيران قبل وخلال العدوان الصهيو - أميركي والمدعوم بشكل مباشر أو غير مباشر في السر أو العلن  من بعض حكام المنطقة.

وفي جميع الحالات، وأيا كانت التطورات المحتملة في الملف الكردي بعد زيارة مظلوم عبدي الذي  نشأ وترعرع في كنف أوجلان عندما كان الأخير في عين العرب كوباني بعد أن هرب من تركيا عام 1980، فقد بات واضحا أن واشنطن تستعد لترتيب أوراق المنطقة من جديد بعد الانتهاء من حسم الملف الإيراني بامتداداته في لبنان واليمن مع الاعتراف للرئيس إردوغان بالدور الأهم وكما كان عليه خلال سنوات ما يسمى بـ"الربيع العربي".

في وقت يعرف الجميع أن ما يهم الرئيس إردوغان ليس فقط هذا الدور بل ضمان بقائه في السلطة إلى الأبد، وهو ما سيتحقق له عبر المصالحة مع الكرد ومهما كلفه ذلك وحتى لو استقبل قريبا مظلوم عبدي ولاحقا عبد الله أوجلان  في القصر الجمهوري.

شريطة أن يكون صاحب الكلمة المطلقة في الملف الكردي عموما، وهو ما سعى إليه الرئيس الراحل تورغوت اوزال عندما خطط بعد حرب الكويت عام 1991 لضم شمال العراق فمنعه الرئيس بوش الأب.

 كما يتمنى الرئيس إردوغان لكل هذه التطورات أن تضمن له إقناع الكرد بالتصويت له في الانتخابات الرئاسية القادمة، وقبل ذلك، تغيير الدستور وفق مزاجه الخاص الذي يهدف لأسلمة تركيا، دولة وشعبا،  حسب  المعايير والمقايس العثمانية التي تغنّى توم برّاك بأمجادها أكثر  من مرة، وقد يتغنى الكرد بها أيضا ومن دون أن يتذكر أحد أن عبد الله أوجلان كان في الماضي ماركسيا لينينيا!

*حسني محلي:باحث علاقات دولية ومختصص بالشأن التركي


21/05/2026