×


  رؤى حول العراق

  بغداد وأربيل... أزمة الشراكة المؤجلة في العراق



*د.شيلان فتحي

منذ أكثر من عشرين عاما، ما تزال العلاقة بين بغداد وإقليم كردستان واحدة من أعقد الملفات السياسية في العراق، ليس بسبب الخلافات المالية فقط، بل لأنها ترتبط بجوهر النظام السياسي العراقي وطبيعة الشراكة التي قام عليها العراق الجديد بعد عام 2003. ومع  تشكيل الحكومة الجديدة بعد انتخابات 2025، يعود هذا الملف ليطرح تساؤلا جوهريا: هل تمتلك القوى السياسية العراقية إرادة حقيقية لمعالجة الأزمة وفق الدستور ومبدأ الشراكة الوطنية، أم أن الحكومات المقبلة ستواصل سياسة إدارة الخلافات وتأجيل وترحيل الحلول إلى. اجل غير مسمى؟

حيث ان اللافت في الخطابات السياسية الأخيرة ومن ضمنها خطاب رئيس مجلس الوزراء الزيدي ،  أن ملف العلاقة مع الإقليم لم يحظَ بالاهتمام الذي يوازي خطورته، رغم أنه يمثل أحد أبرز أسباب التوتر السياسي داخل الدولة.  اذ كنا نأمل ان يحظ هذا الملف بتركيز عال شأنه شأن ملفات الأمن والاقتصاد والفساد والأزمات الداخلية الأخرى، لكنه لم يتناول بصورة واضحة الإشكالات العميقة المتعلقة بحقوق الإقليم الدستورية ومستقبل العلاقة السياسية بين بغداد وأربيل.

المشكلة الأساسية أن أزمة الإقليم لم تعد مرتبطة فقط بالنفط أو الموازنة، بل أصبحت مرتبطة بسؤال أكبر يتعلق بطبيعة الدولة العراقية نفسها: هل العراق دولة شراكة حقيقية بين مكوناته، أم أن التوازنات السياسية ما تزال خاضعة لمنطق الأغلبية والضغوط الحزبية؟

يذكر هذه الأزمة  كانت تتجلى وتطفو إلى السطح وبأشكال متعددة في الحكومات السابقة ، ففي عهد نوري المالكي، تصاعد الخلاف حول إدارة النفط وصلاحيات الإقليم الدستورية، ووصل الأمر إلى توترات سياسية انعكست على الموازنة الاتحادية ورواتب موظفي الإقليم. ومع مرور الوقت، بدأ الشارع الكردي يشعر بأن حقوقه الدستورية تدار وفق نفعية وانتقائية المزاج السياسي للحكومة الاتحادية، لا وفق نصوص ثابتة وواضحة.

وفي حكومة حيدر العبادي، ورغم محاولات تهدئة العلاقة سياسيا، بقيت الخلافات حول حصة الإقليم من الموازنة وملف تصدير النفط دون حلول جذرية، واستمر الجدل بشأن التزامات كل طرف تجاه الآخر. أما حكومة مصطفى الكاظمي، فقد اعتمدت سياسة الاتفاقات المرحلية، إذ جرى التوصل أكثر من مرة إلى تفاهمات مؤقتة بشأن الرواتب والتمويل المالي، لكنها كانت تنهار سريعا مع كل أزمة اقتصادية أو خلاف سياسي

أما في حكومة محمد شياع السوداني، فقد عاد ملف رواتب موظفي الإقليم ليتصدر المشهد مجددا خصوصا مع قرارات المحكمة الاتحادية والخلافات المتعلقة بالإيرادات النفطية. وفي خضم كل هذا الصراع ومع كل أزمة، كان المواطن في الإقليم يشعر بأن حقوقه المعيشية أصبحت مرتبطة بالتجاذبات السياسية بين بغداد وأربيل، وهو ما عمّق فجوة الثقة بين الطرفين.

لكن الأزمة لا تتعلق بالجانب الاقتصادي أو المالي وحده. فهناك شعور متزايد داخل الأوساط الكردية بأن مبدأ الشراكة السياسية الذي تأسس عليه النظام بعد 2003 بدأ يتراجع تدريجيا ويفرغ من محتواه الحقيقي، سواء فيما يتعلق بالتمثيل الحكومي أو الحضور الدبلوماسي أو حتى التوازن داخل مؤسسات الدولة. فالكرد كانوا جزءا أساسيا من المعادلة السياسية الجديدة، وشغلوا مناصب سيادية مهمة، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت تصاعد خطاب سياسي يدعو إلى تقليص هذه التفاهمات تحت عناوين “الأغلبية السياسية” أو “إعادة هيبة المركز”.

وهذا التحول خلق مخاوف من أن تتحول العلاقة بين بغداد والإقليم من شراكة دستورية إلى علاقة تفاوض سياسي مؤقت، تمنح فيها الحقوق أو تقيّد تبعا لطبيعة التحالفات داخل البرلمان والحكومة.

لكن إذا نظرنا للدول المتقدمة، فقد جرى التعامل مع مثل هذه الأزمات بطريقة مختلفة تماما. ففي كندا مثلا، عندما تصاعدت النزعة الانفصالية في مقاطعة كيبيك، لم تتجه الحكومة الفيدرالية إلى تقليص صلاحيات المقاطعة أو استخدام الضغوط الاقتصادية، بل عملت على تعزيز الشراكة ومنح حكومات الأقاليم صلاحيات أوسع ضمن إطار دستوري ثابت، مع ضمان التمثيل السياسي العادل داخل مؤسسات الدولة.

وفي بلجيكا، التي تعاني من انقسامات لغوية وقومية معقدة، نجحت الحكومات المتعاقبة في بناء نظام سياسي يقوم على التوازن الدقيق بين المكونات، بحيث أصبح التمثيل السياسي والإداري والدبلوماسي جزءا من ضمان الاستقرار الوطني، لا مجرد محاصصة مؤقتة.

أما ألمانيا، فقد نجحت في بناء أنموذج فيدرالي واضح يحدد بدقة العلاقة بين الحكومة الاتحادية والولايات، بما يمنع تحول الخلافات المالية والسياسية إلى أزمات تهدد وحدة الدولة. فهناك تحسم الخلافات عبر المؤسسات والقوانين، لا عبر الصفقات السياسية أو الضغوط الإعلامية. لابد ان نقول بأن العراق اليوم بحاجة إلى الاستفادة من هذه التجارب، لأن استمرار إدارة العلاقة مع الإقليم بعقلية الأزمة سيؤدي إلى مزيد من الانقسام السياسي وفقدان الثقة.

فالحل لايكمن في الاتفاقات المؤقتة، بل في تثبيت قواعد دستورية واضحة تنظم العلاقة بين بغداد وأربيل بعيدا عن المزاج السياسي للحكومات المتعاقبة.

والبداية الحقيقية لأي حل يجب أن تكون بإقرار قانون النفط والغاز، الذي تأخر لعقود رغم أهميته في تنظيم الثروات الوطنية وتحديد التزامات الطرفين بشكل واضح. كما ينبغي تحييد وفصل ملف رواتب الموظفين والخدمات الأساسية عن الصراع السياسي، لأن حقوق المواطنين ينبغي أن لا تتحول إلى أوراق ضغط متبادلة.

كذلك فإن الحفاظ على التوازن في التمثيل الحكومي والدبلوماسي والنيابي ليس امتيازا سياسيا لطرف معين، بل جزء من فلسفة النظام السياسي العراقي القائم على الشراكة والتوافق بين المكونات. وأي محاولة لإضعاف هذا التوازن ستؤدي إلى تعميق الشعور بالتهميش لدى المواطن الكردي وتوسيع الخلاف والفجوة بين المركز والإقليم.

إن نجاح الحكومة المقبلة لن يقاس بعدد الاتفاقات التي توقعها مع الإقليم، بل بقدرتها على إعادة بناء الثقة بين الطرفين، وتحويل العلاقة من حالة صراع سياسي دائم إلى شراكة دستورية مستقرة. فالعراق لا يحتاج اليوم إلى حلول مؤقتة بقدر حاجته إلى مشروع دولة يشعر فيه جميع المواطنين، عربا وكردا وتركمان كلدواشوريين، بأنهم شركاء حقيقيين في السلطة والثروة والقرار السياسي.

وأثبتت التجارب أن الدول متعددة القوميات لا تستقر بالقوة السياسية أو بالأغلبية العددية وحدها، بل بالعدالة الدستورية والاعتراف المتبادل والشراكة المتوازنة. وهذه هي المعادلة التي ما يزال العراق يبحث عنها حتى اليوم.


21/05/2026