×


  قضايا كردستانية

  بين السلاح والقلم



*عماد أحمد

*ترجمة: نرمين عثمان محمد/ عن صحيفة كوردستاني نوى

 

ليست الكلمة مجرد أداة للتعبير، بل هي فعلٌ تأسيسي وبنائي،إن العلاقة بين الكتابة، والعمل الصحفي، والفعل السياسي، تعدّ واحدة من أكثر العلاقات والسجالات تعقيدا في الثقافة المعاصرة، فهذه العلاقة لا تقتصر على نقل الأخبار، بل تمتد إلى عملية تشكيل الوعي ورسم المصير الوطني.

في تاريخ الشعب الكوردي، تبرز تجربة الإتحاد الوطني الكوردستاني  بوصفها نموذجا خاصا، لأن هذه الحركة لم تولد من قلب الخندق والسلاح فحسب، بل نشأت أيضا من رحم الفكر والكلمة والوعي الثقافي العالي والمستنير، فقبل أن يستقرّ "البيشمركة " في  الجبال، كان القلم والفكر قد تمركزا بالفعل في متاريس الوعي.

لقد كانت الجبال، في الوجدان الكوردي، دائما ملاذا للحماية والدفاع، إلا أنها بالنسبة إلى الاتحاد الوطني  الكوردستاني كانت أيضا أول مطبعة وأول مدرسة للحرية، ففي زمن الجبال، لم تكن الصحافة مجرد مهنة، بل كانت أسلوبا للنضال والمقاومة، فعندما كان (البيشمركة)  يحمل سلاحه، كان المثقف والصحفي يتحملان مسؤولية المجلات والمنشورات السرية، من أجل إيصال صوت الثورة إلى القرى والمدن وإلى ضمير العالم بأسره.

في البدايات الأولى لتأسيس الاتحاد الوطني الكوردستاني ، كان الرئيس مام جلال ورفاقه من الهيئة المؤسسة والقيادة داخل البلاد، قبل أن يعرفوا بوصفهم سياسيين، مثقفين وصحفيين معروفين، وبهذا المعنى، وضع الاتحاد الوطني  الكوردستاني أسس مدرسة فكرية لم يكن المثقف فيها مجرد متفرج، بل شريكا في صناعة القرار.

في الماضي، كانت الصحافة بالنسبة إلى الاتحاد الوطني الكوردستاني بمثابة الرئة  التي  تمنح الثوار في الجبال القدرة على التنفس، لم تكن الكتابة مجرد نزعة فكرية، بل كانت بيانا للدفاع والمقاومة. فعندما كان (البيشمركة ) يضع بندقيته على كتفه، كان المثقفون يصدرون المنشورات السرية وصحف (الشرارة) و (کۆمەڵە) و (رێبازی نوێ)  محولين قسوة الجبال إلى منبر حرّ يخاطب العالم ويوقظه.

وفي أوقات الأزمات، كانت وسائل الإعلام تمثل خط الدفاع الأول، لأن وحدة الخطاب كانت تحول دون الانهيار المعنوي،أما في أوقات الاستقرار، فإن (الإذاعة، كوردستاني نوى ،التلفزيون، ووسائل التواصل الاجتماعي)  لم تكن مجرد أدوات إعلامية جامدة أو كلمات جافة، بل أدوات للبناء، وترسيخ الحقوق المدنية، ومرآة للتعددية الثقافية والانفتاح الفكري.

ولم يكن إعلام الاتحاد الوطني  الكوردستاني موجها إلى الداخل فقط، بل شكّل جسرا للتواصل مع المفكرين والكتّاب في العالم العربي وعلى المستوى الدولي، وهذا ما جعل القضية الكوردية لا تعرَف بلغة السلاح وحدها، بل بلغة الفكر، والقانون، والحقوق أيضا.

وقد قيل في الصحافة:(الصحافة أجمل المهن، إذا عرفتَ كيف تصنع التاريخ.) و(السياسة فنّ التكيّف، أما الصحافة فهي فنّ كشف الحقيقة.).

واليوم، في زمن السلام والمؤسسات، تحولت الكلمة من أداة للنضال المسلح إلى أداة للبناء. فقد انتقلت الصحافة من مرحلة التحرر الوطني إلى مرحلة بناء الدولة، حيث تتمثل مهمتها في مراقبة الأداء السياسي، حماية القيم الديمقراطية، وترسيخ الحرية والسلم المجتمعي.

وفي ظلّ التعقيدات والمخاطر التي تشهدها المنطقة اليوم، أصبحت الصحافة المسؤولة أكثر ضرورة من أي وقت مضى لمواجهة التضليل، وحماية الاستقرار المجتمعي، والدفاع عن الكيان والحقوق الدستورية لإقليم كوردستان.

لقد أثبتت تجربة الاتحاد الوطني  الكوردستاني بأن العلاقة بين القلم والسياسة، أو بين القلم والسلاح، ليست علاقة ثانوية أو هامشية، بل علاقة تكامل وجودي،فالسلاح قد يحقق نصرا عسكريا، لكن الكلمة هي التي تبني الدولة وتحفظ السلام الدائم.

إن الشعوب التي لا تقرأ تاريخها المكتوب، سرعان ما تكرر الأخطاء ذاتها التي ارتكبتها في السابق. أما الأمم التي تؤمن بالكلمة، فهي قادرة ليس فقط على قراءة التاريخ، بل على كتابة المستقبل أيضا.

وغالبا ما يكون الحبر الذي يبني الفكر أقوى من الرصاصة التي تحمي القلعة.

وفي الختام، ينبغي أن نضع أمام أعيننا حقيقة أن التاريخ ليس مجرد مجموعة من الأحداث الجافة التي مضت خلفنا، بل هو مختبر لفهم الحاضر وما ينتظرنا،إن مسؤوليتنا، كأفراد وكمجتمع، تكمن في قدرتنا على استعادة المعنى للحياة والنضال عبر حوار فكري عميق وإصلاح أخلاقي ووجداني.

ورغم أن الرحلة مليئة بالعقبات، فإن الإنسانية كانت تتألق دائما في اللحظة التي استطاعت فيها أن تجعل من العقل والأخلاق بوصلة لطريقها.

فلْيكن هذا النصّ ليس مجرد صوت بين الأصوات، بل بداية للتأمل وخطوة عملية نحو مستقبل أكثر إشراقا.


21/05/2026