منصة(Persuasion)/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
"إنه أمر غير عادل للغاية، فالجمهوريون والقضاة وأعضاء المحكمة العليا يريدون دائما أن يثبتوا أنهم مستقلون... يقولون: لا يهمني أن ترامب هو من عينني، ولا يهمني إن كان ذلك يؤثر عليه، سأصوت ضده. لأنهم يريدون إظهار استقلاليتهم. تعلمون، إنهم أغبياء."
— دونالد ج. ترامب، 1 نيسان 2026
كان الرئيس ترامب مستاء بعد حضوره شخصيا جلسات المحكمة العليا الخاصة بالأمر التنفيذي الذي أصدره بهدف إلغاء حق المواطنة بالولادة. وقد أبدى عدد من قضاة المحكمة العليا تشككهم في الحجج التي قدمها جون ساور، الممثل القانوني للإدارة، بشأن دستورية ذلك الأمر التنفيذي.
ولم يقتصر ترامب على السخرية من مبدأ المواطنة بالولادة، بل سخر أيضا من الفكرة الأساسية القائلة إن القضاة يجب أن يكونوا مستقلين عن الرئيس الذي قام بتعيينهم.
وخلال الأسبوع الماضي، أوقف قضاة المحاكم الفيدرالية الدنيا عددا من قراراته وإجراءاته، من بينها إعادة تسمية مركز كينيدي، وإنشاء صندوق بقيمة 1.8 مليار دولار لمكافأة المشاركين في أحداث السادس من كانون الثاني، إضافة إلى الملاحقة القضائية التي وصفت بالانتقامية ضد كيلمار أبريغو غارسيا من قبل وزارة العدل.
وقد أدى ذلك إلى موجة من الهجمات من جانب أنصار ترامب ضد ما وصفوه بـ"القضاة الناشطين المتطرفين"، الذين يُتهمون بالتحرك بدوافع حزبية وعدائية.
في ضوء هذه التطورات، قد يكون من المفيد استعراض تاريخ فكرة استقلال القضاء. فهذه الفكرة تعد إحدى المؤسسات التأسيسية الرئيسية للتطور السياسي الغربي، وخصوصا في التقليد الأنغلوساكسوني الأمريكي، بل إنها تمثل إحدى الركائز التي استندت إليها عظمة الحضارة الغربية نفسها.
يمكن تتبع جذور استقلال القضاء إلى سلسلة من الأحداث عُرفت باسم "صراع التنصيب الكنسي"، والتي وقعت خلال النصف الثاني من القرن الحادي عشر. وقد دارت هذه الأزمة بين البابا غريغوريوس السابع والإمبراطور الروماني المقدس هنري الرابع حول مسألة من يمتلك حق تعيين الكهنة والأساقفة داخل الكنيسة: البابا أم الإمبراطور؟
وكما هو الحال اليوم، كانت سلطة التعيين في المناصب العليا تمثل مصدر السيطرة على الكنيسة الكاثوليكية نفسها، التي كانت آنذاك المؤسسة الأكثر نفوذا إلى جانب السلطة السياسية.
وفي تلك المرحلة التاريخية، كانت الكنيسة الكاثوليكية أيضا الحارس الأساسي للقانون. فقد عثر رجال الكنيسة على نسخة مفقودة منذ زمن طويل من "مدونة جستنيان"، وهي المجموعة القانونية الرسمية للقانون الروماني التي جمعها الإمبراطور البيزنطي جستنيان في القرن السادس الميلادي.
وقد أصبحت هذه المدونة الأصل الذي انبثقت منه أنظمة القانون المدني المعاصرة المستخدمة اليوم في أوروبا وآسيا، وبدأت الكنيسة بتدريسها في كليات الحقوق التي أُنشئت في مدن مثل أكسفورد وباريس وكوبنهاغن.
وأدى صراع التنصيب الكنسي إلى نزاع طويل الأمد، تم خلاله حرمان هنري الرابع كنسيا، واضطر إلى طلب الغفران من البابا "حافي القدمين في الثلج" في قلعة كانوسا الشهيرة.
ولم تُحسم القضية إلا عام 1122 عبر "اتفاقية فورمس"، التي سمحت للكنيسة بالاحتفاظ بسيطرتها على تعيين كوادرها ومناصبها الدينية.
وبذلك بقيت السيطرة على القانون الكنسي بيد مؤسسة مستقلة عن السلطة السياسية المهيمنة، هي الكنيسة.
ومع مرور الزمن، تطور القانون، سواء في أوروبا القارية أو ضمن تقاليد القانون العام في إنكلترا، ليصبح منظومة من القواعد التي لا تخضع مباشرة لسيطرة السلطة التنفيذية.
ولم يكن ذلك بسبب غياب المحاولات للهيمنة عليه، إذ واصل الملوك الطموحون عبر القرون السعي لانتزاع السلطة القانونية من الكنيسة.
وفي إنكلترا، أنشأ الملك هنري الثامن في نهاية المطاف كنيسة إنكلترا المستقلة لأن البابوية في روما رفضت منحه الطلاق من زوجته الأولى.
أما الملك تشارلز الأول من أسرة ستيوارت، فقد سعى إلى الالتفاف على السلطات القانونية القائمة عبر استغلال "محكمة النجمة" التي كانت هيئة قضائية خاصة خاضعة لسيطرته المباشرة، واستخدمها لملاحقة خصومه السياسيين بدلا من العمل بالتنسيق مع البرلمان.
(هل يبدو هذا مألوفا؟)
وقد أدت محاولاته المتكررة للالتفاف على القانون وتجاوز البرلمان في نهاية المطاف إلى إعدامه واندلاع الحرب الأهلية الإنكليزية.
واستمر الصراع بين الملك والبرلمان لعقود، ولم يُحسم إلا خلال "الثورة المجيدة" بين عامي 1688 و1689، التي أطاحت بأسرة ستيوارت ورسخت مبدأ سيادة البرلمان.
ومنذ ذلك الحين، لم يعد الملوك الإنكليز فوق القانون، بل أصبحوا خاضعين له، وملزمين بالامتثال للقوانين التي يسنها البرلمان.
وهناك صورة أكبر يجب ملاحظتها هنا، فإن خضوع القانون لسلطة قضائية مستقلة كان أحد الأسباب الرئيسية لصعود الحضارة الغربية وهيمنتها خلال القرون اللاحقة.
فالصين وبلاد فارس والإمبراطورية البيزنطية جميعها مارست شكلا مما يعرف بـ"القيصرية البابوية"، حيث اندمجت السلطة السياسية بالسلطة الدينية، مما منح الأباطرة والملوك السيطرة النهائية على القانون.
أما في إنكلترا وأجزاء أخرى من أوروبا الغربية منذ القرن الثامن عشر فصاعدا، فقد أصبح القانون خاضعا لسلطات قضائية مستقلة.
وقد وفر ذلك توازنا أمام السلطة التنفيذية، وساهم في جعل العالم الاقتصادي الحديث ممكنا.
وكما يؤكد أي خبير اقتصادي، فإن سيادة القانون - بمعنى حماية حقوق الملكية وإنفاذ العقود - تعد شرطا أساسيا للنمو الاقتصادي الحديث.
لكن سيادة القانون الحقيقية، خلافا لحكم القانون السلطوي الذي تستخدمه الأنظمة الاستبدادية كأداة للسيطرة، لا يمكن أن تتحقق إلا بوجود قضاء مستقل.
فإذا استطاع الملوك أو الرؤساء التدخل تعسفيا في المعاملات الاقتصادية ومصادرة الممتلكات متى شاؤوا، فلن يكون هناك استثمار أو ابتكار.
كما أن القضاء المستقل هو أحد العوامل التي جعلت الولايات المتحدة دولة عظيمة.
فالولايات المتحدة لم تمتلك يوما دولة مركزية قوية على النمط الأوروبي أو الصيني، لكنها ورثت من بريطانيا تقاليد راسخة للقانون العام، حيث كان بإمكان شبكة لا مركزية من القضاة تطوير قواعد قانونية مستقرة وفق مبدأ "السوابق القضائية الملزمة"، أي أن الأحكام القضائية الصادرة في ولاية أو دائرة قضائية تصبح مرجعا للولايات الأخرى.
ثم أضيف إلى ذلك التشريع البرلماني الذي أقرته الهيئات التشريعية على مستوى الولايات ثم على المستوى الفيدرالي، مما أوجد الأساس القانوني الذي دعم النمو الاقتصادي خلال القرن التاسع عشر وما بعده.
أما دونالد ترامب، بطبيعة الحال، فلا يعرف شيئا عن هذا التاريخ، ويعمل وفق قناعة مفادها أنه ما دام قد انتُخب رئيسا، فإن من حقه السيطرة على السلطة القضائية.
وطوال مسيرته المهنية، نظر إلى النظام القانوني ليس باعتباره حكما محايدا للفصل في النزاعات، بل كسلاح يمكن استخدامه لتعزيز ثروته الشخصية ونفوذه السياسي.
ومنذ بداية ولايته الثانية على وجه الخصوص، تسارعت هجماته على مبدأ سيادة القانون، وبلغت ذروتها مع محاولة القائم بأعمال وزير العدل تود بلانش إنشاء صندوق مالي ضخم يضع ما يقرب من ملياري دولار من أموال دافعي الضرائب في جيوب المقربين من ترامب، ويمنح أفراد عائلته حصانة من أي مساءلة قانونية تتعلق بالاحتيال أو إساءة استخدام السلطة.
ولم يكن ما أجبره على التراجع في هذه القضية سوى الضغط السياسي، وهذه المرة جاء من بعض الجمهوريين أنفسهم.
لكن ترامب، ، لن يقبل أبدا بمبدأ أنه ملزم بالتصرف وفق القانون، أو أن نظام العدالة هو شيء آخر غير أداة يمكن تطويعها لخدمة أهدافه الشخصية.
وبذلك، فإن دونالد ترامب لا يرفض فقط مصدرا مهما من مصادر العظمة الأمريكية، بل يرفض أيضا أحد المبادئ التأسيسية للحضارة الغربية.
وبهذا المعنى، فإنه ينضم إلى بقية أنصار “القيصرية البابوية” في العالم، الساعين إلى دمج السلطة القانونية بالسلطة التنفيذية في يد واحدة.