×

  بحوث و دراسات

  شيء عن جذور حكم المغفلين وتحكّم الحمقى



*أ.د. عامر حسن فياض

 

 

تتصدر الكلمات المفتاحية في عالم السياسة المعاصرة زمن التفاهة عبارات فارقة مثل وقف إطلاق النار مع وقف التنفيذ كما هو الحال في غزة وجنوب لبنان ومفردات غارقة في الهذيان واللا منطق والغموض كما هو حال الخطابات والتغريدات الترامبية حيث المنادي أحمق والمنادى عليه يراد له أن يكون مغفل.

كل تلك العبارات والمفردات هي ولادات رحم الحماقة الذي امتدت جذوره إلى عمق تاريخ الحماقة فما هي الحماقة ومن هم الحمقى؟.

في كتاب (أخبار الحمقى والمغفلين) لأبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي وهو العالم المحقق والمؤرخ المدقق والفقيه والواعظ الذي ولد في بغداد بتاريخ 508 هـ وظل يكتب ويخطب وينشر العلم إلى أن وافته المنية سنة 597 هـ وله من العمر سبع وثمانون سنة، في هذا الكتاب وبعد أن جمع (أخبار الأذكياء) شرع في جمع أخبار الحمقى والمغفلين لثلاثة أسباب.

السبب الأول أن العاقل إذا سمع أخبارهم عرف قدر ما وهب له مما حرموه فحثه ذلك على الشكر، والسبب الثاني أن ذكر أخبار الحمقى والمغفلين يحرص المتيقظ على اتقاء أسباب الغفلة، والسبب الثالث لكي يروح الإنسان قلبه بالنظر في سير هؤلاء الحمقى والمغفلين.

في ذكر الحماقة ومعناها يكتب ابن الجوزي (سمي الرجل أحمق، لأنه لا يميز كلامه من رعونته) ومعنى الحمق والتغفيل عنده هو الغلط في الوسيلة والطريق إلى المطلوب مع صحة المقصود بخلاف المجنون فإنه عبارة عن الخلل في الوسيلة والمقصود جميعا، فالأحمق مقصوده صحيح ولكنه يسلك الطريق الفاسد.

وفي باب أن الحمق غريزة أي طبيعة وسجية فيقال (إذا بلغك أن أحمق استفاد عقلا فلا تصدق) وعن الإمام الأوزاعي يقول ابن الجوزي (بلغني أنه قيل لعيسى ابن مريم عليه السلام:ـ يا روح الله إنك تحيي الموتى قال نعم بإذن الله، قيل وتبرئ الأكمه؟ قال نعم بإذن الله، قيل فما دواء الحمق؟ قال: هذا الذي أعياني).

والحمق غريزة لا ينفعها التأديب وليس له حد، وللأحمق أسماء كثيرة منها (الرقيع، الخرف، الأهوج والأخرق) أما في ذكر صفات الأحمق فيعرف الأحمق على رأي ابن الجوزي (بمشيه وتردده وكلامه الأحمق أقوى الأدلة على حمقه) كما أنه يتصف بـ (سرعة الجواب وكثرة الالتفات) ومن علامات الأحمق (خلوه من العلم أصلا) ومن خصاله (فرحه بالكذب).

ومن علامات الحمق كما يرى ابن الجوزي (العجلة، الخفة، الجفاء، الغرور، الفجور، السفه، الجهل، التواني، الخيانة، الظلم، التفريط، الغفلة، الخيلاء، الفخر، المكر... إن استُغْنِيَ بطر، وإن فُقِرَ قنط، وإن قال فحش، وإن سُئِل بخل، وإن قال لم يحسن، وإن قيل له لم يفقه، وإن ضحك نهق، وإن بكى خار).

ويعرف الأحمق بست خصال: الغضب من غير شيء، والإعطاء في غير حق، والكلام من غير منفعة، والثقة بكل أحد، وإفشاء السر، وأن لا يفرق بين عدوه وصديقه ويتوهم أنه أعقل الناس. وقيل إن الناس أربعة فكلم ثلاثة ولا تكلم واحدا: رجل يعلم ويعلم أنه يعلم فكلمه، ورجل يعلم ويرى أنه لا يعلم فكلمه، ورجل لا يعلم ويرى أنه لا يعلم فكلمه، ورجل لا يعلم ويرى أنه يعلم فلا تكلمه لأنه أحمق.

لقد حذر ابن الجوزي من زمانٍ يكون فيه الحكم للمغفلين والتحكم للحمقى وهذا الزمن أراده رئيس أقوى دولة في العالم لكي يَتحكم وارادوه اتباع له لكي يُحْكَموا ! فمن يحكم هم المغفلين ومن يتحكم هو الأحمق في عالم اليوم وفي زمن التفاهة.


28/06/2026