*جاكوب هيلبرغ
في هذه الأيام، هنالك القليل من العبارات التي تتملق الحكومات مثل عبارة “السيادة الرقمية”.
فهي تحمل في طياتها نغمة الاستقلال، وكرامة الحكم الذاتي، والوعد بأن الأمة تمسك بزمام مصيرها بنفسها. لذا فليس من المستغرب أن يتم توظيف هذه العبارة في خدمة نقاش سياسي عصري سريع الانتشار.
وقد تطلعت دول عديدة إلى الأمم المتحدة لتكون الداعية الكبرى لتلك الفكرة. ومن خلال ’الميثاق الرقمي العالمي‘ (Global Digital Compact) والتمويل والآليات التي يحاول البعض تجميعها حوله، تسعى المنظمة جاهدة نحو عالم يتحكم فيه كل بلد فيما تصفه تقارير الأمين العام نفسه بـ “الحد الأدنى الذي لا يمكن تقليصه” من الذكاء الاصطناعي – أي أجهزة الكمبيوتر الخاصة به، وبياناته الخاصة، ونماذجه الخاصة، التي يتم تطويرها وامتلاكها محليا. ومن شأن صندوق بمليارات الدولارات، اقترحته الأمانة العامة، أن يساعد في تمويل هذا البناء. ويقوم عدد متزايد من الحكومات، التي اقتنعت بأن الاستقلالية تتطلب التكرار، بصياغة استراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي لتتناسب مع ذلك – وكل منها عازمة على إعادة بناء، داخل حدودها، بنية موجودة بالفعل في مكان آخر.
إنها رؤية مغرية. كما أنها رجعية وتؤدي إلى نتائج عكسية.
لقد بنى قادة وادي السيليكون ثرواتهم على أساس فكرة غير مألوفة لا يزال قادة الصناعة المحافظون يقاومونها: وهي أن المنافسة على المنتجات والأساليب الحالية، بعيدا عن كونها محركا للازدهار، غالبا ما تكون مقبرة للنمو وطريقا إلى الركود. فالشركة التي تنسخ منتجا موجودا وتتبع الأساليب التقليدية تدخل سوقا مزدحمة وتشاهد هوامش أرباحها تتضاءل حتى تصل إلى الصفر لأن مئة منافس يبيعون الشيء نفسه.
أما الشركة التي تبني شيئا جديدا حقا – شيئا لم يكن موجودا في اليوم السابق – فلا تواجه أي منافسة على الإطلاق وتحتفظ بالأرباح التي تجنيها. الشركة الثانية ترى أرباحها ترتفع من الصفر إلى الواحد، لأنها قد أوجدت سوقا جديدة. أما الأولى فتقلل أرباح الشركات التي بدأت بالفكرة وأرباحها هي نفسها. المبتكرون وحدهم هم من يخلقون ثروة جديدة للمجتمعات.
والآن، لنطبق هذه الفكرة غير التقليدية على الدول. تخيلوا المؤتمر – فهناك دائما مؤتمر – الذي تنهض فيه أربعون حكومة بالتناوب لتتعهد بإنشاء حوسبة سحابية سيادية، نموذج سيادي، بطل وطني خاص بها.
إنهم سيصفقون لاستقلالية كل منهم ثم سيعودون إلى ديارهم ويضخون المليارات في شركات أُنشئت لتفعل بالضبط ما تفعله تسع وثلاثون شركة أخرى، في أسواق أصغر من أن تدعم حتى واحدة منها، ساعين وراء هوامش ربح تتضاءل بشكل لا نهائي نحو الصفر لحظة الإعلان عن البطل التالي. ولن يكونوا قد حققوا ما يُسمى بـ “السيادة الرقمية”، بل نوعا من المستوى العادي المتزامن – كوكبا من النسخ المصغرة، يعيد كل منها ببسالة بناء إنجاز العام الماضي الذي تحقق بالفعل بينما يمضي الإنجاز نفسه قدما بدونهم.
وبينما يعكف الآخرون على إعادة بناء الحاضر، ستكون الشركات الأمريكية منشغلة باختراع المستقبل. فهي لن تدافع عن منصة الأمس؛ بل ستطرح منصة الغد – تلك المنتجات التي لم تُخلق بعد، والتي لم تفكر أي لجنة في جنيف في دعمها، والتي ستحدد معالم العقد القادم قبل أن تنتهي النسخ المقلدة من استنساخ العقد الماضي.
ولأنها ستقف بمفردها عند الآفاق الجديدة، فستحتفظ بما تدره تلك الآفاق: الهوامش الضخمة، والتقييمات المرتفعة، والمراكز المهيمنة في الاقتصاد العالمي. وهذا ليس مجرد مصادفة لحُسن حظ أمريكا. بل إنه الحساب الصارم من الصفر إلى الواحد.
هذا هو الفرق الذي يغفل عنه دعاة السيادة، وهو جوهر اللعبة برمتها. فليس هناك أمة تتمتع بالسيادة الرقمية لأنها قادرة على إعادة إنتاج إنجازات الأمس – فنصف العالم قادر على ذلك. بل تتمتع بالسيادة الرقمية لأنها قادرة على المساهمة في إنجازات الغد. سمّوها “سيادة الابتكار” والتي تتمثل في: القدرة ليس على نسخ ما هو موجود، بل على خلق ما ليس موجودا.
المؤيد للاكتفاء الذاتي يقيس قوته بمدى قدرته على الاستغناء وإعادة البناء. أما المبتكر فيقيس قوته بمدى قدرته على ابتكار ما لا يستطيع أحد غيره ابتكاره. أحدهما ينهي عقدا من الزمن ببناء متحف. والآخر ينهيه وهو يمتلك المستقبل.
لقد تعلمت أمريكا الدرس بالطريقة السهلة. عندما انتقل العالم إلى شبكات الجيل الخامس (5G)، لم يكن لدى الولايات المتحدة شركة رائدة وطنية لتصنيع أجهزة الإرسال والمحطات الأساسية التي تشكل جوهر الشبكة.
كان بإمكانها إعلان حالة طوارئ تتعلق بالسيادة الرقالمية وإنفاق ثروة طائلة على إنشاء شركة محلية لتصنيع المعدات من الصفر. لكنها لم تفعل شيئا من هذا القبيل.
وبدلا من ذلك، اشترت الشركات الأمريكية المعدات من حلفاء موثوق بهم ووجّهت عبقريتها نحو الطبقة الأعلى: الحوسبة السحابية، والبرمجيات، والذكاء الاصطناعي الذي يدير العالم الآن. أمريكا لم تفز بالمستقبل من خلال تصنيع الهوائي. بل فازت من خلال بناء كل ما يمر عبره.
هذا هو المنطق الكامن وراء مبادرة ’باكس سيليكا‘. لم نبنِها كحصن. لقد بنيناها كائتلاف للقدرات – وسيلة للدول التي تثق ببعضها البعض للعثور على أفضل التكنولوجيا أينما وجدت بينها ولربط تلك القوى معا. الفرضية بسيطة وقديمة: الشركاء الموثوق بهم الذين يتبادلون المزايا التي يتمتع بها كل منهم يحققون ما لا تستطيع أي دولة منعزلة تحقيقه بمفردها. قدرات الحوسبة لدى أحد الشركاء تلتقي مع المعادن لدى شريك آخر، والمواهب لدى شريك ثالث، ورأس المال لدى شريك رابع، والنتيجة ليست مجرد جمع بل مضاعفة.
أكد ساتيا ناديلا، الرئيس التنفيذي لشركة مايكروسوفت، مؤخرا على نقطة يجدر بدعاة السيادة الرقمية استيعابها، وهي أن: الجائزة لم تكن أبدا نموذجا رائدا، بل نظاما شاملا رائدا – نظاما مبنيا بحيث تتدفق القيمة إلى الخارج، إلى كل شركة وصناعة ودولة تلامسها، بدلا من أن تتجمع في أيدي من يصادف أنه يمتلك الرقائق الإلكترونية. ولطالما منحت المنصات الكبرى أكثر مما احتفظت به؛ فهي تخلق ثروة أكبر فوقها مما تستحوذ عليه في داخلها.
وما تحتفظ به كل دولة لنفسها، فوق ذلك الأساس المشترك، هو الأصل الوحيد الذي لا يمكن لأي منافس تقليده ولا يمكن لأي لجنة دعمه ماليا لإنشائه: حلقة التعلم الخاصة بها – المعرفة المتراكمة لشركاتها ومؤسساتها، والتي تتضاعف مع كل مشكلة تحلها، حيث يتعزز رأس المال البشري ورأس المال الآلي بشكل متبادل. ليس هناك دولة تصبح ذات سيادة رقمية من خلال اكتناز نموذج سيصبح عتيقا في غضون عام، بل تصبح ذات سيادة رقمية من خلال امتلاك الحلقة التي تحوّل تجربتها الخاصة إلى ميزة. فالنظم المتكاملة، في النهاية، لا تكتفي بالإضافة فحسب؛ بل تقوم بتمكين البناة – الأشخاص الذين سيبتكرون فعليا ما سيأتي بعد ذلك، والذين يحتاجون إلى شركاء وأسواق وزخم، لا إلى حدود مرسومة حول مشكلة تم حلها بالفعل.
يعتقد دعاة السيادة الرقمية أنهم يجهزون دولهم للمستقبل. ولكن في الحقيقة، فإنهم يقودونها، في تشكيل مثالي وممول تمويلا جيدا، نحو الماضي.
السيادة الرقمية لم تكن أبدا جدارا، ولم تكن أبدا نسخة مكررة. لقد كانت دائما أفقا جديدا – والدول الوحيدة التي ستتمتع بالسيادة الرقمية في عصر الذكاء الاصطناعي هي تلك التي تتمتع بالجرأة الكافية لمواصلة دفعها إلى الأمام، نحو المجالات التي لم يبنِها أحد بعد.
* وكيل وزارة الخارجية الأمريكية للشؤون الاقتصادية ومهندس مبادرة ’باكس سيليكا‘.
*موقع وزارة الخارجية الامريكية