×

  رؤى حول العراق

  مصانع الفساد… حيث يُقتل الضمير قبل أن يُسرق الوطن



*فرست عبدالرحمن مصطفى

في العراق لا يخيفني الفاسد بقدر ما يخيفني مصنع الفساد، فالفاسد ليس معجزة وراثية ولم يسقط من السماء بحقيبة مليئة بالعقود والعمولات، بل هو مشروعٌ بدأ صغيرا ثم تكفلت الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام والسياسة بإكمال بنائه حتى أصبح مواطنا ناجحا بمعايير زمن اختلطت فيه القيم بالمصالح.

 

هناك… على مائدة الطعام تبدأ الجريمة الأولى.حين يسمع الطفل أن الواسطة أهم من الاستحقاق وأن الكذب الأبيض لا بأس به إذا حقق منفعة، وأن صاحب المبادئ يعيش فقيرا بينما صاحب العلاقات يعيش أميرا و يُزرع أول حجر في مصنع الفساد قبل أن تمتد يده إلى أول دينار من المال العام.

ثم يدخل المدرسة فيكتشف أن الغش لم يعد فضيحة، بل تعاونا جماعيا وأن من يرفضه يُتهم بأنه يعقد الأمور. فيخرج حافظا للدروس وجاهلا بمعنى الأمانة، مؤمنا بأن الطريق الأقصر هو الطريق الأذكى.

وعندما يصل إلى الجامعة يكتشف أن الشهادة أهم من المعرفة واللقب أهم من الكفاءة، وأن بعض البحوث تُنجز كما تُكتب قوائم التسوق. المهم أن يحمل لقبا يفتح له باب الوظيفة أما الضمير فلا يدخل ضمن متطلبات التخرج.

ثم يأتي الإعلام…ذلك الساحر الذي يستطيع أن يجعل اللص رجل دولة والانتهازي وطنيا والمتلون صاحب حكمة، بينما يتحول الشريف إلى شخص لا يفهم اللعبة. يُصفق للباطل حتى يبدو حقا ويُشكك في الحق حتى يبدو كأنه يحتاج إلى إثبات.

وعندما يصبح هذا الإنسان جاهزا تستقبله السياسة بالأحضان.

لا أحد يسأله ماذا قدم للوطن بل من يقف خلفه. لا أحد يفتش في نزاهته بل في شبكة علاقاته. أما المبادئ فهي في سوق السياسة أشبه بربطات العنق تُبدل مع كل مناسبة وتُغير مع كل مصلحة.

ثم تبدأ المسرحية الكبرى…

إذا سرق قالوا “ذكي… عرف من أين تؤكل الكتف.”

وإذا احتال قالوا “يعرف كيف يعيش.”

وإذا باع مواقفه قالوا “سياسي واقعي.”

أما إذا رفض الرشوة وتمسك بكلمته وحافظ على ضميره، ابتسموا ساخرين وقالوا “مسكين… لا يعرف مصلحته.”

أي زمن هذا الذي أصبحت فيه النزاهة سذاجة والضمير تهمة والثبات على المبدأ تخلفا، بينما صار تبديل القناعات عند أول إغراء مرونة وحنكة وذكاء؟

ثم نسأل بدهشة مصطنعة لماذا تنهار مؤسسات الدولة؟

وكأن المؤسسات تسقط وحدها، لا لأنها بُنيت على بيوت علمت أبناءها أن الواسطة أقوى من القانون ومدارس خرجت ناجحين بلا أخلاق وجامعات منحت ألقابا أكثر مما صنعت ضمائر وإعلام يبيع الحقيقة لمن يدفع أكثر.

ولعل أكثر المشاهد إيلاما وسخرية في آن واحد، أن ترى بعض من أفسدوا البلاد يعودون من بيت الله الحرام ويستقبلون المهنئين بالورود والتهاني والدعوات، بينما تلاحقهم ملفات الفساد أو تُنفذ بحق بعضهم أوامر قبض أو تُكشف قضاياهم وهم ما زالوا يتلقون عبارات “حجٌ مبرور وسعيٌ مشكور.”

يا للمفارقة…ليس لأن الحج موضع سخرية، فالحج من أعظم العبادات وإنما لأن بعض النفوس ظنت أن الطواف حول الكعبة قد يمحو حقوق الناس، وأن ماء زمزم يغسل الأموال المنهوبة وأن صورة بثياب الإحرام تكفي لتلميع سيرة سودتها الرشاوى والصفقات.

الدين لم يكن يوما غطاء للفاسدين بل كان أول من يحاسبهم. والعبادة لا تمنح حصانة من العدالة ولا تعفي أحدا من حقوق العباد. فالمال العام لا يُغسل بماء زمزم وإنما يُغسل برده إلى أصحابه وإقامة العدل.

إن أخطر أنواع الفساد ليس الذي يسرق خزينة الدولة فقط بل الذي يسرق قدسية الدين، فيحول الشعائر إلى ديكور والتقوى إلى صورة والضمير إلى ثوب موسمي يُلبس في الحج ويُخلع عند أول صفقة.

الحقيقة المؤلمة أن الأوطان لا يهزمها الفاسدون وحدهم، بل تهزمها الثقافة التي تبرر الفساد وتمنح الانتهازية لقب الذكاء وتجعل الصمت عن الخطأ حكمة، وتُقنع الناس بأن تغيير المبادئ نوع من الواقعية.

وحين تصبح القيم سلعة والضمير عبئا والأمانة استثناء، فلا حاجة للبحث عن الفاسدين… لأن مصانعهم ستكون قد نجحت في إنتاج أجيال كاملة.

الدول لا تسقط عندما يكثر اللصوص بل عندما يقل المستحيون.

ولا تنهار عندما يعلو صوت الباطل بل عندما يصمت أصحاب الحق.

لأن انهيار القيم يسبق دائما انهيار الجدران، وسقوط الضمير هو أول إعلان غير رسمي… لسقوط الوطن.


12/07/2026