*ماركو روبيو
*وزير الخارجية الأمريكي -4 تموز/يوليو 2026
قبل مائتين وخمسين عاما من اليوم، في قاعة مبنية من الطوب في فيلادلفيا، أعلن آباؤنا استقلالهم عن أقوى إمبراطورية على وجه الأرض.
لم يكونوا حمقى. كانوا يعلمون تماما ما ستعنيه الكلمات المكتوبة على تلك الورقة. كانوا يعلمون أنهم في تلك اللحظة، كانوا يدينون أنفسهم بالخيانة في عيون وطنهم الأم – وأن عقوبة الخيانة هي الموت.
ولذلك، في أسفل تلك الوثيقة، تحت الكلمات الرنانة عن الحقائق البديهية وحقوق الإنسان، كتبوا جملة أخيرة واحدة: “بثقة راسخة في حماية العناية الإلهية، نتعهد فيما بيننا بحياتنا، وثرواتنا، وشرفنا المقدس”.
حياتهم، وثرواتهم، وشرفهم – كل ما يملكونه وكل ما يمثلونه. كل ذلك كان على المحك.
فكروا في نوعية الرجال الذين نتحدث عنهم هنا. من السهل أن ننسى أنهم لم يكونوا فقراء معدمين لا يملكون ما يخسرونه. كانوا من بين أنجح وأكثر الرجال ثراء في عصرهم. محامون، وتجار، وملاك أراضٍ أثرياء، ومزارعون – رجال لديهم عائلات، ومزارع، وثروات.
يقتضي المنطق السليم أنهم سيكونون آخر من يقود ثورة – ناهيك عن المخاطرة بكل شيء، بما في ذلك أرواحهم، من أجل ذلك.
لكنهم فعلوا ذلك على أي حال.
وفعلوا ذلك في مواجهة احتمالات مستحيلة.
فمن جهة كانت الإمبراطورية البريطانية – أقوى قوة شهدها العالم على الإطلاق. ومن الجهة الأخرى كانت مجموعة متناثرة من المستعمرات في أقصى أطراف العالم المعروف، ذات اقتصاد زراعي ضئيل وقوة متناثرة من المزارعين وأفراد الميليشيات ذوي التدريب الضعيف – وهو ما سخر منه أحد الجنرالات البريطانيين في ذلك الوقت واصفا إياه بـ “موكب سخيف” و”حشد مسلح من الرعاع”.
في عام 1776، لم يعتقد سوى قلة قليلة من الناس أن هؤلاء المتمردين الأمريكيين لديهم أي فرصة في النصر. وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، استخفّت النخبة في بريطانيا العظمى بهم واعتبرتهم مجرد إزعاج بسيط، ولا أكثر. وأعلن وزير البحرية الملكية في مجلس الوزراء أن “صوت المدفع وحده كفيل بإجبارهم على الفرار … بأسرع ما تستطيع أقدامهم حملهم”. وتفاخر الجنرال جيمس غرانت – الحاكم الملكي السابق لشرق فلوريدا – أمام مجلس العموم بأنه يعرف الأمريكيين جيدا، و”أنهم لن يجرؤوا أبدا على مواجهة جيش إنجليزي”. وتنبأ الملك جورج نفسه بأن “هؤلاء المتمردين سيستسلمون بمجرد أن يتلقوا ضربة قوية”.
وبدت الأشهر الأولى من الحرب وكأنها تثبت صحة كلامهم. كان جيش جورج واشنطن شجاعا، لكنه جائع وغير مدرب ويعاني من نقص الإمدادات. فقد تركوا مزارعهم ومتاجرهم ومستوطناتهم الحدودية للقتال من أجل وطنهم – ليترنحوا بعد ذلك من هزيمة إلى هزيمة مدمرة.
بحلول كانون الأول/ديسمبر من عام 1776، كانت الثورة على وشك الانهيار. فقد طُرد الجيش القاري من نيويورك، عبر نيوجيرسي، وصولا إلى بنسلفانيا – مهزوما ومتجمدا في برد الشتاء القارس في الشمال الشرقي. وكان حجم الجيش نفسه يتقلص بسرعة. وفي ذلك الشهر، كتب جورج واشنطن إلى شقيقه: “أعتقد أن اللعبة أوشكت على الانتهاء”. ما لم يتغير شيء، فإن قضية الاستقلال ستموت، وسيتم سحق التمرد، وسيُشنق الرجال الذين خاطروا بكل شيء لقيادته باعتبارهم خونة للتاج لكنهم لم يستسلموا. هذا ليس من شيم الأمريكيين.
في ليلة عيد الميلاد، جمع واشنطن ما تبقى من جيشه وعبر نهر ديلاوير المتجمد تحت جنح الظلام. سار رجاله طوال الليل بأحذية ممزقة وخرق ملفوفة حول أقدامهم، تاركين آثار دماء على الثلج. وفي ترينتون، شنوا هجومهم. وبعد بضعة أيام، في برينستون، هاجموا مرة أخرى.
انتصاران مدويان
وبدأت هالة الانتصار البريطاني الحتمي تتصدع ومع ذلك، لم تكن معجزة واحدة كافية لقيادة الوطنيين إلى النصر. استمرت الحرب. وفي العام التالي، استولى البريطانيون على فيلادلفيا، واضطر الكونغرس القاري إلى الفرار. وصل جيش واشنطن متعثرا إلى معسكراته الشتوية في فالي فورج – جائعين، يتجمدون من البرد، وبالكاد يرتدون ملابس، وينامون في أكواخ بنوها بأيديهم. هناك، في ذلك الشتاء القاسي، حدث شيء غير عادي. لم ينهر الجيش القاري، بل تحول إلى قوة قتالية منضبطة ومتمرسة ومحترفة: لقد برز الأمريكيون، الذين دربهم ضباط بروسيون، وربطتهم التضحية المشتركة – ورغم كل الصعاب – كجيش قادر على إسقاط إمبراطورية، مدفوعين بإيمان لا يتزعزع بالبلد الذي كانوا بصدد إقامته.
كل أمريكي يعرف ما حدث بعد ذلك.
منذ البداية، حقق الأمريكيون المستحيل. هذه هي هويتنا. إنها تجري في عروق شعبنا.
إنها السمة الأعمق والأكثر تأصلا في الروح الأمريكية، والتي يعود تاريخها إلى ما قبل الثورة بفترة طويلة. لقد رأيناها في الحصون الخشبية في جيمستاون، وفي المستعمرات الأولى في بليموث، وعلى أسطح السفن نينا وبينتا وسانتا ماريا التي حملت كريستوفر كولومبوس عبر المحيط الأطلسي إلى شواطئ عالم جديد. إنها روح تستخفّ بالقيود، وتتوق إلى آفاق جديدة؛ طموح لا حدود له لفعل ما لا يستطيع الآخرون فعله، والذهاب إلى حيث لا يجرؤ الآخرون على الذهاب، والمغامرة في الظلام لاكتشاف ما يكمن وراء الأفق.
لم تكن أمريكا انقطاعا تاما عن الماضي، بل كانت تتويجا لقصة قديمة بدأت منذ آلاف السنين. نحن مدينون بالكثير من هويتنا للبلد نفسه الذي خاض مؤسِّسونا حربا ضده قبل 250 عاما: كما قال الرئيس ترامب في وقت سابق من هذا العام، “هذه الأرض استوطنها وصاغها رجال تجري في عروقهم الشجاعة الأنجلوساكسونية”؛ الذين كانت لغتهم وثقافتهم وحبهم الشديد للحرية “ميراثا جليلا” من أسلافهم عبر البحر. لقد تشكل مصيرنا، على مدى قرون، في ممالك وإمبراطوريات أوروبا، قبل أن ينطلق بقوة إلى هذه القارة لبناء عالم جديد على صورتها. فقد زرع بذوره فلاسفة أثينا، وجلال الإمبراطورية الرومانية، والرهبان والملوك في العالم المسيحي في العصور الوسطى – وأطلقت قرونٌ من الاستكشاف الأوروبي، والعلوم، والإيمان، والطموح الذي لا يهدأ، العنان أخيرا من كل قيود على الجبهة الأمريكية التي لا حدود لها.
لقد كانت أمريكا تشكل مصير حضارة بأكملها. هنا، في بلدنا، أثمرت آلاف السنين من التاريخ، ورسمت كامل وعدها على اللوحة الفارغة لعالم جديد.
وانظروا إلى ما أسفر عنه ذلك.
في غضون قرنين ونصف فقط – وهي مجرد غمضة عين في سياق التاريخ الكبير – تجاوز الأمريكيون كل ما تحقق من إنجازات سابقة. من الرقائق الدقيقة والذرات إلى السكك الحديدية والصواريخ، وعبر كل جبهة جديدة ومستوى من مستويات التقدم البشري، لم نكتفِ بتحويل أرض برية لم تُكتشَف بعد إلى أقوى دولة على وجه الأرض فحسب؛ بل حملنا البشرية بأسرها إلى عصر جديد من التاريخ.
لم نقم بهذه الأعمال لأننا كنا مضطرين إلى ذلك. بل قمنا بها لأننا كنا قادرين عليها. لأن أحدا لم يسبق له أن حققها من قبل. ولأن الأمريكيين كانوا دائما روادا – أبناء وبنات طليعة المستقبل. لا يوجد مكان لا نستطيع الوصول إليه. ولا يوجد شيء لا نستطيع فعله.
وبالنسبة لنا، لم تغلق الأبواب أبدا. عندما نفدت الأراضي عند الحافة الغربية لهذه القارة، بدأنا في البناء نحو الأعلى – طائرات وناطحات سحاب تخترق الأفق. وعندما نفد الحيز الجوي، ذهبنا أبعد من ذلك، فصنعنا آلات قادرة على حملنا إلى القمر.
والآن، نقف على أعتاب عصر جديد آخر، مليء بآفاق وإمكانيات جديدة لم يكن أسلافنا ليحلموا بها. وكما فعلنا في كل فصل سبق، سيقود الأمريكيون هذا الفصل أيضا.
نحن الأمريكيون شعب مبتكر ومبدع: روح تاريخ العالم موجودة هنا، على هذه الأرض، بين أيدينا.
هذه هي هويتنا. على مدى 250 عاما، كانت هذه أرض المعجزات، حيث قام رجال استثنائيون بأعمال استثنائية. والليلة، نجدد التزامنا تجاه بلدنا، وتجاه الواجب المقدس المتمثل في ضمان أن يكون مستقبل أمريكا مصدر فخر واعتزاز تماما مثل ماضيها.