×

  تركيا و الملف الکردي

  الكرد وتركيا في الحسابات الاستراتيجية المستقبلية لحلف الناتو



*نوزاد المهندس

 

  اختتمت أعمال القمة السادسة والثلاثين لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتي عُقدت يومي الثلاثاء والأربعاء الماضيين (7 و8 تموز/يوليو 2026) في العاصمة التركية أنقرة. ورغم انتهاء القمة، إلا أن الزخم والاهتمام بما دار في كواليسها ومضامينها لا يزال مستمراً، سواء في الأوساط السياسية، أو الشارع التركي، أو لدى بقية الدول الأعضاء في التحالف.

  أجرت الرئاسة التركية، يوم الجمعة، تقييماً لمكتسبات هذه القمة، التي شكّلت حدثاً تاريخياً لأنقرة، كونها الأولى التي تستضيفها البلاد منذ قمة إسطنبول عام 2004. وفي هذا الصدد، صرّح برهان الدين دوران، رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية، بأن الحراك الدبلوماسي المكثف الذي شهدته القمة أثبت مجدداً الدور الفاعل والمحوري لتركيا في تعزيز الأمن والسلم والاستقرار الدوليين.

  وأشار دوران إلي اللقاءات التي عقدها الرئيس رجب طيب أردوغان مع قادة القمة، وممثلي الاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلي رئيس سوريا أحمد الشرع (الذي دُعي للقاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب). وقد ركزت المباحثات على تطوير العلاقات الثنائية، وتعميق التعاون في مجالات الصناعات الدفاعية، التجارة، الأمن، وهيكلية الأمن الأوروبي، بالتزامن مع مناقشة المستجدات الإقليمية والدولية.

 كما أوضح رئيس دائرة الاتصال أن الاجتماعات سلطت الضوء على الجهود الرامية للتوصل إلي وقف دائم لإطلاق النار في قطاع غزة، وإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية عبر القنوات الدبلوماسية، والحفاظ علي التفاهمات بين إيران والولايات المتحدة، فضلاً عن رؤية تركيا الثابتة لترسيخ الاستقرار في سوريا.

 

أبعاد الدور التركي في حلف الناتو

  من الواضح أن دور تركيا في حلف الناتو قد شهد في السنوات الأخيرة تحولات كبرى، وتأرجحاً بين التوتر والتوافق. ويمكننا قراءة هذا الدور من خلال عدة أبعاد رئيسية:

 

• الموقع الجيوسياسي والاستراتيجي:

تمتلك تركيا ثاني أكبر قوة عسكرية في الحلف بعد الولايات المتحدة. كما أن سيطرتها على مضيقى البوسفور والدردنيل تمنحها موقعاً فريداً لا ينافس، لا سيما بعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، حيث تعد تركيا بمثابة "المفتاح" للتحكم في البحر الأسود.

 

• سياسة "التوازن" والوساطة:

تلعب أنقرة على حبل التوفيق بين ولائها للناتو والحفاظ على علاقاتها الاقتصادية ومجال الطاقة مع موسكو. فمن جهة، زودت أوكرانيا بالطائرات المسيرة وأغلقت المضائق، ومن جهة أخرى، لم تنخرط في العقوبات المفروضة على روسيا، ولعبت دور الوسيط في اتفاقية تصدير الحبوب.

 

• الصناعات العسكرية المحلية:

 باتت تركيا اليوم أقل اعتماداً على شراء الأسلحة من الخارج، وتصب اهتمامها علىتطوير صناعاتها الدفاعية المحلية (مثل المسيرات، الأنظمة الدفاعية، والسفن الحربية). هذا التحول يمنحها قوة أكبر في فرض شروطها داخل التحالف.

• أوراق الضغط والملفات الداخلية: رأينا جميعاً كيف استخدمت أنقرة حق الفيتو ضد انضمام السويد وفنلندا حتي استجابت الدولتان لشروطها المتعلقة بالملف الكردي، ومكافحة الإرهاب، وشراء مقاتلات35 F- الأمريكية. هذا يؤكد أن تركيا تستخدم الناتو كمنصة لحماية مصالحها الوطنية المباشرة.

وهنا يبرز التساؤل الجوهري: هل هذا الدور التركي الجديد (الأكثر استقلالية وبراغماتية) يعزز الناتو كتحالف، أم أنه سيؤدي إلي إضعاف تماسك الناتو الداخلي في المستقبل؟

  هذه المسألة ذات حدين؛ فالناتو بحاجة ماسة لموقع تركيا وثقلها في منطقة الشرق الأوسط كمجاور مباشر لإيران وروسيا، مما يجعل التخلي عن دور تركيا المستقبلي أمراً مستبعداً، رغم وجود بعض الخلافات بين تركيا وإسرائيل (حليفة أمريكا). وفي المقابل، تحتاج تركيا بشدة إلي الناتو كغطاء ودعم تكنولوجي وعسكري، وكسوق لبضائعها، فضلاً عن أنه يمنحها مكانة دولية أقوي. أضف إلي ذلك أن تركيا تمثل شريان الطاقة لأوروبا عبر نقل النفط والمعادن والغاز الطبيعي. وبناءً على هذه الحقائق، لا يمكن لأي من الطرفين استراتيجياً الاستغناء عن الآخر، بل هما مجبران على التوافق.

 

مرتكزات التوازن بين تركيا والناتو

يتمحور الحفاظ علي التوازن بين أنقرة والناتو حول أربعة محاور:

1. الجيوسياسة وظلال إيران وروسيا:

 يُعد موقع تركيا الجغرافي خط صد وجسراً في آن واحد. وجود عضو قوي يمتد على حدود إيران والبحر الأسود المتاخم لروسيا يمثل ورقة ضغط لا مثيل لها للحلف. ويعلم الناتو جيداً أن ارتماء تركيا الكامل في أحضان المعسكر الشرقي (الصين وروسيا) سيلحق ضرراً استراتيجياً بالغرب.

 

2. أمن الطاقة الأوروبي:

بعد حرب أوكرانيا وانقطاع الغاز الروسي، أصبحت تركيا "الشريان الأبهر للطاقة" للقارة العجوز. فمن خلال خطوط الأنابيب مثل (TANAP) ومشاريع نقل غاز بحر قزوين وشرق المتوسط، باتت أنقرة هي المتحكم في حجم وتدفق الطاقة إلى منازل ومصانع أوروبا.

 

3.التوترات مع إسرائيل:

 التوتر الحالي بين أنقرة وتل أبيب يضع واشنطن في اختبار صعب، حيث تسير أمريكا على حبل مشدود بين حمايتها لحليفتها التاريخية (إسرائيل) والحفاظ علىالتوازن مع أثقل قوة عسكرية في المنطقة داخل الناتو (تركيا). لكن في النهاية، المصالح العسكرية العليا للناتو لن تسمح لهذا التوتر بالوصول إلي نقطة القطيعة.

4. حاجة تركيا لتكنولوجيا الناتو: 

رغم نجاح تركيا في تطوير مسيرات (بيرقدار) والصناعات البحرية، إلا أنها لا تزال بحاجة حيوية لأمريكا والناتو في الأنظمة المعقدة مثل محركات الطائرات الحربية، طائرات الجيل الخامسF-35، وتكنولوجيا الأقمار الصناعية. فالناتو يمثل سوقاً وصك شرعية دولية للسياسات التركية.

وهنا نطرح سؤالاً آخر: بالنظر إلي هذا الاعتماد المتبادل وموقع تركيا كممر للطاقة، هل سيضطر الناتو مستقبلاً لغض الطرف عن سياسات تركيا التوسعية والمستقلة، أم أنه سيضع لها خطوطاً حمراء في مرحلة ما؟

  بالتأكيد، لن يسمح الناتو لتركيا بأن تصبح اللاعب المهيمن الأوحد في المنطقة على حساب حلفاء الغرب الأساسيين مثل إسرائيل أو مصر أو السعودية. لذلك، فإن تركيا بالنسبة للناتو أشبه بـ"العكاز الذي يُستخدم وقت الحاجة فقط". هذا التعريف يتطابق تماماً مع واقع السياسة الدولية؛ فحين تنتهي المصالح، تُعاد رسم الحدود.

 

قرارات قمة أنقرة: لمن الغلبة؟

 عند قراءة مقررات قمة أنقرة، نتساءل: هل جاءت هذه القرارات ضد أطراف معينة؟ وهل صبّت في مصلحة تركيا أم لا؟

إن عقد القمة في تركيا يحمل رسالة دلالية هامة، ويمكن تصنيف مخرجاتها كالتالي:

 

أولاً: ضد من وُجهت القرارات؟

• ضد روسيا وإيران (بالدرجة الأولى): ركزت القمة علىتعزيز الجناح الشرقي للناتو والبحر الأسود، وقرار زيادة القوات البحرية وأنظمة المراقبة يهدف مباشرة لمحاصرة التحركات العسكرية لموسكو وتقليص نفوذ طهران الإقليمي.

• ضد الجماعات المسلحة غير الحكومية (الإرهاب): نجحت تركيا في توسيع مفهوم الحلف لـ"مكافحة الإرهاب"، وهو ما يصب بطريقة غير مباشرة في خانة استهداف القوى الكردية في سوريا التي تراها أنقرة تهديداً لأمنها.

 

ثانياً: هل كانت في مصلحة تركيا؟

الإجابة هنا نسبية ومؤقتة، فالقمة منحت تركيا مكاسب وفرضت عليها قيوداً في آن واحد:

• المكاسب: عززت شرعية أردوغان السياسية داخلياً وخارجياً، وأثبتت أن الناتو لا يمكنه تجاهل أنقرة. كما حصلت على تعهدات أكبر لمكافحة حزب العمال الكردستاني (PKK)، وفتح الضوء الأخضر لاستمرار الصفقات العسكرية ومنها طائراتF-35.

• القيود: أُجبرت تركيا على تأكيد التزامها بالاستراتيجية العامة للناتو، مما يعني تقييد مناوراتها المستقلة مع روسيا، حيث لن يسمح لها الحلف بتجاوز سقف محدد مع موسكو، كما تم كبح أىتحرك عسكري عنيف قد يخل بالتوازن مع مصر أو إسرائيل.

 

السؤال الحساس: أين يقع الكرد في خطط الناتو المستقبلية؟

ما هو دور كرد إيران وإقليم كردستان العراق في خطة الناتو لتقويض أو تغيير سلوك النظام الإيراني؟

لفهم هذا الملف الجيوسياسي المعقد بعيداً عن العاطفة وبلغة واقعية، نجد أن سياسة الناتو والغرب تجاه الكرد تسير في مسارين منفصلين:

 

1. إقليم كردستان العراق (حفظ الاستقرار وخط الدفاع)

 ينظر الناتو وأمريكا إلى الإقليم كـ"منطقة آمنة وحليف موثوق" في محيط متفجر، لكن دور الإقليم مستقبلياً هو دفاعي أكثر منه هجومي:

• حفظ التوازن: يريد الغرب إقليماً قوياً وقادراً على الصمود أمام تمدد الفصائل والتدخلات الإيرانية، لكنه لا يريده أن يصبح منطلقاً للهجوم المباشر على إيران لتجنب اندلاع حرب إقليمية شاملة لا تخدم مصالح الغرب الحالية.

• قاعدة لوجستية واستخباراتية: يمثل الموقع الجغرافي للإقليم أهمية حيوية لدوائر الاستخبارات الغربية لمراقبة الداخل الإيراني عن كثب.

2. كرد إيران (شرق كردستان): ورقة ضغط أم أداة للتغيير؟

 

ينظر الغرب إلى القوى السياسية الكردية الإيرانية بمنظار مختلف:

• ورقة ضغط داخلية مؤثرة: في حال وجود أى خطة لإضعاف النظام الإيراني، يعلم الناتو أن المكون الكردي هو الأكثر تنظيماً وجاهزية لمواجهة السلطة (كما ظهر في احتجاجات السنوات الماضية).

• دعم محدود ومقيد: غالباً ما يستخدم الغرب هذه القوىكورقة ضغط (Leverage) لإجبار طهران على الجلوس إلى طاولة المفاوضات (الملف النووي مثلاً)، وليس كحليف استراتيجي دائم.

 

العقبات والتحديات الكبري

تواجه هذه الخطط تحديات جمة، أبرزها:

1. الفيتو التركي: تركيا عضو أساسي في الناتو، وتعارض بشدة أى خطة تؤدي إلي تقوية كيان كردي أو تسليح إضافي للقوات الكردية في المنطقة، تماشياً مع رؤيتها للأمن القومي.

2. استراتيجية "تغيير السلوك" لا "إسقاط النظام": لا تزال استراتيجية الناتو وأمريكا تتمحور حول "الاحتواء" (Containment) وليس إسقاط النظام الإيراني مباشرة، خوفاً من حدوث فراغ أمني كارثي يجر المنطقة إلي فوضي عارمة.

 

الخلاصة والتوقعات

  خدمت قرارات قمة أنقرة مصالح تركيا المؤقتة وثبّتت موقعها كـ"عكاز حيوي"، لكنها في الوقت ذاته أحكمت قبضة الناتو على أنقرة لإبقائها داخل المعسكر الغربي دون الإخلال بخرائط حلفاء أمريكا الإقليميين. الغرب والناتو يدركون تنامي الصناعات العسكرية التركية؛ لذا يحاولون عبر الأدوات الاقتصادية (عقوبات غير مباشرة، خفض قيمة الليرة) وعبر دعم خصوم أنقرة (اليونان وقبرص) إبقاء القوة التركية تحت سقف محدد لا يصل إلي مستوى"الإمبراطورية المستقلة".

 أما بالنسبة للكرد (في الإقليم أو في إيران)، فلا يمكن تجاوز ثقلهم ودورهم في أى خطة مستقبلية لتحجيم إيران. لكن التاريخ والواقع السياسي يعلماننا أن التحالفات الدولية تُبني علي المصالح المؤقتة؛ لذا من الضروري أن يوازن الجانب الكردي دائماً بين طموحاته القومية وواقع الجغرافيا السياسية، وألا يعتمد كلياً على الوعود المؤقتة للقوى العظمى.


16/07/2026