×

  قضايا كردستانية

   عندما يتحاور أعمى وأصم وأبكم حول مصير إقليم كوردستان



*عماد أحمد

*ترجمة : نرمين عثمان محمد/ عن صحيفة كوردستاني نوى

يقال إن الحكماء القدامى، حين كانوا يريدون البوح بحقيقة مُرّة، لم يكونوا يواجهونها بالكلمات المباشرة، بل يكسونها بثوب الرمز. فتارة تتحدث الحيوانات، وتارة تنطق الأشجار، وأحيانا تجري الأنهار بالحكمة أو تغرد بها الطيور؛ لأن بعض الحقائق لا تُقال إلا بلغة الرمز، ولا تُدرك إلا بالعقل المتأمل.

وفي أمسية هادئة، وعلى قمة جبل يطل على الأفق، اجتمع أعمى وأصم وأبكم. جلس كل منهم على صخرة، يتبادلون أطراف الحديث بينما كانوا يكسرون بذور عباد الشمس، وكأنهم يقتاتون على الوقت بانتظار حقيقة مؤجلة.

قطع الأعمى الصمت قائلا: أين نحن؟ أفي المنطقة الصفراء أم في المنطقة الخضراء؟

أجابه الأصم بهدوء: لسنا في المنطقة الصفراء ولا في المنطقة الخضراء، نحن في إقليم كوردستان.

وفي تلك اللحظة، كانت الريح تهمس بين أغصان الأشجار، فيما كانت الشمس تنثر آخر خيوطها الذهبية على قمم الجبال، وكأن الطبيعة نفسها تنصت إلى ذلك الحوار الغريب.

قال الأعمى: أنا لا أرى، ولا يضر عجزي أحدا، لكن هناك عمى أشد خطرا من فقدان البصر؛ أن يمتلك الإنسان عينين، ثم يعجز عن رؤية الحقيقة. فكثير من الأمم لا تنهار بفعل عدو خارجي، ولا بسبب قلة الموارد، بل لأنها تقع أسيرة العمى السياسي والفكري، فترى الوهم إنجازا، والخلل نجاحا، وتغض الطرف عن الأخطار حتى تستحيل واقعا.

وقال الأصم: أما أنا فلا أسمع، لكن أكثر ما يثير دهشتي أولئك الذين يملكون آذانا ولا يسمعون صوت شعوبهم. فإذا أُغلقت الآذان أمام أنين النساء، وهموم الشباب، وصرخات العمال، ومعاناة المعلمين، وشكاوى المتقاعدين، فإن تلك الأصوات المكتومة لن تختفي، بل ستتراكم حتى تتحول إلى أزمات تعصف بالجميع، لأن الشعوب التي لا يُصغى إليها اليوم، قد لا تجد غدا سوى الصراخ وسيلة لإسماع صوتها.

أما الأبكم، فظل صامتا، ثم انحنى وكتب على التراب كلمة واحدة:"الثقة".

تأملها الأعمى طويلا، ثم قال: هذه الكلمة هي حجر الأساس الذي تقوم عليه الدول. فالمال، والسلاح، والنفط، والحصون، والقصور، كلها لا تستطيع أن تعوض غياب الثقة. فإذا تصدعت الثقة بين الشعب والسلطة، وبين القانون والعدالة، وبين القيادة والمواطن، فلن تبقى الأزمة خارج الأسوار، بل ستولد في قلب الوطن نفسه.

ثم عاد الأبكم وكتب ثلاث كلمات أخرى:"القانون... العدالة... المساواة".

ابتسم الأعمى وقال: هذه هي الأعمدة التي لا يستقيم وطن من دونها. فإذا لم يكن القانون واحدا على الجميع، فقدت العدالة معناها. وإذا غابت العدالة، تآكلت الثقة. وإذا انهارت الثقة، تحولت الوحدة إلى شعار يردد، لا إلى واقع يعيش.

سأل الأصم: ولماذا يفكر كثير من الشباب في الهجرة؟

أجاب الأعمى: لأن الإنسان لا يبحث عن لقمة العيش وحدها، بل يبحث عن الكرامة والأمل والمستقبل. وحين لا يجد مستقبله في وطنه، تتجه خطاه إلى المجهول، ولو كان بعيدا. وقد قال الحكماء: **"الشجرة التي لا تجد ما يغذي جذورها، ستبحث عن مطر في أرض أخرى."

وفي تلك اللحظة، نطق الأبكم لأول مرة، وقال كلمة واحدة:"الخوف..."

أطرق الأعمى برأسه، ثم قال: نعم... الخوف. فكثير من الأزمات لا تستمر بسبب نقص الحكمة أو قلة المعرفة، بل بسبب الخوف من الإصلاح والتغيير. والمجتمع الذي يعد النقد خصومة، ويعتبر المصارحة تهديدا، لن يلبث أن يرى أزماته قدرا لا مفر منه.

سأل الأصم: وما السبيل إلى الخلاص؟

قال الأعمى: لا يكون الإصلاح بتغيير الأسماء أو تبديل الوجوه، بل بتغيير طريقة التفكير، ومنهج الحكم، وثقافة الإدارة، وسلوك المؤسسات. فالسلطة تزداد قوة عندما تصغي إلى الحقيقة، لا عندما تحيط نفسها بأصوات المديح. والحزب يخلد عندما يجعل مصلحة الوطن فوق مصالحه الضيقة. أما الشعوب، فلا تنهض إلا حين تمتلك شجاعة مراجعة أخطائها، بدلا من الاكتفاء بإلقاء اللوم على الآخرين.

وازداد الليل ظلمة، واشتدت برودة الريح، فنهض الثلاثة يسيرون نحو سفح الجبل، كان الأعمى، والأصم، والأبكم، على الرغم من إعاقاتهم، أكثر بصيرة بالحقيقة، وأكثر إنصاتا لنداء الضمير، وأكثر إيمانا بالمستقبل. أما في المقابل، فثمة كثيرون يملكون أعينا تبصر، وآذانا تسمع، وألسنة تنطق، لكنهم لا يرون الحقيقة، ولا يسمعون صوت الناس، ولا يملكون شجاعة الجهر بها.

وظلت الريح تهمس من خلفهم، كأنها تردد حكمة خالدة:

-لعمى البصر علاج، أما عمى البصيرة فلا دواء له إلا الصدق.

 -ولصمم الأذن دواء، أما الصمم عن صوت الحقيقة فلا يبرئه إلا الإنصات.

- والبكم عجز عن الكلام، أما الصمت أمام الحقيقة فهو اختيار قد يتحول إلى كارثة.

بهذه الكلمات غابت أصواتهم، وبقيت الحكمة تتردد بين الجبال، لأن الأمم لا تسقط حين يفقد بعض أبنائها البصر أو السمع أو النطق، وإنما حين يفقد أصحاب القرار بصيرة الضمير، وحين يصبح الصمت عن الحقيقة سياسة، والإنكار منهجا، والولاء للأشخاص بديلا عن الولاء للوطن.

وهكذا، فإن مستقبل إقليم كوردستان لن تصنعه الشعارات، بل الخيارات. خيار امتلاك شجاعة رؤية الحقيقة قبل تزيينها، والإنصات إلى صوت المواطن قبل أصوات المتملقين، وترسيخ سيادة القانون، وإقامة العدالة، وصون المساواة فوق كل اعتبار، فالأمم لا تنهض بالوعود، ولا تستمر بالمعجزات، وإنما تبنى على الثقة بين الحاكم والمحكوم، وعلى الحكمة في إدارة شؤونها، وعلى الشجاعة في مواجهة الفساد، والصدق في الاعتراف بالأخطاء، والإرادة في تصحيحها.

 وعندما تصبح الحقيقة مرجعية، لا عبئا، يصبح المستقبل أكثر أمنا، ويغدو الوطن أقوى، وتستعيد الدولة هيبتها، ويستعيد المواطن ثقته بأن الغد سيكون أفضل من الأمس.


16/07/2026