*محمد شيخ عثمان
"سيأتي على الناس سنوات خداعات، يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخون فيها الأمين، وينطق فيها "الرويبضة"". قيل: وما "الرويبضة" يا رسول الله؟ قال: "الرجل التافه يتكلم في أمر العامة".
لم يكن هذا الحديث النبوي الشريف مجرد وصف لمرحلة عابرة، بل كان استشرافا عميقا لزمن تتبدل فيه الموازين، وتصبح الشهرة بديلا عن المعرفة، والضجيج بديلا عن الحكمة، والمنصة بديلا عن المنجز. ولعل عصرنا الرقمي هو التجسيد الأكثر وضوحا لهذه النبوءة، حيث لم يعد "الرويبضة" فردا استثنائيا، بل تحول إلى ظاهرة اجتماعية وثقافية وسياسية تتكاثر بسرعة مذهلة.
لقد ألغت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرا من الحواجز بين الرأي والعلم، وبين الشهرة والكفاءة، وبين الجرأة والمعرفة، فصار الحديث في الشأن العام متاحا للجميع، وهذا في ذاته مكسب حضاري، لكن الخطر يكمن حين يصبح الجهل واثقا بنفسه أكثر من العلم، ويتصدر المشهد من لم يتقن حتى معرفة ذاته، فضلا عن فهم قضايا وطن أو أمة.
ولم يعد "الرويبضة" يقتصر على شخص عادي يطلق الأحكام من خلف شاشة هاتف، بل تمددت الظاهرة إلى بعض السياسيين الذين يتحدثون في الاقتصاد بلا اقتصاد، وفي القانون بلا قانون، وفي التاريخ بلا تاريخ، وإلى بعض الإعلاميين الذين يستبدلون البحث بالصراخ، والتحليل بالإثارة، وإلى مواطنين يوزعون الأحكام القطعية في كل شأن عام، وكأن المعرفة أصبحت تقاس بعدد المتابعين لا بعدد الكتب التي قرئت، ولا بحجم التجربة التي عيشت.
أخطر ما في "الرويبضة" أنه لا يدرك حدود جهله، فهو لا يسأل، لأنه يظن أنه يعرف، ولا يتردد، لأنه يعتقد أنه يملك الحقيقة المطلقة. ولذلك فإن أول ما يفتقده هو معرفة نفسه، فالإنسان الذي يعجز عن تقييم قدراته وحدود معرفته لا يستطيع أن يكون مرشدا لغيره، مهما ارتفع صوته أو كثر أتباعه.
ومن هنا ينشأ ما يمكن تسميته بـ"المجد الزائف". ذلك المجد الذي لا يقوم على الإنجاز، بل على صناعة الصورة، ولا على القيمة، بل على الترويج، ولا على التاريخ الحقيقي، بل على حملات التلميع. إنه مجد هش، يصنعه التصفيق السريع، لكنه ينهار أمام أول اختبار جاد.
ولطالما كان التاريخ هو المحكمة الأخيرة التي تميز بين أصحاب الإنجاز الحقيقي وأصحاب الضجيج المؤقت، غير أن التاريخ نفسه لم يعد كما كان ،ففي الماضي كانت الأكاذيب قد تعيش عقودا قبل أن تنكشف، أما اليوم فإن سرعة تداول المعلومات، وتعدد وسائل التوثيق، وقدرة الناس على المقارنة، جعلت عمر الزيف أقصر بكثير.
لعل كثرة سقوط الأقنعة، وتسارع انكشاف الزيف، يمنحان المجتمع مناعة أكبر، ويقدمان درسا ليس للأذكياء وحدهم، بل حتى للأغبياء أيضا، فالتجربة حين تتكرر إلى هذا الحد، تصبح معلما لا يحتاج إلى شرح.
لن تنهض الأمم بكثرة المتحدثين، بل بكثرة العارفين، ولا تبنى بالضجيج، بل بالبصيرة وسيبقى التاريخ، مهما قصر زمنه، يفرق دائما بين من صنع أثرا حقيقيا، ومن صنع ضجيجا عابرا.
أما "الرويبضة"، فإن أقصى ما يستطيع أن يربحه هو لحظة من التصفيق، لكنه يخسر في النهاية حكم الزمن، وهو الحكم الذي لا يمكن تزويره، ولا شراء ذمته، ولا خداع ذاكرته.