*جوزيبي غاليانو
*رئيس مركز كارلو دي كريستوفوريس للدراسات الاستراتيجية
عندما تدخل الدبابات المنطقة المحصنة في بغداد، وعندما تحلق المروحيات فوق القصور الحكومية، وعندما ينتهي المطاف بأعضاء البرلمان ومسؤولين سابقين مكبلين بالأصفاد، فهذا يعني أن الأزمة لم تعد قانونية فحسب، بل أصبحت سياسية واقتصادية واستراتيجية.وبذلك، يعود العراق إلى قلب لعبة حاسمة: تحرير نفسه، ولو جزئيا، من نظام سلطة قائم على تشابك الأحزاب، وعائدات النفط، وبيروقراطية فاسدة، وميليشيات، وشبكات محسوبية، ونفوذ أجنبي. ولا يمكن تفسير العملية التي أمر بها رئيس الوزراء علي الزيدي ضد شخصيات سياسية متهمة بالفساد في أكثر مناطق العاصمة حساسية على أنها تحقيق روتيني. إنها ضربة قاصمة لجوهر الآلية التي شلّت الدولة العراقية لسنوات.
سبعة اعتقالات، وخمسة برلمانيين يُرفع عنهم الحصانة، الرسالة واضحة تماما. تريد بغداد أن تُظهر قدرتها على توجيه ضربة قاضية حتى في صميم السلطة، فالفساد في العراق ليس مجرد قصور إداري، بل هو نظام حكم متجذر. لقد التهم المستشفيات والطرق ومحطات توليد الطاقة والمدارس والخدمات العامة. وحوّل ثروة النفط إلى امتيازات لقلة قليلة وإحباط للكثيرين. ومنع ظهور اقتصاد حقيقي مكتفٍ ذاتيا قادر على توفير فرص عمل تتجاوز قطاع النفط والغاز.
لهذا السبب، تحمل الاعتقالات في المنطقة المحصنة ببغداد أهمية اقتصادية فورية. إذ تريد الحكومة توجيه رسالة إلى العراقيين، وكذلك إلى المستثمرين الأجانب: الدولة موجودة، وقادرة على التدخل، وقادرة على حماية العقود ورؤوس الأموال والبنية التحتية.
كما ان الهدف واضح فالعراق يدرك أنه لا يمكنه البقاء معلقا إلى ما لا نهاية بين النفط وانقطاع التيار الكهربائي وتدني أجور القطاع العام وعدم الاستقرار السياسي. إنه بحاجة إلى استثمارات في الصناعة والزراعة والخدمات اللوجستية وشبكات الطاقة والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة. لكن لا يمكن لرأس مال جاد أن يصل إلى بلدٍ تُصبح فيه كل رخصة رشوة، وكل عقد حكومي نصيبا من الغنائم، وكل وزارة إقطاعية.لذا، فإن مكافحة الفساد ليست مجرد موعظة، بل هي سياسة صناعية، وهي الحد الأدنى لتحويل عائدات النفط إلى تنمية
وثمّة بُعد جيوسياسي، ربما هو الأهم إذ تستهدف الاعتقالات دوائر تُعتبر قريبة من إيران، في وقتٍ تشهد فيه المنطقة بأسرها توترات متصاعدة. تُتهم إيران بممارسة ضغوط عسكرية واستخدام طائرات مُسيّرة في الخليج؛ وفي الوقت نفسه، تستهدف بغداد شبكات داخلية يُمكن أن تُصبح أدوات للتلاعب، فلطالما كان العراق دولة ذات سيادة رسمية، لكنها مُثقلة بقوى مُتنافسة: الحكومة المركزية، والأحزاب الشيعية، والميليشيات، والنفوذ الإيراني، والوجود الأمريكي، والمصالح التركية، والطموحات الكردية، والضغوط الخليجية. ومن يُسيطر على بغداد لا يُسيطر تلقائيا على العراق. ومن يُسيطر على جزء من الدولة يُمكنه عرقلة الباقي.
ويبدو أن عملية الزيدي مُصممة تحديدا لتقليص هذه المراكز التي تُمكنها من فرض سيطرتها. فالحكم وحده لا يكفي ومن الضروري منع قطاعات مُعينة من الجهاز العام من الاستجابة لأجندات خارجية أو فصائل سياسية داخلية. بهذا المعنى، لا يقتصر الفساد على سرقة الأموال العامة، بل هو شكل من أشكال التغلغل الاستراتيجي.
ويشير وجود الدبابات والمروحيات إلى أن الحكومة تخشى ردود فعل مسلحة أو محاولات لحماية المعتقلين. ففي العراق، غالبا ما يكون التمييز بين السياسة والقوة العسكرية غير واضح. فخلف عضو البرلمان قد تكون هناك ميليشيا، وخلف الحزب السياسي قد يكون هناك جهاز مسلح، وخلف الموظف الحكومي قد تكون هناك شبكة عابرة للحدود.
إن تأمين مركز السلطة يعني منع تأثير الدومينو: المظاهرات، والاعتداءات، وفرار الأفراد المستهدفين، وتعبئة المسلحين، والتخريب الإداري. إنه خيار محفوف بالمخاطر، لأنه يكشف عن القوة والهشاشة في آن واحد. فالدولة القوية حقا لا تحتاج إلى دبابات لاعتقال السياسيين الفاسدين، لكن الدولة المخترقة والمنقسمة والمهددة لا بد لها من استخدام القوة لاستعادة سلطتها والوضع العسكري كالتالي: تسعى بغداد جاهدة لمنع الأزمة الداخلية من أن تتحول إلى جبهة لزعزعة الاستقرار الإقليمي.
أما السيناريوهات الاقتصادية ففيها ثلاثة احتمالات، السيناريو الأول إيجابي حيث تُمهد الاعتقالات الطريق لفترة من الإصلاح المؤسسي، ويبدأ المستثمرون بالنظر إلى العراق مجددا، ويُعاد توجيه جزء من عائدات النفط نحو البنية التحتية والطاقة والزراعة والأعمال.
والسيناريو الثاني هو سيناريو التسوية إذ تستهدف الحكومة فئات معينة، لكنها لا تستهدف الأقوى نفوذا. ويتغير الفساد، ويعيد تنظيم نفسه، ويُضحي ببعض الشخصيات الثانوية، ويُحافظ على النظام. وهذا هو السيناريو الأرجح في الدول التي تكون فيها عائدات النفط ضخمة لدرجة تُؤدي إلى ظهور قوى مُستغلة.
أما السيناريو الثالث فهو سيناريو المواجهة حيث تتفاعل الشبكات المتضررة، وتحشد الميليشيات قواتها، وتُصعّد إيران الضغط، وتُعزز الولايات المتحدة دعمها للحكومة، ويُصبح العراق مرة أخرى ساحة للمواجهة بين القوى.
ويمتلك العراق النفط، لكنه لا يملك دولة قادرة على تحويله بالكامل إلى قوة وطنية. وهذه هي مأساته. فثروة الطاقة، بدلا من تعزيز المؤسسات، غالبا ما غذّت الفصائل والفساد والتبعية ومن يسيطر على المشتريات العامة والوزارات والصادرات وعقود الطاقة والبنية التحتية، يسيطر على أكثر بكثير من المال. إنه يسيطر على السياسة الخارجية للبلاد. لهذا السبب، تُعدّ مكافحة الفساد العراقي ذات أهمية بالغة لواشنطن وطهران وأنقرة والرياض وبكين. إنها ليست قضية محلية، بل مسألة تتعلق بممرات الطاقة وطرق النفط والاستثمارات والعقوبات والنفوذ على النخب والوصول إلى الخليج.
ولو استطاعت بغداد حقا الحدّ من نفوذ الشبكات الفاسدة وشبه الحكومية، لأصبحت مركزا اقتصاديا أكثر استقلالية بين الخليج وبلاد الشام وإيران وتركيا. أما إذا فشلت، فستبقى عملاقا نفطيا ذا أسس هشة.ومن ثمّ، فإنّ الأهمية السياسية للعملية واضحة: فالدولة العراقية تحاول العودة إلى مركز السلطة. إنها تفعل ذلك بإجراءات صارمة، في سياق هش، ضد خصوم داخليين قد يستفيدون من الحماية الخارجية.
لكن السؤال يبقى مطروحا: هل هذه بداية إعادة بناء حقيقية أم صراع بين فصائل متنكّرة في ثوب إصلاح أخلاقي؟ سيأتي الجواب قريبا. فإذا أعقبت الاعتقالات محاكمات نزيهة، واسترداد الأصول، وإصلاحات إدارية، واستثمارات مثمرة، فستكون بغداد قد خطت خطوة تاريخية. أما إذا انتهى كل شيء، على العكس، بتصفية حسابات انتقائية، فلن يكون العراق قد غيّر سوى أسماء حكامه.
في الوقت الراهن، ثمة أمر واحد مؤكد: في العاصمة العراقية، لم يعد الفساد مجرد مشكلة قانونية، بل أصبح ساحة معركة يُحسم فيها من يسيطر فعليا على الدولة.