*د.محمد السهر
بدأ ظهور أسرة ميديتشي كقوة مؤثرة في مدينة فلورنسا نهاية القرن الرابع عشر، عندما قام جوفاني دي ميديتشي بتأسيس ( بنك ميديتشي) عام 1397 ، وفي عام 1434 تمكن كوزيمو جوفاني من السيطرة الكاملة على إدارة جمهورية فلورنسا..
لم تحكم عائلة ميديتشي (Medici)، فلورنسا بالتاج أو السيف في البداية، بل بقوة المال والدهاء، إذ سرعان ما تحولَّ هؤلاء المصرفيون إلى (مهندسي عصر النهضة) الذين صنعوا بظلال ثروتهم أشهر عباقرة البشرية.
وللتعرف على الكيفية التي أدارت بها هذه العائلة أكبر مصنع للإبداع في التاريخ، لا بد من المرور عبر ثلاث خطوات استراتيجية:-
1. تأسيس الإمبراطورية المالية و(بنك البابا), إذ بدأ صعود العائلة مع جوفاني دي ميديتشي، الذي أسس (بنك ميديتشي) في أواخر القرن الرابع عشر وحوله إلى شبكة مالية عابرة لأوروبا. وبذكاء شديد، أقرض جوفاني الأموال لرجال دين طامحين في الكنيسة الكاثوليكية؛ وعندما أصبح أحدهم بابا الفاتيكان، كافأ عائلة ميديتشي بجعل بنكهم هو المسؤول الحصري عن إدارة ثروات وأموال الفاتيكان في جميع أنحاء أوروبا. هذا الاحتكار منح العائلة سيولة مالية ونفوذا سياسيا جعلها القوة الفعلية وراء جمهورية فلورنسا.
2. مفهوم الرعاية الفنية (Patronage) كأداة سياسية، عندما تسلم كوزيمو دي ميديتشي (الابن) قيادة العائلة، أدرك أن القوة المالية وحدها تجلب الحسد والعداء. ولكي يكتسب شرعية شعبية، بدأ بإنفاق أجزاء هائلة من ثروته في تمويل بناء الكنائس، والمكتبات، والقصور، ورعاية الفنانين. ولقد تحولت رعاية الفن من مجرد هواية إلى أداة سياسية؛ فاللوحات والمباني الفخمة أصبحت تعكس عظمة فلورنسا (وعظمة عائلة ميديتشي بالتبعية).
كما موّل كوزيمو بناء قبة كاتدرائية فلورنسا الشهيرة على يد المهندس العبقري برونيلسكي، وهو إنجاز هندسي تحدى قوانين الفيزياء آنذاك وأبهر العالم.
3. لورينزو العظيم (Lorenzo the Magnificent) ومدرسة العباقرة، حيث بلغت العائلة ذروتها الثقافية مع حفيد كوزيمو، لورينزو دي ميديتشي (حكم من 1469 إلى 1492). لم يكن لورينزو مجرد ممول، بل كان شاعرا ومتذوقا حقيقيا للفن والفلسفة، قام بتأسيس ما يشبه أكاديمية الفنون في حدائق قصره، ودعا إليها المواهب الشابة.
كما تبني مايكل أنجلو عندما كان مراهقا فقيرا في الرابعة عشرة من عمره، بعد رصد موهبته في النحت. لم يكتفِ بإعطائه المال، بل أخذه ليعيش في قصره كواحد من أبنائه، حيث أجلس الصبي على نفس مائدة الطعام مع كبار فلاسفة العصر، مما شكل عقله وفلسفته الفنية. ثم قام برعاية دافنشي وبوتيشيلي، حيث حظي ليوناردو دافنشي وساندرو بوتيشيلي (صاحب لوحة ولادة فينوس) برعاية ودعم مباشرين من لورينزو، ووفر لهما الحماية السياسية الكاملة من ملاحقات الكنيسة بتهم الهرطقة أو السحر الناتجة عن أبحاثهما العلمية الجريئة.
4. إحياء الفلسفة: لم تقتصر رعاية العائلة على الألوان والنحت، بل أنشأ كوزيمو ولورينزو (الأكاديمية الأفلاطونية) في فلورنسا.
بعد أن موّلت العائلة المفكر مارسيليو فيشينو ليتفرغ لترجمة أعمال أفلاطون بالكامل من اليونانية القديمة إلى اللاتينية لأول مرة في الغرب. هذا العمل بعث الفلسفة اليونانية من مرقدها، ووفر الوقود الفكري الذي قاد المدرسة الإنسانية.
باختصار،
لولا دهاء وأموال عائلة ميديتشي، لربما قضى دافنشي ومايكل أنجلو حياتهما كحرفيين مغمورين يرسمون جدران الكنائس المحلية كأجراء، ولتأخرت النهضة الأوروبية لعقود طويلة. ولقد كان لهذه التسرة الأثر البارز في الشرارة التي فجرت الإبداع في أوربا، عندما بدأ عصر النهضة من فلورنسا أواخر القرن الرابع عشر..
وفي العراق تطالعنا الأخبار اليوم بصدور حكم قضائي بالحبس الشديد على نائب في البرلمان العراقي طلب رشوة قيمتها خمسون ألف دولار من مدير مدرسة لقاء إبقائه في منصبه، كما هناك خبر آخر يتعلق بإلقاء القبض على مدير شركة المنتجات النفطية بتهمة فساد بعد إلقاء القبض يوم أمس على مدير عام شركة توزيع كهرباء الفرات الأوسط بذات التهم، أما الخبر الأبرز فقد كان يتمثل في العثور على 25 مليار دينار عراقي مع 4 كيلو غرام مصوغات ذهبية مرتبطة بقضية عدنان الجميلي..
الكربولي، والجميلي،والزيدي، والأسدي،والمخزومي،والآلوسي،والجبوري وغيرها من ألقاب الأشخاص الذين يتم إلقاء القبض عليهم ضمن أكبر عملية مكافحة فساد يشهدها العراق حتى الآن، هذه الألقاب تشير إلى عشائر وعوائل عربية مسلمة تنشطر في الغالب مذهبيا إلى شيعة وسنة، يفرقهم اختلاف فقهي عمره 14 قرن يتعلمون مبادئه عبر التنشئة الاجتماعية، فيما يجمعهم ( الأشخاص المتهمون أقصد) الفساد المالي والإداري..
لكن حتى فساد هؤلاء ظل بدائي، تقليدي متخلف، يتمثل في تعبئة علب بلاستيكية بالعملات الورقية، أو خزنها في داخل جدران المنازل وأحواض السباحة، أو دفنها في الأراضي الزراعية.. وهو نموذج كان العراقيون يتندرون به على الشخص الذي يدخر أمواله في بيته دون إنفاقها على نفسه وعائلته بأنه من جماعة( ضم الفلوس بالقوطية)..
وفي الحقيقة ليس من بين الأسر الفائقة الثراء بعد 2003 من له القدرة على تقديم نموذج مشابه لنموذج ميديتشي، كما لم يكن ذلك ممكنا قبل 2003.. على الرغم من أن الفارق الزمني بين النموذجين أكثر من ستة قرون.. من هنا ندرك مدى الفجوة في التفكير والتدبير بين المجتمعات والأفراد والجماعات التي تعيش فوق نفس الأرض وتتنفس ذات الهواء..
*كاتب واستاذ جامعي