*ألينا رومانوفسكي و أليسون ماينور
مؤسسة"المجلس الاطلسي "الامريكي/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان
أبرز النقاط:
* عمقت الحرب مع إيران المخاوف المزمنة لدى دول الخليج بشأن مدى موثوقية الولايات المتحدة كشريك أمني، وهو ما يدفع كلا من دول الخليج وواشنطن إلى إعادة تقييم مقاربتهما للشراكة الأمنية.
* وللحفاظ على نفوذها في هذه المنطقة الحيوية، مع إعادة ضبط حجم التزاماتها العسكرية، يتعين على واشنطن أن تتبنى أخيرا التحول من دور الضامن الأمني إلى دور المنسق الأمني في الخليج.
* ويتطلب ذلك تحديد حدود الدور الأمني الأمريكي بوضوح، إلى جانب اعتماد نهج أكثر تعاونا في إدارة التهديدات الإقليمية، بما يشمل بناء تحالفات تضم الدول المتقاربة في الرؤى والمصالح.
واشنطن – على مدى أكثر من ربع قرن، استند الدور الأمريكي بوصفه الضامن الأمني لمنطقة الخليج إلى سياسة من الغموض الاستراتيجي المتعمد، وهي مقاربة أوجدت حالة دائمة من التوتر بين الشركاء الإقليميين وداخل دوائر صنع القرار في واشنطن. إلا أن الحرب مع إيران وضعت حتى أكثر الافتراضات الأساسية التي قامت عليها هذه المنظومة الأمنية موضع تساؤل.
فقد أدت الهجمات الإيرانية غير المسبوقة على دول الخليج خلال هذا العام، إلى جانب غياب أي مشاورات أمريكية مع الحلفاء قبيل اندلاع الحرب، إلى إصابة القادة الخليجيين بإحباط عميق تجاه الدولة التي شكلت شريكهم الأمني الرئيسي منذ حرب الخليج الأولى. وأصبحت دول الخليج اليوم تعيد تقييم استراتيجياتها الأمنية بصورة جذرية، بما في ذلك طبيعة شراكاتها مع الولايات المتحدة. وفي ظل تصاعد ردود الفعل السياسية الداخلية في الولايات المتحدة تجاه الحرب، من المرجح أيضا أن تعيد واشنطن ضبط حجم وجودها العسكري في المنطقة.
وفي ضوء هذه المعطيات، يصبح من الضروري أن تطمئن الولايات المتحدة شركاءها الخليجيين إلى أنها لا تزال قادرة على أن تكون شريكا أمنيا أكثر موثوقية، حتى وإن تغيرت طبيعة تلك الشراكة. ولتحقيق ذلك، ينبغي لإدارة الرئيس دونالد ترامب أن تطرح وتنفذ رؤية جديدة لالتزاماتها الأمنية في المنطقة. ويجب أن تستند هذه الرؤية، المدعومة بتوافق كافٍ بين الحزبين داخل الولايات المتحدة، إلى تحويل الدور الأمريكي من ضامن أمني إلى منسق أمني، مع تقليص الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، ومساعدة دول الخليج في الوقت نفسه على تعزيز قدراتها الدفاعية، والعودة إلى استراتيجية تقوم على بناء تحالفات أقوى مع الدول المتقاربة في التوجهات والمصالح.
أما إذا أخفقت الولايات المتحدة في تقديم رؤية جديدة وذات مصداقية لشراكاتها الأمنية مع الخليج، فمن المرجح أن تتجه دول المنطقة إلى بناء منظومة سياسية وأمنية جديدة تستطيع العمل بصورة مستقلة عن واشنطن، وهو ما سيؤدي إلى مزيد من تآكل النفوذ الأمريكي في منطقة تتمتع بأهمية اقتصادية وجيوسياسية بالغة.
تفكك معادلة الأمن في الخليج
استندت فكرة الولايات المتحدة بوصفها الضامن الأمني لمنطقة الخليج لعقود طويلة إلى مزيج من الغموض الاستراتيجي والافتراضات الضمنية، أكثر من اعتمادها على ضمانات أمنية رسمية. فحتى في غياب ضمان مماثل للمادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي (الناتو)، فإن الرد الأمريكي الحاسم على الغزو العراقي للكويت عام 1990 أقنع كثيرا من دول الخليج بأن واشنطن ملتزمة بالدفاع عن المنطقة استنادا إلى عقيدة كارتر. كما عزز التوسع في الوجود العسكري الأمريكي الدائم في الخليج عقب عملية عاصفة الصحراء هذا الانطباع، إلى جانب قيادة الولايات المتحدة لتحالف من الدول المتقاربة في التوجهات لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
وقد وفرت هذه الترتيبات للولايات المتحدة قواعد عسكرية وحقوق وصول ودعما من شركائها الخليجيين، وهو ما أدى دورا محوريا في العمليات العسكرية الأمريكية خلال العقود الأخيرة، بما في ذلك عمليات التحالف الدولي لهزيمة تنظيم داعش. كما منحت واشنطن نفوذا دبلوماسيا واسعا لدى دول الخليج التي أصبحت لاعبا إقليميا مؤثرا في رسم معالم الاستقرار في الشرق الأوسط وخارجه. كذلك أرست هذه الترتيبات أسس شراكات اقتصادية مهمة في أنحاء الخليج، وربما كان الأهم من ذلك أنها حالت دون تمكن قوى دولية كبرى أخرى من فرض هيمنتها على منطقة تتمتع بأهمية جيوسياسية بالغة.
إلا أن ثقة قادة الخليج في استمرارية الالتزام الأمريكي الضمني أخذت تتراجع تدريجيا خلال العقود الثلاثة الماضية. فقد أسهمت الحروب الأمريكية غير الشعبية في العراق وأفغانستان، إلى جانب تغير الأولويات الاستراتيجية لواشنطن، في تعميق القلق الخليجي بشأن مدى استعداد الولايات المتحدة للاستمرار بوصفها المظلة الأمنية للمنطقة، وكذلك بشأن طبيعة هذا الالتزام وحدوده.
وشعرت كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة بأنهما تعرضتا للتهميش خلال مفاوضات الرئيس باراك أوباما النووية مع إيران، إذ اعتبرتا أنها لم تعطِ الاهتمام الكافي للتهديد الأمني الأوسع الذي تمثله طهران على منطقة الخليج. ومع إعلان أوباما ومن سبقوه عن توجه الولايات المتحدة نحو التحول الاستراتيجي إلى آسيا، تصاعدت مخاوف دول الخليج من أن واشنطن باتت تمنح أمن الخليج أولوية أقل.
وتفاقمت هذه المخاوف بعد الهجوم الذي نسب إلى إيران على منشأة نفطية سعودية كبرى في أيلول/سبتمبر 2019، والذي تسبب في أكبر اضطراب – وإن كان مؤقتا – في إنتاج النفط العالمي في التاريخ الحديث. وردت إدارة الرئيس دونالد ترامب الأولى بإرسال قوات ومعدات إضافية إلى السعودية، إلا أن إحجامها عن اتخاذ إجراءات أكثر حزما عقب الهجوم ترك الرياض تشعر بخيبة أمل كبيرة.
وفي ظل الشكوك المتزايدة بشأن قوة واستدامة الالتزام الأمني الأمريكي، وبسبب المخاوف من سياسة واشنطن تجاه إيران، تبنت بعض دول الخليج استراتيجيات التحوط، في حين سعت دول أخرى إلى الحصول على ضمانات أمنية أمريكية صريحة.
وبوجه عام، ظلت دول الخليج مترددة في التخلي عن فكرة الولايات المتحدة بوصفها الضامن الأمني للمنطقة. ويعود هذا التردد، جزئيا، إلى الصعوبات التي واجهتها هذه الدول في تطوير قدرات دفاع جماعي تمكنها من تقليل اعتمادها على واشنطن. فعلى الرغم من التزاماتها بالتعاون الدفاعي الإقليمي، وجهودها لبناء قدرات عسكرية مشتركة، فإن استمرار حالة انعدام الثقة والتنافس الاستراتيجي بين دول الخليج ظل يعرقل تحقيق تكامل أمني إقليمي مستقل.
الضامن الأمني إلى المدمج الأمني
كشفت الحرب الإيرانية هذا العام عن محدودية إطار أمني قائم على الغموض، كما عززت الحاجة إلى أن توضح واشنطن نطاق ودور وجودها في الشرق الأوسط والغرض منه.
ولسنوات، تبنت الولايات المتحدة فكرة التحول من ضامن أمني إلى مدمج أمني، بما في ذلك في استراتيجية مسرح العمليات للقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) لعام 2023. إلا أن صناع القرار لم يبذلوا جهدا كافيا لتوضيح ما يعنيه هذا التحول عمليا، والأهم من ذلك، ما الذي لا يعنيه. وفي غياب هذا الوضوح، واصلت الولايات المتحدة العمل إلى حد كبير بصفتها ضامنا أمنيا، مما عزز توقعات قد لا تكون مستعدة للاستمرار في الوفاء بها.
ويشير مسؤولو الدفاع الأمريكيون عادة إلى جهود دمج منظومات الدفاع الجوي الإقليمية باعتبارها مثالا على الدور الجديد الذي يتصورونه، إذ تزود الولايات المتحدة شركاءها الخليجيين بأحدث أنظمة الدفاع الجوي، وتنشر أفرادا أمريكيين داخل الوحدات العسكرية للدول الشريكة، وأنشأت مؤخرا مركزا إقليميا يدمج شبكة مراكز العمليات الجوية المشتركة في أنحاء المنطقة. ورغم أن هذه المبادرات تمثل عناصر مهمة في نهج "المدمج الأمني"، فإنها لا ترقى بعد إلى مستوى استراتيجية إقليمية متكاملة، كما أنها لا تتعارض بالضرورة مع الدور التقليدي للولايات المتحدة كضامن أمني. ومن دون توضيح أكثر دقة لمعنى مفهوم "الدمج"، ستظل الافتراضات الأساسية التي قامت عليها عقيدة كارتر توجه التوقعات بشأن الدور الأمريكي في المنطقة.
كيف سيبدو نهج أمريكي أكثر قوة بوصفه "مدمجا أمنيا" في الخليج؟
ينبغي أولا أن يقوم على مبدأ مفاده أن دور الولايات المتحدة ليس ضمان أمن المنطقة أو أي دولة بعينها بصورة مستقلة، وإنما يتمثل في تعزيز قدرة شركائها على الدفاع عن أنفسهم في مواجهة التهديدات الخارجية، مع التنسيق معهم لمعالجة التحديات التي قد تزعزع استقرار المنطقة بأسرها.
ومن هذا المنطلق، فإن الحملة الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران خرجت عن مبدأين أساسيين لهذا الدور. أولا، تولت الولايات المتحدة الدور القيادي في حملة استهدفت معالجة تهديد كان -على الأقل في ذلك الوقت- تهديدا إقليميا بالدرجة الأولى، وليس تهديدا مباشرا للولايات المتحدة. ورغم أن امتلاك إيران لسلاح نووي مقرونا بصواريخ بعيدة المدى قد يشكل تهديدا عالميا أوسع، فإن الضربات الجوية الأمريكية التي نفذت في يونيو/حزيران 2025 ضمن عملية "مطرقة منتصف الليل" (Operation Midnight Hammer) كانت قد احتوت فعليا التهديد النووي الإيراني على المدى القريب والمتوسط.
أما ثانيا، فقد أخفقت الولايات المتحدة في التنسيق مع شركائها الخليجيين الرئيسيين الموجودين على خطوط المواجهة، بل وحتى مع حلفائها التقليديين في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، قبل إطلاق حملتها ضد إيران أو قبل التفاوض على اتفاق وقف إطلاق النار الذي أعقبها.
وإذا كانت الولايات المتحدة لا تنوي تقديم ضمانات أمنية صريحة لأقرب شركائها العرب في الخليج، فعليها أن تدرك أنها لم تعد قادرة على فرض إرادتها أو أصولها العسكرية أو رؤيتها الاستراتيجية على الآخرين. وبدلا من ذلك، ينبغي لها أن تتبنى نهجا أكثر تعاونا يحافظ على نفوذها في المنطقة من خلال إثبات قيمتها عبر ترتيبات الأمن الجماعي، والبنى التحتية الداعمة، والشبكات الأمنية المتكاملة.
وقد أخفق مشروع تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي (MESA)، الذي طرح خلال إدارة الرئيس ترامب الأولى، جزئيا لأن واشنطن لم تكن قد تبنت هذا التحول بصورة كاملة، إضافة إلى استمرار حالة انعدام الثقة بين شركائها الخليجيين.
مرتكزات استراتيجية الدمج الأمني
تمتلك الولايات المتحدة، بصفتها مدمجا أمنيا في الشرق الأوسط، ثلاثة عناصر قوة رئيسية على الأقل. أولها، القدرة على جمع الدول حول طاولة واحدة وحشد العمل الجماعي بين بلدان تتبنى مقاربات مختلفة، وأحيانا متنافسة، للتعامل مع التحديات الأمنية الإقليمية. وثانيها، قدرتها على ربط الشركاء الذين قد لا يتعاونون أو يتبادلون المعلومات الاستخبارية بشكل مباشر فيما بينهم. أما ثالثها، فهو ما تمتلكه من خبرات متقدمة وقدرات عسكرية وتكنولوجية رائدة. وللحفاظ على مكانتها بوصفها الشريك الأمني المفضل في المنطقة، يتعين على واشنطن الاستثمار في هذه المجالات الثلاثة مجتمعة.
وهذا يعني أن على الولايات المتحدة مواصلة الابتكار لضمان قدرتها على تقديم حلول تكنولوجية متقدمة للتعامل مع التهديدات المتطورة بكفاءة، من دون أن تختزل الشراكة الأمنية في مجرد صفقات تسليح أو معدات عسكرية. وعلى وجه الخصوص، ينبغي لواشنطن تعزيز انخراطها الدبلوماسي في القضايا الأمنية، مستندة إلى العلاقات الوثيقة التي بنتها القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) مع شركائها في المنطقة وخارجها.
وبدلا من إنشاء هيكل رسمي وشامل على غرار تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي (MESA)، ينبغي أن يقوم نهج الولايات المتحدة بوصفها "مدمجا أمنيا" على القدرات وأن يكون مرنا وقابلا للتكييف، بما يسمح بتفاوت مستوى مشاركة كل دولة وفقا لاحتياجاتها وإمكاناتها. وفي هذا السياق، ستشكل منظومات الدفاع الجوي المتكاملة، والعمليات البحرية المشتركة، وتبادل المعلومات الاستخبارية الركائز الثلاث الأساسية لوظائف الولايات المتحدة كمدمج أمني.
ومن خلال التركيز على هذه القدرات، تستطيع الولايات المتحدة إثبات القيمة المضافة لدورها الجديد، وفي الوقت نفسه دفع عملية التكامل الأمني الإقليمي إلى الأمام، بما يعزز قبول هذا النهج تدريجيا ويوسع شبكات التعاون الأمني المصممة وفق الاحتياجات المشتركة.
ورغم ما يكتنف ذلك من صعوبات، فإن لإسرائيل أيضا دورا يمكن أن تؤديه في هذا الإطار التعاوني. غير أن أي تعاون من هذا النوع يجب أن يستند إلى فهم مشترك مفاده أن تعزيز أمن إسرائيل لا ينبغي أن يكون على حساب المصالح الأمنية لبقية شركاء الولايات المتحدة في المنطقة.
ولا ينبغي للولايات المتحدة أن تتخلى عن نفوذها في منطقة تتمتع بأهمية استراتيجية بالغة بالنسبة للاقتصاد العالمي والتوازنات الجيوسياسية، مثل منطقة الخليج. فمن خلال تبني استراتيجية المدمج الأمني بصورة حقيقية، تستطيع واشنطن الحفاظ على نفوذها، وتعزيز شراكاتها الأمنية، وفي الوقت نفسه إعادة ضبط حجم التزاماتها العسكرية في المنطقة بما يتوافق بصورة أفضل مع مصالحها الاستراتيجية.
أما بالنسبة للدول الخليجية، فإن التعاون مع الولايات المتحدة في وضع هذا النهج موضع التنفيذ يمكن أن يوفر منصة لإقامة الشراكات التشاورية التي طالما سعت إليها، بالتوازي مع جهودها الرامية إلى تعزيز قدراتها الوطنية والجماعية. ومن شأن مثل هذا الترتيب أن يتيح لدول الخليج مواصلة الاستفادة من الخبرات الأمريكية وقدرتها على جمع الشركاء وتنسيق جهودهم، دون الاعتماد الكامل على واشنطن بوصفها المزود الوحيد لأمنها.
وفي الختام، تؤكد الحرب الإيرانية أن كلا من الولايات المتحدة ودول الخليج قد تلقيا دروسا قاسية. وحان الوقت لأن يستخلص الطرفان العبر من تلك التجربة، تمهيدا لإطلاق مرحلة جديدة من الشراكة الأمنية الأمريكية-الخليجية تقوم على التعاون والتكامل، لا على الاعتماد الأحادي أو الغموض الاستراتيجي.
*ألينا إل. رومانوفسكي هي زميلة متميزة في مبادرة سكوكروفت لأمن الشرق الأوسط ضمن برامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي. وشغلت سابقا منصب سفيرة الولايات المتحدة لدى العراق خلال الفترة 2022-2024، كما كانت سفيرة الولايات المتحدة لدى الكويت بين عامي 2020-2022.
*أليسون ماينور هي مديرة مشروع التكامل في الشرق الأوسط التابع للمجلس الأطلسي (Atlantic Council). وشغلت سابقا منصب مديرة شؤون شبه الجزيرة العربية في مجلس الأمن القومي الأمريكي، حيث كانت مسؤولة عن متابعة ملفات السياسة الأمريكية المتعلقة بدول الخليج والجزيرة العربية.