×

  المرصد الايراني

  بعد خمسة أشهر..الكلفة الحقيقية للحرب على إيران



صحيفة "ديلي تلغراف"/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان

 

تقرير خاص:إميلي سميث و مايكه آيسبرغ: عندما أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عملية "الغضب الملحمي" (Operation Epic Fury) في 28 شباط/فبراير، توقع أن تستمر العملية "من أربعة إلى خمسة أسابيع".

لكن بعد مرور خمسة أشهر، لا تزال الحرب في إيران مستمرة، فيما يتحمل دافعو الضرائب الأمريكيون فاتورة مالية تتزايد باستمرار.

وقد أقر وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث بأن الحرب كلفت الحكومة الأمريكية حتى الآن ما لا يقل عن 37.5 مليار دولار، محذرا من أن وزارة الدفاع (البنتاغون) بدأت تستنزف مخصصاتها المالية.

إلا أن الخبراء يرون أن الكلفة الحقيقية للحرب ستكون أكبر بكثير، وأن تأثيرها في الاقتصاد الأمريكي سيكون أشد مما كان متوقعا.

وقالت البروفيسورة ليندا جيه. بيلمز، أستاذة الاقتصاد في جامعة هارفارد وإحدى أبرز الخبراء الأمريكيين في اقتصاديات الحروب: "ينبغي النظر إلى رقم 37.5 مليار دولار على أنه مجرد قمة جبل الجليد. ومعظم أعضاء الكونغرس لا يتعاملون مع هذا الرقم على محمل الجد."

وأضافت البروفيسورة بيلمز، التي ألفت كتابين حول كلفة الحرب في العراق، أن الرقم الذي أورده هيغسيث يستبعد بالكامل التكاليف المتوسطة والطويلة الأجل للنزاع.

ووفقا لتحليل أجرته صحيفة ديلي تلغراف، بلغت الكلفة الحقيقية للحرب على إيران بالنسبة للاقتصاد الأمريكي 151.3 مليار دولار حتى 24 تموز/يوليو.

وإذا استمرت الحرب بالمعدل الحالي، فمن المتوقع أن ترتفع هذه الكلفة إلى 311.3 مليار دولار بحلول نهاية العام.

وقد بدأت آثار الحرب تظهر بالفعل على المستهلكين؛ إذ أصبحت أسعار البنزين أعلى بنسبة 21.7% مقارنة بما كانت ستكون عليه في غياب الحرب، فيما ارتفعت أسعار وقود الديزل بنسبة 36.7%.

وشهدت أسعار خام برنت تقلبات حادة منذ اندلاع الحرب، إذ تجاوز سعر البرميل في كثير من الأحيان 100 دولار (75 جنيها إسترلينيا)، قبل أن يتراجع مجددا إلى مستويات تقارب أواخر الستينيات من الدولارات للبرميل.

وتشير بعض التقديرات إلى أرقام أعلى بكثير. إذ قالت البروفيسورة ليندا بيلمز إنه عند احتساب الكلفة الكاملة للحرب، فإن الفاتورة النهائية قد تصل إلى تريليون دولار.

ويشكل هذا العبء المالي تحديا سياسيا للرئيس دونالد ترامب مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في شهر تشرين الثاني/نوفمبر.

وقد أثبتت الحرب أنها غير شعبية لدى مختلف الأطياف السياسية، ومن المرجح أن ينعكس ذلك عندما يتوجه الأمريكيون إلى صناديق الاقتراع في 3 تشرين الثاني/نوفمبر لتحديد موازين القوى داخل الكونغرس.

وقالت لوريل راب، مديرة برنامج الولايات المتحدة وأمريكا الشمالية في معهد تشاتام هاوس والمسؤولة السابقة في وزارة الخارجية الأمريكية، إن كلفة الحرب وضعت الرئيس أمام "لحظة سياسية بالغة الخطورة".

 

وأضافت: "سيصوت كثير من هؤلاء الناخبين على أساس القضايا الاقتصادية، والآفاق الاقتصادية ليست مشرقة في الوقت الراهن، مع استمرار ارتفاع أسعار الوقود ومعدلات التضخم. ومن غير المرجح أن تتغير هذه الوقائع قبل شهر نوفمبر."

كما تراجع صافي معدل التأييد للرئيس ترامب إلى سالب 19.5%، بعد أن كان يقارب سالب 11% قبل اندلاع الحرب.

ولم يقتصر العبء على الجانب المالي، بل ترافق أيضا مع تزايد الخسائر البشرية.

فقد قُتل 18 عسكريا أمريكيا خلال الحرب، إلا أن وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) تعترف رسميا بمقتل 14 فقط، لأنها لا تحتسب أربعة جنود لقوا مصرعهم بعد إعلان وقف إطلاق النار في نيسان/أبريل.

وواجهت إدارة ترامب انتقادات متكررة بسبب مستوى الشفافية في إعلانها عن الخسائر البشرية للحرب.

وقال مازيار غيابي، مدير مركز الدراسات الفارسية والإيرانية في جامعة إكستر: "تبدو هذه الإدارة شديدة الاهتمام بكيفية ظهورها أمام الرأي العام."

وأضاف: "وهذا يدفعها إلى التستر على الإصابات، وكذلك على تدمير المعدات العسكرية الباهظة الثمن."

وبحسب تحليل أجرته صحيفة التلغراف، فقد ألحقت إيران أضرارا بما لا يقل عن 20 موقعا عسكريا أمريكيا في المنطقة منذ بداية الحرب، من بينها ثلاث منظومات متطورة للدفاع المضاد للصواريخ الباليستية في قاعدتي الرويس والسدر الجويتين في دولة الإمارات العربية المتحدة، إضافة إلى قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن.

لكن، إلى جانب الكلفة المالية والبشرية، هناك كلفة أخرى يصعب قياسها، تتمثل في المكانة العالمية للولايات المتحدة.

ويرى محللون أن كل دولار إضافي، وكل أصل عسكري إضافي، يُخصص للشرق الأوسط يقلل من قدرة واشنطن على ردع منافسيها في مناطق أخرى، ولا سيما الصين وروسيا.

وقالت لوريل راب: "عندما تُوجَّه الموارد إلى الشرق الأوسط، فهذا يعني أنها لن تُخصص بالقدر نفسه لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ، وهو ما يمثل خبرا سارا بالنسبة للصين."

وأضافت: "هذا بالضبط ما تريده الصين. فهي ترغب في رؤية الولايات المتحدة عاجزة عن توفير الموارد اللازمة لعملياتها في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، كما تريد أن ترى تراجع المكانة العالمية للولايات المتحدة."

وتشير التجارب التاريخية إلى أن الفاتورة النهائية للحرب لن تكون على الأرجح مشابهة للتقديرات الحالية.

وقالت البروفيسورة ليندا بيلمز: "لقد تعلمنا من حربي العراق وأفغانستان أن تكاليف الحروب تمتد آثارها المالية لفترة طويلة."وأضافت أن الحرب في أفغانستان استمرت 19 عاما و10 أشهر، وبلغت كلفتها التقديرية 2.26 تريليون دولار. ولو جرى توزيع تلك الكلفة بالتساوي على مدة الحرب، فإن الأشهر الخمسة الأولى كانت ستبلغ كلفتها نحو 47 مليار دولار فقط، وهو رقم يقل بصورة ملحوظة عن الكلفة التقديرية الحالية للحرب على إيران خلال الفترة الزمنية نفسها.

كما أشارت بيلمز إلى أنه في عام 2001، كانت الموازنة الأمريكية تحقق فائضا، وكانت واشنطن تنفق نحو 8% من إجمالي الموازنة على فوائد الدين العام.

أما اليوم، فقد ارتفع الدين الأمريكي ليبلغ ما يعادل 100% من الناتج المحلي الإجمالي، كما ارتفعت تكاليف الاقتراض، وأصبحت الولايات المتحدة تنفق نحو 15% من موازنتها على سداد فوائد الديون.

وأضافت: "لذلك، فمن المرجح أن تترك الحرب على إيران آثارا مالية سلبية طويلة الأمد، حتى إذا تمكنا من إنهائها قريبا."

وبعد مرور خمسة أشهر على حرب كان الرئيس دونالد ترامب قد توقع أن تستمر بضعة أسابيع فقط، قد يتبين أن الرقم الذي أعلنه البنتاغون، والبالغ 37.5 مليار دولار، ليس سوى الفصل الافتتاحي من الفاتورة الإجمالية التي ستتحملها الولايات المتحدة.


30/07/2026