*د. محمد رفعت الإمام
دروس الماضي القاسية للحاضر والمستقبل
تعد إمارة بابان (1649-1850م) واحدة من أهم وأكبر وأقوى الإمارات الكردية في التاريخ الحديث. وقد تمتعت بموقع جيوستراتيجي بين ولاية بغداد العثمانية وبلاد فارس. وقد توسطت بابان الإمارات الكردية من أردلان (كردستان الفارسية) شرقا وحتى بوتان غربا وبين سوران شمالا وحتى كرميان وبغداد العثمانية جنوبا. وقد تميزت بابان بخصوبة أراضيها وثراء اقتصادياتها، وامتلكت قوة عسكرية مدربة ومتطورة ومسلحة بمقياس العصر آنذاك. وقد قامت بدور مهم خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر، ووسعت حدودها حتى ضمت أربيل ونواحيها.
وبدلا من الاتحاد مع الجار السوراني الشمالي بغية إحراز وحدة كردية، تنافس البابانيون مع أقرانهم السورانيين لإحراز الزعامة على زمام أكبر في كردستان. ولذا، اندلعت بينهما ست حروب حامية الوطيس لمدة 130 سنة (1700-1835). وقد تسببت التوسعات السورانية جنوب ناحية كركوك وتهديد بابان في نشوب الحرب الأولى (1702-1703) التي انتهت بانتصار باباني واعتراف السلطة العثمانية للأمير الباباني بإمارة سنجق بابان ومركزه قرية قلعة جوالان، على أن يكن مرتبطا بلواء كركوك.
وبسبب الخلاف بين البابانيين والسورانيين على إمارة كرميان، وقعت الحرب الثانية (1720-1723)، وانتهت بالصلح تحت رعاية عثمانية واحتفاظ كل فريق بالأراضي التي تحت يديه. وعندما انتصف القرن الثامن عشر، حاولت سوران ضم بعض عشائر بابان إليها، فنشبت الحرب الثالثة (1850-1851)، وانتهت بانتصار بابان بدعم عثماني ودفع سوران جزية.
وحينما استغل البابانيون والسورانيون ضعف العثمانيين أواخر القرن الثامن عشر لشغل فراغها، قامت الحرب الرابعة (1797-1799) التي كانت بمثابة حرب استنزاف وانتهت بإبرام هدنة دون إحراز أي طرف منهما نصرا حاسما.
وفي تلك الأثناء، شرع السلطان سليم الثالث (1789-1807) في إصلاح الدولة العثمانية. وقد تزامنت هذه الإصلاحات مع صعود قوة الإمارة البابانية لاسيما زمن أميرها عبد الرحمن باشا (1879-1813م) الذي أخذ يثبت دعائم وضعه الداخلي، واكتساب حلفاء خارجيين من الإمارات الكردية المجاورة، ووكيل شاه فارس في كارمنشاه رغم معارضةباشوية بغداد. واستغل بدهاء تأزيم العلاقات العثمانية الفارسية.
وأمام صعود إمارة بابان، سعت السلطة العثمانية في بغداد إلى تفكيك قوتها عن طريق إزاحة أميرها القوي عبد الرحمن باشا ووضع بدلا منه ابن عمه خالد باشا "المتواطئ" مع والي بغداد.
ولهذا، نشبت بين عامي (1806-1808م) مواجهات ضارية بين القوات البابانية المتحالفة مع قوات والي كارمنشاه وبين القوات العثمانية وقوات العشائر الكردية المتواطئة معها ضد خصوصهم البابانيين. وقد انتهت المواجهة بهزيمة عبد الرحمن باشا ولجوئه إلى فارس القاجارية عام 1808.
وطبيعي أن الرؤية العثمانية تعتبر الحركمة البابانية "تمردا وعصيانا" وخروجا على "طاعة" السلطان – الخليفة. وفي المقابل، ثمة تيار كردي يرى أنها بداية اليقظة الكردية للظفر بإستقلال كردستان. ومنذ هذا التوقيت، إزدادت قناعة السلطات العثمانية بأن الخيانات العائلية والخلافات العشائرية أقصر الطرق إلى هزيمة" الكردية وكردستان والكرد".
واقتنع السلطان محمود الثاني (1808-1839) بأنه للسيطرة المباشرة على كردستان الغربية (العثمانية) لابد من القضاء تماما على حكم إمارات بابان في السليمانية وسوران في رواندوز وبهدينان في العمادية وبوتان في الجزيرة.
وفي تلك الأثناء، عادت الحروب البابانية السورانية مجددا إثر هجوم السوراني على السليمانية عاصمة البابانية. ولذا، نشبت الحرب الخامسة بينهما (1818-1820م)، وتدخل العثمانيون وفرضوا الصلح عليهم. وعندما توسعت الطموحات السورانية وسيطرت على أربيل ورواندوز، تحالف الباباني مع البوتاني ضد السوراني ونشبت الحرب السادسة والأخيرة (1834-1835م) لتنتهي بهزيمة ساحقة للإمارة السورانية وإخراجها من أربيل ورواندوز وانتهائها كإمارة قوية.
هكذا، إذا كانت "العداوة" قد وسمت أو بالأحرى وصمت العلاقات البابانية – السورانية، فإن "تحالف المصالح" قد رسم مسار العلاقات البابانية- البوتانية. وعموما، اتسمت العلاقات البابانية- الأردلانية بـ "التوتر" غالبا نظرا لموقعهما الحدودي ونشوب حروب بينهما وعمليات تهريب ناهيك عن اللجوء منهما وإليهما. وحاول البابانيون فرض هيمنتهم على الإمارات الكردية "الصغيرة" من أمثال موكريان وهكاري بالتحالف وبالمصاهرة أو بالضم عنوة على نحو ما حدث مع كرميان وضمها إلى السليمانية. وبإيجاز، نسطيع رسم شبكة علاقات بابان الكردية كالآتي: عداوة مع سوران، تحالف مع بوتان، صراع حدود مع أردلان، سيطرة على الصغار. ونسبيا، أجادوا لعبة التوازن الإستراتيجي بين الهلال الفارسي الشيعي والهلال العثماني السني. وفي نهاية المطاف، انتصر العثماني، فلا باباني (1835) ولا سوراني (1850).
وقد اتفق المؤرخون على أن الصراع الباباني – السوراني يعد "أطول وأدمى صراع كردي داخلي". وحسب تفسير المدرسة التاريخية القومية الكردية، يعد هذا الصراع بمثابة "خيانة للتاريخ القومي" وأورث إرثا مؤلما. وقد تسبب هذا الصراع في ضياع فرصة اتحاد الباباني السوراني البوتاني في بنية واحدة تمهيدا لبناء دولو كردية قومية على غرار ما حدث لقوميات أوروبا في التاريخ الحديث. ووفقا لمحمد أمين زكي، صبت هذه الحروب الانتحارية في صالح المحتل الفارسي والعثماني وضياع الحق الكردي.
وكانت المدرسة الاستعمارية الفارسية – العثمانية الأسعد والأربح من نجاح إستراتيجية "تفرق تسد" بين الدوائر الكردية لدرجة اعتبار الصراع الباباني- السوراني "صحي ومفيد" لدولتي الشاه والسلطان.
وقد ارتأى العثماني أن الصراع الباباني – السوراني يحول دون قيام دولة كردية فتية، واستغله في تبرير القضاء على الإمارات الكردية لإنهاء الفوضى وإدخال القانون، ووظفه في تصوير أن الإمارات الكردية غير قادرة على حكم نفسها.
ووفقا لتفسير مدرسة التاريخ الاجتماعي – الاقتصادي، يعد الصراع الباباني – السوراني "صراع موارد". وحسب ديفيد مكدول الإنجليزي، بينما أرادت بابان السيطرة على طرق تجارة أربيل – كركوك، سعت سوران للهيمنة على مناجم رواندوز وضرائب سهل أربيل.
ولا ريب أن الصراع الباباني – السوراني الطويل الأمد والمدى قد أعطى دروسا قاسية للكرد كافة. فعلى المستوى السياسي، رهن الطرفان انتصاراتهما على "تدخل خارجي"، الشاه والسلطان، مما أدى إلى إطالة أمد الصراع. والحصاد: استنزاف كردي للصالح الفارسي –العثماني. وجيوستراتيجيا، إذا كانت جبال رواندوز جعلت سوران تصمد، فإنها صارت حبيسة. وإذا كانت سهول السليمانية منحتها قوة اقتصادية، فقد عرضتها للغزو. واجتماعيا، تسببت الحروب الأهلية في تدمير النسيج العشائري. واقتصاديا، استنزفت الحروب موارد بابان وسوران وجعلت الطرق غير آمنة. والحصاد: استنزاف طويل للمقدرات الكردية.
هكذا، نستطيع رصد حصاد الصراع الباباني – السوراني على مدار 130 سنة كالآتي: الخاسر الأكبر هو الشعب الكردي، والرابح الأكبر هو المحتل الفارسي – العثماني. والأسوأ، صارت ثنائية رواندوز –السليمانية رمزا للإنقسام الكردي. ولاغرو؛ إذ في غياب دولة مركزية وتدخل خارجي مع صراع موارد، تحول الصراع الباباني – السوراني إلى تدمير ذاتي.
ولذا، يجب ألا تمتد الآثار السلبية لهذا الصراع التاريخي إلى الواقع الراهن والمستقبل القريب وحتى البعيد.
ويجب الاعتماد على قدرات الذات الكردية وتوحيدها، وعدم التعويل على أجندات خارجية. ويجب الخروج من عقدة رواندوز – السليمانية إلى بناء مشروع كردي وطني مشترك ليكون دعامة كردية قوية في شرق أوسط يغلي ويفور ويتمخض عن ميلاد شرق أوسط جديد.
*أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر في جمهورية مصر العربية