×

  قضايا كردستانية

  الرئيس مام جلال .. حديقة من الزهور، لا زهرة واحدة



*عماد أحمد

ما الذي علمنا إياه ؟

*ترجمة : نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كوردستاني نوى

يعيش العالم اليوم مرحلة شديدة الحساسية؛ مرحلة تتغير فيها موازين القوى والمصالح يوما بعد آخر. كما تتحرك منطقتنا بين الحرب والسلام، والتهديد والحوار، والتعاون والصراع. ولا يزال العراق يرزح تحت وطأة الأزمات السياسية والاقتصادية، و يقف إقليم كوردستان أمام مرحلة دقيقة ومفصلية. وفي مثل هذه الظروف، تبرز الحاجة إلى قيادة تؤمن بالحكمة أكثر من القوة، وبالحوار أكثر من العنف، وبحماية الوطن أكثر من انتصار طرف على آخر. ولذلك يستحضر كثيرون الرئيس مام جلال بشيء من الحنين، لأنه لم يكن مجرد قائد سياسي، بل كان مدرسة في فن إدارة الأزمات وحلها.

هناك أناس لا يكتفي التاريخ بتسجيل أسمائهم، بل إن وجودهم يمنح التاريخ نفسه معنى جديدا. وكان مام جلال واحدا من هؤلاء النادرين. فقد كرس حياته للكورد وكوردستان، وكان يؤمن بأن حل كل أزمة يبدأ بتقريب الناس من بعضهم، لا بإبعادهم عن بعض. ولم يكن موقعه يستمد قوته من السلطة وحدها، بل تشكل عبر سنوات من النضال والمعاناة، وضبط النفس، والتسامح. وكانت السلطة بالنسبة إليه وسيلة لخدمة الإنسان، لا غاية بحد ذاتها.

لم يكن مام جلال من أولئك القادة الذين يكتفون بقراءة التاريخ، بل كان في كثير من اللحظات المصيرية يغير مساره. وتحولت تجاربه إلى مصدر للحكمة، لا للغرور. وكان يدرك أن لكل إنسان مفتاحا خاصا يفتح قلبه، ولذلك كان يخاطب الجميع بلغة الفهم والتفاهم.

علمنا مام جلال أن القيادة، قبل كل شيء، هي فن الإصغاء. ففي الاجتماعات المهمة، كان ينصت بعناية إلى جميع الأصوات قبل أن يجيب، حتى أولئك الذين كانوا يختلفون معه. وأحيانا كان صمته القصير قبل الحديث يحل أزمة سياسية أكثر مما يفعله خطاب طويل. وهكذا علمنا أن حسن الإصغاء هو نصف الحل، وأن ضبط النفس هو أساس القيادة الحقيقية.

ولم تكن بصيرة مام جلال تقتصر على قراءة السياسة، بل امتدت إلى فهم الإنسان والزمن. وكان يعلم أن ما ينتزع بالقوة قد يفقد بالقوة يوما ما، أما ما يبنى على القناعة والحوار والثقة فهو أبقى وأدوم. ولذلك كان، في معظم الأزمات، يبني الجسور بدلا من إقامة الجدران، ويفتح الأبواب بدلا من إغلاقها، ويزرع الأمل بدلا من روح الانتقام.

وعندما كان إقليم كوردستان على شفا حرب أهلية، سخر جهوده لإرساء المصالحة. وكان يؤمن بأن أي انتصار لا يستحق ثمن تمزيق المجتمع، وأن أي مكسب لا يمكن صونه بدم الأخ. وكانت الغاية الحقيقية للنجاح في نظره أن ينتصر الوطن، لا أن ينتصر طرف بعينه.

وفي مسيرة الحركة الوطنية الكوردية، تعاقب كثير من القادة، لكن مام جلال ترك بصمة مختلفة. فقد كان قلبه ينبض من أجل جميع أجزاء كوردستان، ولم تستطع الحدود السياسية أن تقيد أحلامه. ولهذا لم يكن معروفا في كوردستان وحدها، بل عرف أيضا في عواصم كثيرة من العالم بوصفه رجل الحوار، والتوازن، وصناعة الحلول. وكان يمتلك القدرة على ترجمة مصالح شعبه إلى لغة الدبلوماسية والشراكة الإنسانية.

ولم يكن الاتحاد الوطني الكوردستاني، في رؤية مام جلال، مجرد تنظيم سياسي، بل كان مشروعا فكريا جديدا. فقد كان يؤمن بأن أي تنظيم لا يمكن أن يكون قويا إذا ضعفت صلته بالشعب، وأن أي سلطة لا يمكن أن تدوم إذا لم تستند إلى ثقة الناس. وهذا الإيمان هو الذي كان يهديه في مختلف المراحل.

ولعل السؤال الأهم اليوم ليس: ماذا فعل مام جلال؟ بل: إلى أي مدى استطعنا نحن أن نستوعب مدرسته الفكرية ونتعلم منها؟ فالقادة يأتون ويرحلون، أما الأفكار والمناهج فلا تبقى حية إلا عندما تجسدها الأجيال في أفعالها.

لم يكن مام جلال زهرة؛ بل كان حديقة. حديقة يجد فيها كل إنسان زهرته الخاصة؛ فهذا يجد الحكمة، وذاك يجد التسامح، وآخر يجد الشجاعة، وغيرهم يجدون الأمل أو الثقة. وكان كشجرة وارفة الظلال، تفسح مكانا للجميع تحت ظلالها، من غير أن تسأل أحدا عن هويته، أو لونه، أو فكره.

رحل مام جلال عن الدنيا، لكن نهجه لم يرحل. فهناك أزهار لا تعيش إلا موسما واحدا، أما الحدائق فتتجاوز الفصول، وتزهر في كل عام بزهور جديدة.

هكذا كان مام جلال؛ لم يكن زهرة تتفتح ثم تذبل، بل كان حديقة يستطيع كل جيل أن يغرس فيها زهرة جديدة. وما دامت كوردستان بحاجة إلى الحكمة، والتسامح، والثقة، والوحدة، فإن تلك الحديقة ستظل خضراء، لأن جذورها قد ترسخت في قلوب الناس، لا في صفحات التاريخ وحدها.

 

ما علمنا إياه

بالطبع هناك أناس يعبرون الحياة ولا يتركون وراءهم سوى اسمٍ يذكر، بينما يترك آخرون وراءهم جيلا يتعلم كيف يفكر، وكيف يتخذ قراره، وكيف لا يفقد بوصلته نحو الحقيقة في أحلك الأزمات.

كان الرئيس مام جلال واحدا من أولئك النادرين الذين لم تقَس قيمة وجودهم بعدد سنوات حياتهم، بل بما غرسوه من قيمٍ ودروس في نفوس الناس. لم يكن مجرد قائد سياسي، بل كان مدرسة فكرية وأخلاقية ووطنية، لا تزال دروسها حية في حياتنا حتى اليوم.

وإذا سألنا اليوم: "ما الذي علمنا إياه الرئيس مام جلال؟" فلن يكون الجواب سطورا قليلة، لأن حياته بأكملها كانت أعظم كتاب تعليمي.

أولى الدروس كانت الثقة وبناءها. فقد كان يدرك أن السلطة قد تنال بالقوة، لكنها لا تصان إلا بالثقة. فالقائد قد يصل إلى المنصب والرتبة، لكنه إذا خسر قلوب الناس، فقد خسر كل شيء. ولذلك كان يحرص دائما على بناء الثقة بدلا من ترسيخ الخوف.

الدرس الثاني كان الحوار. ففي زمنٍ آمن فيه كثيرون بلغة السلاح، آمن هو بلغة الحوار. وكان يعلم أن الحروب قد تغير الحدود، أما الحوار فيغير القلوب والعقول. ولهذا استطاع أن يحجز لنفسه مكانة من الاحترام في قلوب رفاقه وخصومه على حد سواء.

أما الدرس الثالث فكان التسامح. فقد كان يؤمن بأن الحقد لا يصنع مستقبلا، وأن الانتقام لا يرفع أمة إلى مصاف التقدم. ولم يكن التسامح في نظره علامة ضعف، بل كان دليلا على نضج الفكر، وقوة الروح، وبعد النظر السياسي.

لقد علمنا مام جلال أن الشراكة تختلف عن التشابه. فليس من الضروري أن نفكر جميعا بالطريقة نفسها حتى نتمكن من العمل من أجل هدف مشترك. فالاختلاف، في نظره، كان مصدر قوة، لا سببا للانقسام.

كما علمنا أن السياسة هي فن إيجاد الحلول، لا صناعة الجدران. ففي كل أزمة، كان يفتح نافذة جديدة للحوار بدلا من إغلاق الأبواب. وكان يؤمن بأن وراء كل مشكلة حديثا لم يقل بعد، وأن كل حديث مؤجل قد يكون بداية لاتفاق جديد.

ومن مدرسة مام جلال تعلمنا أن الوطن أكبر من الحزب، والحزب أكبر من الفرد، والفرد أكبر من المنصب. وقد ظل هذا المعيار الأخلاقي متقدما على كل مصلحة شخصية أو ظرفية، ولذلك أصبح نهج مام جلال جزءا أصيلا من البنية الفكرية الوطنية في كوردستان.

واليوم، في وقت تواجه فيه كوردستان والعراق والمنطقة والعالم متغيرات واختبارات جديدة، فإن حاجتنا لا تقتصر على استذكار مام جلال، بل تمتد إلى إحياء فكره وأخلاقه ونهجه. فإذا أصبحت تلك القيم والدروس جزءا من ثقافة المؤسسات وسلوكنا اليومي، فإن اسم مام جلال لن يبقى حاضرا في صفحات التاريخ فحسب، بل سيواصل الحياة في المستقبل أيضا.

ويمكن تلخيص فلسفة مام جلال في أربع كلمات: الإنسان، والثقة، والحوار، والوطن. فإذا أصبحت هذه الركائز الأربع دليلا لتفكيرنا وقراراتنا، فإننا سنسير في طريق أكثر وضوحا وإشراقا.

في الحقيقة إن أفضل وفاء لمام جلال لا يكون بمجرد ترديد اسمه أو تعليق صوره على الجدران، بل بأن يتحول نهجه إلى أسلوب حياة، وإلى منهج في ممارسة السياسة والعمل العام. لأن القائد العظيم لا يموت برحيله، بل يظل حيا في عقول الناس، وفي القيم التي غرسها، وفي الدروس التي علمنا إياها عن كيفية بناء الوطن بالحكمة، والوحدة، والثقة، والحوار.


30/07/2026