*إف. إم شاكيل
The Cradle:
في يناير/ كانون الثاني، خرج إلى العلن مقترح كان قد جرى تداوله بهدوء لمدة تقارب عاما كاملا. فقد أعدّت باكستان والسعودية وتركيا مسودة اتفاقية دفاعية، وكانت نسخ منها قيد المراجعة في العواصم الثلاث.
وبات من الممكن أن تُدمج القدرات النووية الباكستانية وقواتها العسكرية المجربة في ساحات القتال، مع صناعة الدفاع التركية الآخذة في التوسع، وثروة السعودية ونفوذها السياسي، ضمن قوة مشتركة.
وبعد ما يزيد قليلا على شهرين من الإعلان عن المسودة الثلاثية، انضمت مصر إلى وزراء خارجية تركيا والسعودية وباكستان في الرياض، في 19 مارس/ آذار، على هامش قمة منظمة التعاون الإسلامي، لعقد أول مشاورات رباعية بينهم.
ورغم أن القاهرة لم تنضم رسميا إلى اتفاق الدفاع المقترح، فإن مشاركتها أوحت بأن المبادرة الثلاثية قد تكون بصدد التطور إلى إطار أمني إسلامي أوسع، في ظل الحرب الإقليمية، والهجمات على البنية التحتية الخليجية، وتزايد الشكوك بشأن الضمانات الأمنية التي تقدمها واشنطن.
ويبقى السؤال: ما الذي تريد الرياض أن يدافع عنه هذا الترتيب؟ ومن سيتولى قيادته؟ وهل يمكن لقوة تُطرح باعتبارها تعبيرا عن الاستقلالية الإقليمية أن تؤدي في الواقع إلى تعميق الانقسامات القائمة في غرب آسيا؟
رهان الرياض الأمني
قال وزير الدولة الباكستاني للإنتاج الدفاعي، رضا حياة هراج، لوكالة «رويترز»، إن المقترح منفصل عن اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المتبادل السعودية–الباكستانية التي وُقّعت في سبتمبر/أيلول 2025. وأضاف أن المشروع كان قيد الإعداد منذ عشرة أشهر، إلا أن الحكومات الثلاث لا تزال بحاجة إلى التوصل إلى توافق نهائي بشأنه. كما أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان وجود هذه المحادثات، لكنه شدد على أنه لم يتم توقيع أي اتفاق حتى الآن.
وأفادت تقارير أعقبت اجتماع مارس/ آذار بأن الحرب مع إيران والهجمات على دول الخليج احتلت موقعا متقدما في المداولات. وبحث كل من وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، ووزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، ووزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار، سبل تعميق التعاون الأمني.
فمن سيكون المستفيد الأكبر من مثل هذه القوة؟ وما الغاية التي تنوي الرياض أن تخدمها من خلالها؟
يقول ظهير شاه شيرازي، نائب الرئيس التنفيذي لشبكة BOL News، لـ«ذا كرادل» إن هذا الهيكل سيسمح للمملكة بتوزيع مخاطرها العسكرية وإضفاء وزن سياسي إضافي على قوة ردعها. فالإمكانات الدفاعية الصناعية لتركيا، والقدرات العسكرية والنووية لباكستان، إلى جانب النفوذ المالي والدبلوماسي للسعودية، من شأنها أن تعزز بعضها بعضا.
وأضاف: «إضافة إلى ذلك، سيُمكّن هذا الإطار المملكة من موازنة التآكل الذي أصاب شرعيتها، إلى حدّ ما، في الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني، بما يعزز ادعاءها بقيادة المنطقة.»
ملامح تكتل أوسع
لم تعلن أي حكومة عن معاهدة رباعية، ولا يزال التفويض المحتمل لهذا الإطار غير واضح. ومع ذلك، فإن وتيرة المشاورات تشير إلى أن المقترح تجاوز مرحلة التكهنات الإعلامية.
وتواصلت «ذا كرادل» مع رئيس الوزراء الباكستاني السابق أنوار الحق كاكار، وكذلك مع رضا حياة هراج، للحصول على مزيد من التفاصيل حول اجتماع مارس/آذار في الرياض، إلا أن كليهما امتنع عن التعليق.
وتقول أيمن جميل، وهي صحفية وباحثة متخصصة في شؤون غرب آسيا والسياسة الخارجية الباكستانية، إن التبادلات الاستراتيجية المتواصلة بين الدول الثلاث الأصلية – والآن مع مصر – تشير إلى أن المناقشات تشهد تقدما.
وأضافت لـ«ذا كرادل»: «ورغم أنه لم يصدر إعلان رسمي بعد، فإن هناك مؤشرات موثوقة على أن إطارا للتعاون الدفاعي من هذا النوع بات على وشك الإقرار.»
وترى جميل أن المبادرة تهدف إلى تعزيز الدفاع الجماعي، وتحسين قابلية التشغيل البيني بين القوات، وزيادة الاكتفاء الذاتي. وستتوقف أهميتها على ما إذا كانت هذه الأهداف ستفضي إلى التزام ملزم بالدفاع المتبادل، أو إلى إنشاء قوة دائمة، أو ستبقى مجرد آلية للتشاور وإجراء التدريبات المشتركة.
من جانبه، يقول الدكتور غلام علي، الباحث البارز في مركز السلام العالمي والدراسات الاستراتيجية في تايوان، إن القوة المقترحة لا تزال في مراحلها الأولى. لكنه يشير إلى الاتفاق السعودي–الباكستاني باعتباره دليلا على أن المقترحات التي تُرفض في البداية باعتبارها مجرد شائعات يمكن أن تكتسب بسرعة طابعا مؤسسيا.
ويضيف: «في ظل التحولات التي يشهدها الخليج والشرق الأوسط، والتي تعيد تشكيل ميزان القوى، وتغيّر التحالفات، وتحد من الصراعات، فإن جوهر هذا الاتفاق سيكون دفاعيا بالدرجة الأولى.»
ويمنح الالتزام القائم بالفعل بين باكستان والسعودية المقترح مضمونا عسكريا ملموسا. فالاتفاق الموقع بينهما في سبتمبر/ أيلول 2025 يعتبر أي عدوان على إحدى الدولتين عدوانا على الأخرى. وفي عام 2026، نشرت باكستان نحو ثمانية آلاف جندي، وما يقارب 16 طائرة مقاتلة – معظمها من طراز JF-17 – إضافة إلى وحدات للطائرات المسيّرة ومنظومة الدفاع الجوي الصينية HQ-9. وأفادت وكالة «رويترز» بأن الرياض موّلت عملية الانتشار، بينما يتولى العسكريون الباكستانيون تشغيل هذه القوات.
كما حذرت إسلام آباد طهران من أن أي هجمات تستهدف المنشآت السعودية قد تؤدي إلى تفعيل التزاماتها بموجب المعاهدة. كذلك حذرت الحكومة اليمنية التي تقودها حركة أنصار الله من تهديد الأراضي السعودية أو عرقلة الملاحة في البحر الأحمر، مؤكدة حقها في الدفاع عن المصالح البحرية. ومن شأن هذه الالتزامات أن تجرّ إسلام آباد إلى مواجهات تتجاوز كثيرا حدود جنوب آسيا.
خط الصدع الإيراني
رحبت طهران بمبدأ إنشاء نظام أمني جماعي إسلامي يستبعد الولايات المتحدة وإسرائيل، إلا أن إيران لم تحظ حتى الآن بمكان يُذكر ضمن الإطار الذي يتشكل حاليا.
ومع تصاعد التوترات الإقليمية، عاد المسؤولون الإيرانيون للمطالبة بأن تتحمل دول غرب آسيا مسؤولية أمنها بنفسها، وأن تنشئ ميثاقا أمنيا خاليا من أي مشاركة امريكية أو إسرائيلية.
وقال إبراهيم ذو الفقاري، المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء المركزي في إيران، في رسالة مصورة موجهة إلى العالمين العربي والإسلامي في 25 مارس/ آذار: «لقد حان الوقت لإنشاء تحالف أمني من دون وجود الولايات المتحدة وإسرائيل.»
لم تولد هذه المبادرة مع اندلاع الحرب الأخيرة. فقد أطلقت باكستان والسعودية وتركيا منصة التعاون الدفاعي الثلاثي في الرياض خلال أغسطس/ آب 2023.
وخلال اجتماعها الثاني الذي عقد في مدينة روالبندي في يناير/ كانون الثاني 2024، ناقشت الدول الثلاث معدات الدفاع، والتكنولوجيا، والبحث العلمي، وكيف يمكن لخبراتها ومواردها المالية وكوادرها البشرية أن تحقق «الأهداف المشتركة» وتعزز الاعتماد على الذات.
وبدت تلك الأهداف أكثر وضوحا خلال مشاورات الرياض. إذ إن التقارير التي أفادت بأن الهجمات الإيرانية على الملكيات المنتجة للنفط هيمنت على الاجتماع تثير احتمال أن يتطور الهيكل الذي يُروَّج له باعتباره إطارا للاعتماد الإسلامي على الذات إلى إطار ذي طابع مناهض لإيران.
غير أن أيمن جميل تحذر من استخلاص هذا الاستنتاج في هذه المرحلة، قائلة: «في هذه المرحلة، لا أصفه بأنه معاد لإيران بصورة جوهرية. فالأمر سيعتمد إلى حد كبير على مهمة التحالف، وأهدافه الاستراتيجية، وكيفية عمله وآليات تشغيله. ولن يكون تحالفا مناهضا لإيران طالما ظل يركز على الدفاع الجماعي، والأمن البحري، ومكافحة الإرهاب، وتعزيز التعاون الأمني الإقليمي.»
وتحذر من أن الحسابات ستتغير إذا تبنى التحالف نهجا تصادميا أو إقصائيا يهدف إلى احتواء إيران أو إلى خدمة مصالح معسكر إقليمي على حساب آخر. وترى أن مثل هذا المسار قد يؤدي إلى تعميق الانقسامات الجيوسياسية التي يدّعي أنه يسعى إلى إدارتها.
وأضافت: «السؤال سيكون ما إذا كان سيعزز استقرارا إقليميا شاملا، بدلا من تكريس سياسة التكتلات أو الطموحات الهيمنية.»
وترى جميل أن إيران قد لا تنظر إلى هذه الشراكة باعتبارها تهديدا مباشرا في الوقت الراهن، إلا أن طهران ستراقب عن كثب تأثيرها في ميزان القوى الإقليمي وفي حلفائها.
كما تكشف جذور هذا التكتل عن غياب وحدة الموقف تجاه إيران. فالسعودية وباكستان ترتبطان باتفاق دفاع متبادل، بينما تركز تركيا ومصر على الحوار السياسي. وبالتالي، فإن الدول الأربع تجمعها مصالح متقاطعة أكثر مما يجمعها توافق استراتيجي راسخ.
ويشير شيرازي إلى أن غياب موقف موحد تجاه إيران يمثل نقطة الضعف الرئيسية في هذا الإطار، قائلا: «إن الدول الأربع الأعضاء في القوة الدفاعية المقترحة للشرق الأوسط ليست موحدة في كيفية التعامل مع إيران. فالسعودية وباكستان لم تعودا على الحياد، بسبب اتفاق الدفاع الثنائي الذي وقعته الدولتان العام الماضي، وهما تريدان من إيران أن تتوقف عن استهداف المملكة. كما أن باكستان أعلنت استعدادها العسكري ووجهت تحذيرات إلى إيران مرات عديدة.»
وأضاف أن تركيا ومصر اتبعتا مسارا مختلفا، وفضلتا اللجوء إلى المفاوضات لإنهاء الأزمة. ويمكن لتحالف أمني أن يستمر رغم وجود اختلافات بين أعضائه، لكنه لا يستطيع أن يعمل كقوة مشتركة ذات مصداقية من دون اتفاق على التهديد الذي أُنشئ لمواجهته.
الاستقلالية تحت المظلة الامريكية
قدّم مؤيدو الاتفاق المقترح هذا الإطار باعتباره مسارا محتملا لتقليص الوجود العسكري الامريكي في دول الخليج العربي المنتجة للنفط. وكانت إيران قد طالبت مرارا بإغلاق القواعد الامريكية في المنطقة، ومن شأن قيام قوة إقليمية قادرة تحل تدريجيا محل القوات الأجنبية أن يلبّي أحد أبرز المطالب الأمنية لطهران.
ويرى محللون أن هناك مؤشرات قليلة على أن واشنطن تستعد للانسحاب. فالولايات المتحدة تحتفظ بقواعد عسكرية، واتفاقيات دفاع، وعقود تسليح، وبنية تحتية للقيادة العسكرية في مختلف أنحاء الخليج. كما أن اتفاق التعاون الامريكي–السعودي الجديد في مجال الطاقة النووية المدنية يؤكد متانة هذه العلاقات، رغم أنه لا يزال بانتظار مراجعة الكونغرس، في حين سعى الرئيس الامريكي دونالد ترامب إلى ربطه بتطبيع العلاقات السعودية مع إسرائيل.
ويجادل الدكتور غلام علي بأن الإطار الإقليمي الناشئ سيُكمل البنية العسكرية الامريكية بدلا من أن يحل محلها، قائلا: «لن يحل هذا الاتفاق محل القوات والقواعد الامريكية في منطقة الخليج. فالولايات المتحدة وافقت حتى على إبرام اتفاق نووي مع المملكة العربية السعودية. ويُعد ذلك نقطة تحول في بيئة الشرق الأوسط، لأنها المرة الأولى التي توافق فيها واشنطن على الدخول في اتفاق نووي مع دولة عربية مسلمة. والولايات المتحدة لا تنوي تقليص وجودها في الشرق الأوسط، بل تسعى إلى تعميق وترسيخ موقعها، وتعزيز إعادة انخراطها الاستراتيجي مع دول مجلس التعاون الخليجي.»
وتبدي أيمن جميل الحذر ذاته تجاه الطروحات التي تفيد بأن الترتيب الناشئ سيجعل القواعد الامريكية غير ضرورية.وقالت: «من المبكر جدا التوصل إلى مثل هذا الاستنتاج. فالولايات المتحدة تمتلك بنية تحتية عسكرية ضخمة وتحالفات استراتيجية في المنطقة، ولذلك فمن غير المرجح إيجاد بديل فوري لها. لكن مثل هذا التوجه قد يقلل، مع مرور الوقت، من حاجة المنطقة إلى الخدمات الأمنية الخارجية.»
وترى أنه إذا أعطى هذا الإطار الأولوية للتعاون، وتجنب الصراعات، واحترام السيادة، من دون السعي إلى الهيمنة، فإنه قد يسهم في تحقيق استقرار طويل الأمد. كما قد تسعى دول أخرى مستقبلا إلى الارتباط به في أنحاء غرب آسيا وجنوب آسيا.
وعليه، فإن الاتفاق المقترح يحمل مستقبلين متنافسين. فمن جهة، قد يجمع قدرات الدول الإسلامية ويؤدي تدريجيا إلى تخفيف الاعتماد على منظومة أمنية تقوم على القواعد الأجنبية والضمانات الامريكية. ومن جهة أخرى، قد يُبقي تلك المنظومة قائمة كما هي، مع منح الرياض أداة جديدة تستطيع من خلالها فرض نفوذها على جيرانها واستعادة ادعائها بقيادة العالمين العربي والإسلامي.
وسيكون الاختبار الحاسم ليس عدد الجيوش التي ستجتمع تحت مظلة هذا الاتفاق، بل ما إذا كان سيُسمح لها بتحديد مفهوم الأمن الإقليمي بنفسها، وما إذا كانت إيران ستُعامل بوصفها جزءا من هذا الإقليم، أم بوصفها العدو الذي ينبغي تنظيم هذا التحالف في مواجهته.