*نوزاد المهندس
يوم الجمعة، الموافق السابع من أغسطس/آب عام 2026، شهدت مدينة مكة المكرمة توقيع اتفاق ثلاثي بين ثلاث دول إقليمية كبري ذات نفوذ سياسي واقتصادي وعسكري ضارب في المنطقة: المملكة العربية السعودية، جمهورية تركيا، وجمهورية باكستان الإسلامية. ورغم أن هذه الدول تنتمي إلى ثلاث قوميات مختلفة (العرب، الترك، والباكستانيون)، وتجمع بينها المظلة السنية، إلا أن جامعها الأكبر هو الدين الإسلامي الحنيف. وقد أضفى اختيار بيت الله الحرام بمكة المكرمة مكانا لإبرام هذا الميثاق بُعدا روحيّا ورمزية قدسية تتجاوز حدود التحالفات السياسية والعسكرية والمالية المجردة.
وأمام هذا الحدث الجلل، يفرض التساؤل الجوهري نفسه: ما دوافع هذا الاتفاق الثلاثي في هذا التوقيت بالذات؟ وهل نحن أمام مناورة تكتيكية ظرفية أم حلف استراتيجي ممتد؟ وما هي المبادئ والأهداف الغائية التي يبتغيها هذا المحور؟
تكمن الإجابة عن هذه التساؤلات في كنة الاتفاق ومضامينه الثانوية خلف ظاهره، والتي تتجلى في المحاور التالية:
أولا: دوافع الاتفاق وموجبات التوقيت (لماذا الآن؟)
إن بزوغ هذا النجم الثلاثي في هذه المرحلة الحساسة ليس محض تصادف، بل هو وليد تدافعات إقليمية ودولية متسارعة:
-تراجع المظلة الأمنية الأمريكية: إدراك هذه الدول (ولا سيما السعودية) استحالة الاعتماد المطلق والدائم على التحالف الكلاسيكي مع واشنطن، لا سيما بعد إعادة توجيه الأولويات الأمريكية نحو شرق آسيا لكبح جماح النفوذ الصيني.
-تنامي التهديدات الإقليمية: تصاعد حدة التوترات في الشرق الأوسط وجنوب آسيا، مما فرض ضرورة خلق قوة ردع إقليمية ذاتية ومستقلة، تسد الطريق أمام التدخلات القادمة من خلف البحار.
-التكامل الاقتصادي والصناعي: تعيش الدول الثلاث مخاضا واضطرابا اقتصاديا؛ ففي حين تحتاج تركيا وباكستان إلى رؤوس الأموال والتدفقات النفطية السعودية، ترنو الرياض إلىالتكنولوجيا العسكرية التركية والقوة البشرية والردعية لباكستان.
ثانيا: ماهية الاتفاق (مناورة تكتيكية أم تحالف استراتيجي؟)
يتجاوز هذا المسار مفهوم "الاتفاق الظرفي المؤقت" ليتجه صوب "التحالف الاستراتيجي البنيوي"، وذلك لعدة عوامل:
-احتمالات التكتكة والظرفية: قد يقرأ البعض هشاشة ما في التحالف نظرا لتفاوت الأولويات السياسية في بعض الملفات الإقليمية، أو بفعل الضغوط المزاحمة من القوى الكبرى (واشنطن، نيودلهي، وتل أبيب)، فضلا عن حالة الاضطراب الاقتصادي الداخلي لدى بعض أطرافه.
-العمق الاستراتيجي الممتد: في المقابل، فإن مقومات الاستدامة هي الأرجح؛ نظرا لوجود تكامل جيوسياسي (إذ لا توجد تنافسات جغرافية أو إقليمية مباشرة بين الدول الثلاث)، وتبادل للمنافع الحيوية (المال مقابل التكنولوجيا والردع النووي)، ناهيك عن مأسسة التحالف عبر غرف عمليات عسكرية واستثمارات ممتدة لا تقف عند حدود البيانات الصحفية.
-الخلاصة: إننا أمام تحالف استراتيجي بنيوي؛ لأنه قام علىمنطق "المصالح الهيكلية المتبادلة"، لا علي مجرد التكتل المؤقت ضد عدو مشترك.
ثالثا: الأهداف والغايات الكبري
تتلخص أهداف هذا المحور في ثلاثة أبعاد رئيسية:
-الأبعاد العسكرية والأمنية: بناء مثلث دفاعي متكامل (رأس المال السعودي + الصناعة العسكرية والدرونز التركي + القوة البشرية والردع النووي الباكستاني)، تحقيق الذاتية والتصنيع المستقل في سلاح الردع، وتأمين الممرات البحرية الحيوية كالبحر الأحمر والخليج العربي وبحر العرب.
- الأبعاد الاقتصادية والطاقية: ربط الأسواق والخطوط التجارية بين الخليج وآسيا الوسطى وأوروبا عبر الجغرافيا الحاكمة لباكستان وتركيا، وضخ الاستثمارات السعودية في البنى التحتية للدولتين.
- الأبعاد الجيوسياسية والدبلوماسية: تشكيل قطب إسلامي مستقل يمتلك القدرة على المناورة بين الشرق (الصين وروسيا) والغرب (أمريكا)، وإيجاد توازن قوى أمام الهيمنة الهندية في جنوب آسيا والقوى المزاحمة في الشرق الأوسط.
رابعا: توزيع الأدوار والمستفيد الأكبر
يقوم الاتفاق على قاعدة "المنافع المتوازية والتكامل" (Mutual Complementarity)، حيث تسد قوة كل طرف ثغرة الآخر:
- السعودية (المستفيد الأكبر أمنيا): تنويع مظلة الأمان الأمني، وامتلاك غطاء صناعي (تركيا) وردعي نووي (باكستان) دون الانصياع للشروط الأمريكية.
- باكستان (المستفيد الأكبر اقتصاديا): الانفكاك من طوق الأزمة المالية الخانقة، واستعادة الشرعية الإقليمية عبر بوابة الاستثمار السعودي.
- تركيا: فتح سوق عريضة لصناعاتها الدفاعية، وترسيخ حضورها الاقتصادي والدبلوماسي في الخليج.
خامسا: الخارطة الضدية (من يناوئ هذا الاتفاق؟)
رغم أن الاتفاق لم يعلن العداء لأحد، إلا أنه يرسل رسائل ردع مبطنة لعديد الجهات:
-إقليميا: يثير قلقا بالغا لدى الهند (بسبب القوة الباكستانية المضافة)، ويحد من اليد الطولي لـ إسرائيل في المنطقة، كما يعمل كـ قوة توازن (Counter-balance) لتأطير النفوذ الإيراني.
-دوليا: يوجه رسالة لـ واشنطن مفادها أن دول المنطقة لم تعد رهينة التبعية المطلقة، بل تملك خياراتها البديلة لبناء أقطابها المستقلة.
سادسا: غياب مصر.. الدوافع والخلفيات
إن استبعاد القاهرة أو نأيها عن هذا المحور لا يعود لسبب واحد، بل هو محصلة لتعقيدات شائكة:
- المنافسة المحورية التاريخية: رغم الهدوء الظاهري، لا تزال رواسب "عدم الثقة الاستراتيجية" قائمة بين المؤسسة المصرية والسلطة التركية على خلفية صراعات العقود الماضية ودور أنقرة في ملفات ليبيا والمتوسط.
-قيود السلام مع إسرائيل والارتباط بواشنطن: التزام مصر بمعاهدة "كامب ديفيد" ساهم في تقييد هامش تحركها العسكري وخضوعها لشرط المساعدات الأمريكية، مما يمنعها من الانخراط في حلف يضم قوة نووية كباكستان أو مناوئة لشركائها الغربيين.
-غياب العامل التكاملي: تعاني مصر من أزمة اقتصادية وتفتقر إلى التكنولوجيا العسكرية المتقدمة والردع النووي، مما يجعلها غير قادرة على تقديم "القيمة المضافة" التي تتبادلها الدول الثلاث.
-سياسة "الحياد الحذر": إيثار إدارة السيسي التركيز علىالبعد الإفريقي والعربي المباشر (مثل ملف سد النهضة)، وتجنب الخوض في صراعات جنوب آسيا وحسابات رأس المال الخليجي.
سابعا: العراق وسوريا في ظل المعادلة الجديدة
العراق (شريان التنمية والتوازن):
رغم عدم عضويته المباشرة، يقع العراق في قلب هذا الاتفاق كربط جغرافي ذهبي بين الرياض وأنقرة. تجلى ذلك في مشروع "طريق التنمية" الذي يربط الخليج بأوروبا. ويهيئ هذا التوافق البيئة لرفع الاستثمارات في العراق وتخفيف حدة الصراع الإقليمي على أرضه، شريطة قدرة بغداد على التوازن وعدم الوقوع في فخ الاستقطاب الطائفي أو التنازع الإيراني-الخليجي.
سوريا (جسر الاستقرار الإقليمي):
تستعيد سوريا مكانتها كبوابة جيو-اقتصادية للخليج نحو المتوسط والحدود التركية. ومن شأن التقارب السعودي-التركي أن يسرّع إعادة دمج سوريا في محيطها العربي والإسلامي، وإنهاء بؤر التوتر، وإرساء دعائم الإعمار والأمن الإقليمي.
خاتمة:
نجاح "اتفاق مكة الثلاثي" واستمراره، أو تعثره وانكفاءه، يظل مرهونا بالتحولات الجسام المتوقعة في المنطقة؛ فهل نحن بصدد إعادة رسم الخارطة الجيوسياسية للنظام الإقليمي على غرار ما شهدته المنطقة قبل الحرب العالمية الأولي؟ أم أن أزمات الشرق الأوسط ستظل تدور في حلقة مفرغة من الصراعات المدمرة ليظل المستقبل مكتنفا بالغموض والظلمات؟
التاريخ هو الكفيل بالترجيح؛ فإما أن يثبت هذا الميثاق أقدامه كحلف استراتيجي غير مسبوق، أو أن يلقي مصير "حلف سعد آباد" و"حلف بغداد (سنتو)" في القرن الماضي، والتي ذهبت أدراج الرياح رغم أن أبطالها كانوا هم أنفسهم صناع القرار في هذه المنطقة.