×

  حوارات

  بزشكيان: لن نخضع للإكراه.. وإيران اختارت الصمود والإصلاح



 

*المرصد-خاص

في حوار شامل مع الشعب الإيراني، قدم الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عرضا لأبرز التحديات التي واجهت حكومته خلال العامين الماضيين، متحدثا عن الحرب والعقوبات والضغوط الخارجية، ومسار المفاوضات مع الولايات المتحدة، إلى جانب الإصلاحات الاقتصادية ومشاريع الطاقة والنقل والتعليم. وأكد أن بلاده لا تسعى إلى الحرب، لكنها لن تقبل فرض الاستسلام عليها، مشددا في الوقت نفسه على أن الوحدة الداخلية والتعاون مع دول الجوار يمثلان ركيزتين أساسيتين لمواجهة الضغوط.

بعد عامين على توليه رئاسة الجمهورية، وضع مسعود بزشكيان أداء حكومته في إطار مرحلة وصفها بالأصعب في تاريخ إيران بعد الثورة، في ظل العقوبات الاقتصادية، والضغوط المالية، وأزمات الطاقة والمياه، والحرب والتوترات الإقليمية.

وقال بزشكيان إن حكومته واجهت منذ يومها الأول سلسلة من الأزمات المتلاحقة، مؤكدا أن تجاوزها لم يكن نتيجة جهود الحكومة وحدها، بل ثمرة تعاون مؤسسات الدولة والمحافظين والمسؤولين والموظفين والقوات المسلحة والشعب الإيراني.

وفي عرضه للتحديات، أشار إلى أزمة المياه والجفاف الذي وصفه بأنه غير مسبوق خلال نصف قرن، فضلا عن مخاوف انقطاع الكهرباء والغاز، ثم العقوبات والحرب التي فرضت على البلاد، مؤكدا أن الهدف من الضغوط الخارجية كان، بحسب تقديره، إحداث انهيار داخلي وإثارة السخط الشعبي.

ويرى بزشكيان أن الرهان على تفكك المجتمع الإيراني لم يتحقق، معتبرا أن تماسك مختلف شرائح الشعب كان عاملا حاسما في الحفاظ على استقرار البلاد.

 

الوحدة الداخلية في مواجهة الضغوط

ركز الرئيس الإيراني بصورة واضحة على مفهوم الوحدة الداخلية، مؤكدا أن الشعب، من وجهة نظره، يضم جميع من يعيشون على الأراضي الإيرانية بغض النظر عن العقيدة والقومية والجنس والتوجهات السياسية، وأن الدولة ملزمة بالتعامل مع المواطنين على أساس العدالة والمساواة.

وقال إن خطط الخصوم الخارجية ركزت خلال الفترة الماضية على تفكيك الجبهة الداخلية وبث الانقسام بين الإيرانيين، معتبرا أن صمود البلاد يعود إلى مختلف شرائح الشعب، وليس فقط إلى من خرجوا إلى الشوارع دعما للدولة.

وفي هذا السياق، شدد على أن إشراك أكبر عدد ممكن من المواطنين في إدارة الشأن العام يزيد قدرة الدولة على مواجهة الأزمات، بينما يؤدي استبعاد الآخرين والانغلاق إلى إضعاف المجتمع والدولة.

ويستند هذا التصور أيضا إلى تجربة حكومته في تفويض جزء من الصلاحيات إلى المحافظين والمسؤولين المحليين، والتي قال إنها ساعدت على إدارة تداعيات الحرب والأزمات من دون أن تتوقف مؤسسات الدولة.

وأشار إلى أن ملايين الإيرانيين توجهوا خلال فترة الحرب إلى مناطق مثل مازندران، ومع ذلك لم تشهد تلك المناطق نقصا حادا في الخبز أو الوقود أو السلع الأساسية، عازيا ذلك إلى التنسيق المباشر بين المسؤولين المحليين وتفويض الصلاحيات.

 

الاقتصاد والإصلاح في ظل الحصار

لا ينكر بزشكيان صعوبة الوضع الاقتصادي، بل يقر بأن العقوبات والحصار يؤثران مباشرة في قدرة إيران على بيع النفط والحصول على العملة الأجنبية.

لكنه يرى أن الحل لا يكمن في انتظار انتهاء الضغوط، وإنما في بناء مسارات بديلة، خصوصا مع دول الجوار، وتوسيع التجارة والتبادل التجاري، واستخدام آليات مثل المقايضة عندما تعوق العقوبات عمليات تحويل الأموال.

ويؤكد أن علاقات إيران مع دول الجوار أصبحت، بحسب تقييمه، أفضل بكثير من السابق، وأن التعاون الإقليمي ساعد طهران على مواجهة جزء من آثار الحصار. كما أشار إلى أن دول المنطقة، وفقا لروايته، حالت دون استخدام أراضيها لإحداث اضطرابات داخل إيران خلال الحرب.

وفي الجانب الاقتصادي الداخلي، تحدث الرئيس عن برنامج لإصلاح الطاقة والنظام المصرفي وسياسات الدعم والخصخصة وإدارة المؤسسات الحكومية والبنية التحتية للنقل، معتبرا أن الإصلاح لم يعد خيارا، بل ضرورة لمستقبل البلاد.

كما شدد على أهمية إصلاح النظام المصرفي باعتباره إحدى الوسائل الأساسية للسيطرة على التضخم، متحدثا عن إعادة توزيع أكثر عدالة للدعم، بحيث تحصل الفئات ذات الدخل المنخفض على حصة أكبر من الموارد الحكومية.

 

الطاقة والنقل.. البحث عن شرايين بديلة

احتلت مشاريع الطاقة والنقل مساحة مهمة في حديث بزشكيان، الذي ربط بين تطوير البنية التحتية وقدرة إيران على تجاوز الحصار والأزمات.

ووصف الممرات التجارية وشبكات النقل بأنها «شرايين المجتمع»، مؤكدا أن تطوير السكك الحديدية يمكن أن يوفر قدرة أكبر على نقل البضائع، ويقلل استهلاك الوقود ويخفف الضغط على الطرق.

وأشار إلى مشاريع للسكك الحديدية، من بينها خط تشابهار ـ زاهدان، وخط رشت ـ آستارا، إضافة إلى مشروع الربط بين طهران وتبريز وتركيا، فضلا عن خطط لتوسيع شبكة القطارات التي تربط طهران بالمدن المحيطة بها.

وفي مجال الطاقة، أكد أن الحكومة تعمل على التوسع في الطاقة الشمسية، مشيرا إلى تركيب ألواح شمسية أسهمت في توفير قدرة تقترب من 7 آلاف ميغاواط، مع استمرار العمل على زيادة هذه القدرة.

ويضع بزشكيان معالجة أزمة الطاقة ضمن أولويات حكومته، خصوصا مع استمرار العقوبات والحرب والقيود على الموارد، مؤكدا أن الاعتماد على الطاقة النظيفة يمكن أن يقلل استهلاك الوقود ويحسن وضع الطاقة على المدى الطويل.

 

التعليم بوصفه استثمارا في المستقبل

لم يقتصر حديث الرئيس الإيراني على الاقتصاد والسياسة الخارجية، إذ منح التعليم مكانة أساسية في رؤيته للمستقبل.

وقال إن كثيرا من المشكلات الاجتماعية تعود، في تقديره، إلى الطريقة التي يتعلم بها الأطفال، مؤكدا أن المدرسة ينبغي ألا تكتفي بتلقين المعلومات، بل يجب أن تعلم الطالب كيفية التفكير وحل المشكلات.

ووصف التعليم بأنه «أهم ركيزة لبناء المستقبل» وأثمن رأس مال تمتلكه البلاد، معتبرا أن تعليم الصدق والأمانة واحترام الآخرين والسلوكيات الاجتماعية السليمة يمكن أن يسهم في معالجة عدد كبير من المشكلات التي يواجهها المجتمع.

 

لا حرب من أجل الحرب.. ولا استسلام تحت الضغط

في السياسة الخارجية، رسم بزشكيان معادلة واضحة: إيران لا تريد الحرب، لكنها لن تقبل الإكراه أو الاستسلام.

وقال إن بلاده لم تبدأ الحرب، وإنها كانت منخرطة في الحوار عندما اندلع القتال، مؤكدا أن الشعب الإيراني، بما في ذلك من لديهم اعتراضات على الحكومة، وقف في النهاية إلى جانب البلاد خلال الأزمة.

وانتقد استخدام الولايات المتحدة أراضي دول في المنطقة لشن هجمات على إيران، معتبرا أن بلاده لا تريد استهداف دول الجوار، لكنها ستدافع عن نفسها في مواجهة المواقع التي تنطلق منها الهجمات.

وأكد في الوقت نفسه أن إيران لا تسعى إلى احتلال أراضي دول أخرى أو توسيع حدودها، وأن سياستها تقوم على العيش إلى جانب دول المنطقة، مع رفض الخضوع للضغوط الخارجية.

 

المفاوضات مع واشنطن.. الدفاع عن مذكرة التفاهم

دافع بزشكيان بقوة عن المسار التفاوضي مع الولايات المتحدة، رافضا الانتقادات الداخلية التي تعتبر الاتفاق أو مذكرة التفاهم فشلا أو تنازلا إيرانيا.

وقال إن إيران حققت، بحسب تقييمه، مكاسب مهمة خلال المفاوضات، وإنه لا يرى بندا يمكن الاستناد إليه للقول إن بلاده تخلت عن حقوقها.

كما نفى وجود خلاف جوهري بين الحكومة والقوات المسلحة والمؤسسات الأمنية بشأن المفاوضات، مؤكدا أن القرار اتخذ داخل المجلس الأعلى للأمن القومي، وأن المؤسسات العسكرية والأمنية أيدته.

وفي حديثه عن تفاصيل توقيع مذكرة التفاهم، أوضح أن الترتيبات السياسية تطورت وصولا إلى توقيعها على مستوى رئيسي الدولتين، لكنه أشار إلى أن بعض تفاصيل المفاوضات لا تزال سرية، وأن ما كشف عنه يمثل الجزء القابل للنشر منها.

وفي المحصلة، يقدم بزشكيان رؤيته لمرحلة ما بعد الحرب باعتبارها مرحلة اختبار لقدرة الدولة الإيرانية على الجمع بين الصمود الخارجي والإصلاح الداخلي. فالحكومة، وفقا لتصوره، مطالبة بمواجهة العقوبات والضغوط العسكرية، وفي الوقت نفسه بمعالجة الاختلالات الاقتصادية والطاقة والمصارف والتعليم والبنية التحتية.

وبينما يرفض بزشكيان منطق الحرب الدائمة، فإنه يربط أي تفاوض بامتلاك عناصر القوة، مؤكدا أن إيران لن تقبل اتفاقا يؤدي إلى تجريدها من قدراتها الدفاعية أو فرض إرادة خارجية عليها.

وفي المقابل، يضع الرئيس الإيراني تحسين العلاقات مع دول الجوار، وتعزيز الوحدة الداخلية، وتوسيع مشاركة المجتمع، والإصلاح الاقتصادي، في قلب استراتيجية حكومته لمواجهة المرحلة المقبلة، معتبرا أن قدرة إيران على تجاوز الضغوط لا تعتمد على القوة العسكرية وحدها، بل على تماسك المجتمع وكفاءة مؤسسات الدولة وقدرتها على إصلاح اقتصادها.


09/08/2026