×

  قضايا كردستانية

  البيشمركة.. جيش كردستان



*الباحث إيدو ليفي

معهد الشرق الأوسط (MEI)/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان

*مقدمة المترجم والمحرر:

 

نشر معهد الشرق الأوسط الأمريكي (Middle East Institute) بحثا تحليليا بعنوان «البيشمركة.. جيش كردستان» للباحث إيدو ليفي، الزميل المشارك في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، ومرشح الدكتوراه في كلية الخدمة الدولية بالجامعة الأمريكية، ومؤلف كتاب *جنود نهاية الأزمنة: تقييم الفعالية العسكرية لتنظيم الدولة الإسلامية*. وتتركز أبحاثه على العمليات العسكرية، ومكافحة الإرهاب، والجماعات الجهادية، مع اهتمام خاص بالشرق الأوسط وشرق أفريقيا.

ويتناول التقرير مكانة قوات البيشمركة بوصفها المؤسسة العسكرية الرئيسة لإقليم كردستان، مستعرضا تاريخها، وأداءها في مواجهة تنظيم داعش، ودورها في حماية الإقليم، كما يناقش التحديات التنظيمية والعسكرية التي تواجهها، ويؤكد أن بناء قوة عسكرية مهنية وموحدة يمثل شرطا أساسيا للحفاظ على أمن الإقليم وتعزيز قدراته الدفاعية.

وقد استند الباحث إلى عدد كبير من المصادر والمراجع والمقابلات مع مسؤولين عسكريين وخبراء أمنيين إلا أنه،(( برأي المترجم والمحرر))، اعتمد بصورة أكبر على شخصيات ومصادر من الحزب الديمقراطي الكردستاني، في مقابل غياب الاستناد إلى قادة وشخصيات من الاتحاد الوطني الكردستاني، الأمر الذي كان من شأنه أن يمنح الدراسة مزيدا من التوازن والانبهار ويقدم صورة أكثر اكتمالا،فقد سطر بيشمركة الاتحاد الوطني صفحات بطولية نادرة على مستوى العراق في الحرب ضد الإرهاب، وكان لهم دور بارز في حماية إقليم كردستان، ولا سيما في التوجه نحو تحرير مخمور والإسهام في حماية أربيل أثناء الهجوم الذي شنه تنظيم داعش عام 2014.

وانطلاقا من أهمية هذا البحث، ولإثراء النقاش حول مستقبل قوات البيشمركة، قررنا تخصيص هذا العدد لنشر هذه الدراسة، وإرفاقها ببحث آخر صادر عن المعهد نفسه بعنوان «مستقبل البيشمركة في ظل تحديات وآفاق متقلبة لإقليم كردستان» للباحث وينثروب رودجرز (سبتمبر/أيلول 2023).

ويركز هذا البحث على مسار إصلاح قوات البيشمركة منذ انطلاق برنامج الإصلاح عام 2017، والعقبات السياسية والمؤسسية التي تعيق توحيدها، وتأثير الخلافات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني على نجاح المشروع، كما يحذر من أن استمرار هذه الانقسامات قد ينعكس سلبا على الدعم الدولي المقدم للإقليم ولعملية إصلاح البيشمركة. 

ورغم اختلاف زاوية المعالجة بين الدراستين، فإنهما تلتقيان عند خلاصة واحدة، مفادها أن توحيد قوات البيشمركة ضمن مؤسسة عسكرية وطنية مهنية، بعيدة عن الانقسام الحزبي، يمثل الضمانة الأساسية لتعزيز قدراتها الدفاعية، واستمرار دورها في حماية إقليم كردستان، ومواجهة التهديدات الإرهابية، والحفاظ على ثقة ودعم الشركاء الدوليين. 

المرصد

محمد شيخ عثمان

 

 

 

البيشمركة.. جيش كردستان

"6 آب/أغسطس 2026"

 الملخص...

تبقى قوات البيشمركة العراقية، وهي الجناح العسكري لحكومة إقليم كردستان العراق، واحدة من أهم شركاء الولايات المتحدة في مجال الدفاع في منطقة الشرق الأوسط.

وتقدم هذه الدراسة تقييما معمقا للفعالية القتالية لقوات البيشمركة، ولا سيما في ضوء تجربتها خلال الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية، وكذلك مواجهتها اللاحقة مع الجيش العراقي والميليشيات المدعومة من إيران.

واستنادا إلى أبحاث سابقة وأكثر من عشرين مقابلة مع ضباط في قوات البيشمركة، وضباط في الجيش الأمريكي، وخبراء متخصصين في هذا المجال، تتضمن هذه الدراسة توصيات مفصلة بشأن السياسات، إلى جانب مناقشة تداعيات هذه التوصيات وانعكاساتها.

 

المحتويات

- الملخص التنفيذي

- جيش كردستان: البيشمركة العراقية بعد عام 2014 والسياسة الأمريكية

- لمحة موجزة عن تاريخ البيشمركة

- مؤسسية البيشمركة وهيكليتها

- ملاحظة حول تأثير الجغرافيا السياسية

- حرب البيشمركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية

- الهجوم العراقي في تشرين الأول/أكتوبر 2017

- عناصر الفعالية العسكرية للبيشمركة

- التقييم العام

- التداعيات بالنسبة إلى السياسة الأمريكية

- الخلاصة

- عن المؤلف

- شكر وتقدير

 

# الملخص التنفيذي

كانت قوات البيشمركة العراقية، وهي الذراع العسكرية لحكومة إقليم كردستان العراق، واحدة من أهم الشركاء الدفاعيين للولايات المتحدة في الشرق الأوسط، إذ تعود العلاقة الأمنية بين الجانبين إلى عام 1991.

غير أن ولاء قوات البيشمركة لا يزال منقسما بصورة حادة بين الحزبين السياسيين الرئيسيين في إقليم كردستان، وهما الحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP) والاتحاد الوطني الكردستاني (PUK)، إذ يحتفظ كل منهما بقيادة حزبية على وحداته، الأمر الذي يعرقل العمليات ويحد من فعاليتها.

وتقيّم هذه الدراسة الفعالية القتالية لقوات البيشمركة، مع التركيز على تجربتها خلال الفترة 2014-2017 في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (ISIS)، وكذلك مواجهتها اللاحقة مع الجيش العراقي والميليشيات المدعومة من إيران.

ومن شأن فهم أفضل لنقاط قوة البيشمركة ونقاط ضعفها أن يساعد في توجيه التعاون الأمريكي ـ الكردستاني خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الرغم من بعض الهزائم البارزة، أثبتت قوات البيشمركة، عموما، أنها قوة قتالية قادرة على التكيف وذات كفاءة، وشريكا أمريكيا فعالا وموثوقا.

وفي المرحلة المقبلة، وفي حال توافرت الظروف السياسية الملائمة، ينبغي للولايات المتحدة أن تعطي الأولوية لتعزيز قوات البيشمركة بما يمكنها من تأمين حدود إقليم كردستان في مواجهة التهديدات العسكرية التقليدية المستقبلية، والحد من قدرة إيران على العمل داخل أراضي الإقليم، ومواصلة مكافحة الجماعات الإرهابية.

ولهذا الغرض، ينبغي للولايات المتحدة أن تدفع باتجاه ترسيخ تعريف أكثر وضوحا لقوات البيشمركة باعتبارها القوة الرئيسية المسؤولة عن حماية حدود إقليم كردستان.

 وينبغي أن يتضمن هذا الجهد توفير أسلحة أثقل للبيشمركة وتطوير قدراتها في مجال الدفاع الجوي، على أن يركز الأخير بصورة خاصة على مواجهة التهديدات القادمة من إيران.

وفي الوقت نفسه، ينبغي أن تكون أي ترقية للعلاقة بين الولايات المتحدة وحكومة إقليم كردستان مشروطة بإحراز تقدم حقيقي في إصلاح قوات البيشمركة، وبالجهود الرامية إلى توحيد القيادة والسيطرة تحت مظلة وزارة شؤون البيشمركة التابعة لحكومة إقليم كردستان، باعتبارها مؤسسة رسمية غير حزبية، بدلا من بقاء القيادة منقسمة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.

وعلى الرغم من مرور سنوات على التأكيد المتكرر على أهمية الإصلاح، فإن حكومة إقليم كردستان لم تحقق سوى تقدم محدود فعليا في هذا المجال.

كما أن تعميق انخراط الولايات المتحدة مع حكومة إقليم كردستان سيحتاج إلى أن يأخذ في الحسبان، بحساسية، هواجس حليفة الولايات المتحدة، تركيا، وكذلك الحكومة العراقية في بغداد.

وستكون الحجة الداعية إلى تطوير هذه الشراكة أقوى بكثير إذا واصلت بغداد إيواء الميليشيات المدعومة من إيران، بما في ذلك التنظيمات الإرهابية، وإذا واصلت، بصورة عامة، العمل ضد المصالح الأمريكية من خلال علاقاتها الوثيقة مع طهران.

وسيقتضي الانخراط الأمريكي الأعمق في عملية الإصلاح أيضا الإصرار على أن يكون للولايات المتحدة رأي في القضايا الحساسة المتعلقة بشؤون الأفراد، بما يضمن ترقية القادة على أساس الكفاءة والاستحقاق، وألا يكون ولاؤهم لرؤساء الأحزاب.

وإذا حققت قوات البيشمركة تقدما أكثر قوة في عملية الإصلاح عقب هذا الانخراط الأمريكي الأعمق، فيمكن للولايات المتحدة مكافأتها من خلال توفير نقل مباشر للأسلحة، بما في ذلك طائرات مسيرة صغيرة للاستطلاع، وصواريخ مضادة للدبابات، وأنظمة دفاع جوي، ومركبات قتالية مدرعة.

وستحتاج قوات البيشمركة إلى جميع هذه المعدات للاضطلاع بدور الدفاع عن أراضي الإقليم، مع الحفاظ في الوقت نفسه على قدراتها في مجال مكافحة الإرهاب.

وبشرط التحقق من أنظمة الدفع الإلكتروني، يمكن للولايات المتحدة أيضا أن تستأنف تقديم المخصصات المالية الخاصة برواتب قوات البيشمركة.

 

 جيش كردستان: البيشمركة العراقية بعد عام 2014 والسياسة الأمريكية

تعد قوات البيشمركة العراقية، وهي الذراع العسكرية لحكومة إقليم كردستان العراق، واحدة من أهم الشركاء الدفاعيين للولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وبعلاقة أمنية تعود إلى عام 1991، شاركت قوات البيشمركة بصورة وثيقة في جهود الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب، وفي الحملة العسكرية الكبرى التي جرت بين عامي 2014 و2017 لتجريد الجماعة الجهادية «الدولة الإسلامية» (IS) من الأراضي التي كانت تسيطر عليها في العراق.

لطالما كان إقليم كردستان العراق منطقة تحظى فيها القوات الأمريكية بترحيب كبير، وتتمتع فيها بإمكانية إنشاء القواعد، فضلا عن علاقات قوية مع الأجهزة الأمنية المحلية.

غير أن ولاء قوات البيشمركة لا يزال منقسما بصورة حادة بين الحزبين السياسيين الرئيسيين في حكومة إقليم كردستان، وهما الحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP) والاتحاد الوطني الكردستاني (PUK)، إذ يحتفظ كل منهما بقيادة حزبية على وحداته، الأمر الذي يعرقل العمليات.

وتقدم هذه الدراسة تقييما معمقا للفعالية القتالية لقوات البيشمركة، ولا سيما بالنظر إلى تجربتها في الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، ومواجهتها اللاحقة مع الجيش العراقي والميليشيات المدعومة من إيران.

ويتمثل هدف هذا التقييم في تحقيق فهم أفضل لنقاط قوة البيشمركة ونقاط ضعفها، بما يسلط الضوء على احتياجاتها المستقبلية ومجالات التعاون المحتملة بين الولايات المتحدة وحكومة إقليم كردستان خلال المرحلة المقبلة.

واستنادا إلى أبحاث سابقة وأكثر من عشرين مقابلة مع ضباط في قوات البيشمركة، وضباط في الجيش الأمريكي، وخبراء متخصصين في هذا المجال، تتضمن هذه الدراسة توصيات مفصلة بشأن السياسات، إلى جانب مناقشة تداعياتها وانعكاساتها.

 

لمحة موجزة عن تاريخ البيشمركة

 

البيشمركة ما قبل تأسيس حكومة إقليم كردستان

البيشمركة، وهي كلمة كردية تعني «أولئك الذين يواجهون الموت»، هي القوة العسكرية لإقليم كردستان العراق، الذي يضم محافظات دهوك وأربيل والسليمانية، ويخضع لإدارة حكومة إقليم كردستان المتمتعة بالحكم الذاتي.

وتعود أصول قوات البيشمركة إلى تنظيم سوفييتي الدعم تأسس عام 1946، وكان يضم 1200 مقاتل عشائري تحت قيادة الملا مصطفى بارزاني، وأنشئ ليكون جيش جمهورية مهاباد الكردية التي كانت قد أعلنت استقلالها حديثا.

وقد قاتل رجال بارزاني القوات الإيرانية التابعة لحكم البهلوي بكفاءة، لكن الاتحاد السوفييتي أوقف دعمه بعد وقت قصير من تأسيس الجمهورية في كانون الثاني/يناير 1946، الأمر الذي مكّن طهران من القضاء على جمهورية مهاباد وإعادة إخضاع الأراضي الكردية التي كانت قد خرجت عن سيطرتها بحلول نهاية العام نفسه.

وفر بارزاني عائدا إلى موطنه الأصلي في المنطقة الكردية العراقية المجاورة، وسعى إلى إنشاء كيان كردي «وطني» يتجاوز الهوية العشائرية، وأسس الحزب الديمقراطي الكردستاني لتحقيق هذا الهدف.

وبدأت قوات الحزب الديمقراطي الكردستاني، رغم استياء بعض العشائر الكردية التي استبعدها بارزاني واضطهدها، وكذلك الحكومة العراقية، عملية طويلة ومستمرة لإنشاء وحدات قتالية رسمية أصبحت تعرف لاحقا باسم البيشمركة.

وأصبح أبرز شخصيتين في الجناح اليساري المهم داخل الحزب الديمقراطي الكردستاني، جلال طالباني وإبراهيم أحمد، أبرز معارضي بارزاني، قبل أن ينفصلا لاحقا ويؤسسا الاتحاد الوطني الكردستاني عام 1975 .

وحتى الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، راكمت قوات البيشمركة سجلا قتاليا من خلال مواجهاتها، سواء فيما بينها أو ضد النظام العراقي القائم في كل مرحلة.

وأطلق بارزاني أول انتفاضة كردية كبرى عام 1961، المعروفة باسم «الثورة الكردية الأولى»، بعد أن أصدر الدكتاتور العراقي عبد الكريم قاسم عددا من المراسيم المناهضة للكرد.

وبحلول نهاية الأسبوعين الأولين من الحرب، بلغ عدد قوات بارزاني 5000 مقاتل متفرغ، إضافة إلى ما بين 5000 و15000 مقاتل بدوام جزئي، وكانت قد سيطرت على معظم مناطق كردستان العراق، مع تدفق الكرد للانضمام إلى الانتفاضة، وانشقاق آخرين من جيش قاسم وانضمامهم إليها.

غير أن الكرد لم يكونوا مستعدين لعمليات الدفاع عن الأراضي، ولذلك تمكن الهجوم المضاد الذي شنه قاسم لاحقا من دفع قوات بارزاني إلى جبال كردستان العراق، لتجنب التقدم البطيء للقوات الحكومية المقيدة بالطرق.

وبعد انقلاب حزب البعث العراقي عام 1963، قرر النظام الجديد شن هجوم آخر على امتداد الجبهة الكردية بأكملها، باستخدام ثلاث وحدات بحجم فرق عسكرية، لكنه لم يتمكن من كسر سيطرة بارزاني.

وتعثرت القوات الحكومية في مضيق رواندوز، ولم تتمكن من تأمين الطريق بين كركوك والسليمانية، في وقت تلقى فيه الكرد إمدادات من إخوانهم في تركيا وإيران.

وبعد انقلابين آخرين في بغداد، وعبر أربع عمليات هجومية عراقية كبرى أخرى، تمكنت قوات بارزاني من الصمود، وصد هجمات الحكومة، وأصبحت أكثر خبرة في نصب الكمائن للقوات المتقدمة وخطوط الإمداد، بل وشن هجمات مضادة للسيطرة على مدن استراتيجية.

وفي واحدة من أكثر الحوادث كارثية، خلال هجوم أيار/مايو 1966، أقامت القوات العراقية المتقدمة معسكرا بين جبل زوزك وجبل هندرين، الأمر الذي أتاح لبارزاني فرصة الانقضاض عليها، فقتل 2000 من أفرادها، وأسر عددا كبيرا منهم، وأنهى الهجوم فعليا.

وبحلول أوائل عام 1970، رضخت الحكومة العراقية ووافقت على منح إقليم كردستان حكما ذاتيا.

وهكذا انتهت الحرب الأولى للبيشمركة بنتيجة إيجابية، وأثبتت أنها تجيد العمليات العسكرية القائمة على حرب العصابات، إلى جانب تنفيذ عمليات تقليدية محدودة للسيطرة على الأراضي والاحتفاظ بها.

وبسبب عدم ثقة بارزاني في أن الحكومة العراقية، التي كانت قد أصبحت تحت حكم صدام حسين، ستلتزم بالتنازلات التي قدمتها عام 1970، أطلق انتفاضة أخرى عام 1974، عرفت باسم «الحرب الكردية الثانية».

وبحلول ذلك الوقت، كانت قوات البيشمركة قد توسعت لتضم ما بين 50 ألفا و60 ألف مقاتل، وكان بارزاني قد أقام علاقات مع إيران، التي كانت عدوا سابقا، والولايات المتحدة وإسرائيل، بهدف الحصول على معدات أفضل وإعداد قواته لخوض حرب أكثر تقليدية.

لكن الهجوم الكردي سرعان ما وصل إلى طريق مسدود، إذ افتقرت قوات البيشمركة إلى الأسلحة الثقيلة اللازمة لاختراق المواقع العسكرية المحصنة.

ورد صدام بلا رحمة، معتمدا على القوة النارية الثقيلة لسحق المدافعين من قوات البيشمركة، الذين حاولوا هذه المرة التمسك بمواقعهم بدلا من الانسحاب إلى الجبال.

وتمكنت إيران مؤقتا من تغيير مسار المعركة من خلال زيادة دعمها للكرد، بل وأرسلت قوات مزودة بأسلحة مضادة للطائرات وأسلحة ثقيلة لتحقيق قدر من التكافؤ في ميزان القوى.

لكن صدام قلب المعادلة مرة أخرى من خلال الإنجاز الدبلوماسي الذي حققه بإبرام اتفاق الجزائر مع إيران في آذار/مارس 1975، حيث أقنع الشاه بوقف دعمه للكرد مقابل تقديم تنازلات إقليمية.

وانسحبت القوات الإيرانية بصورة مفاجئة، الأمر الذي أصاب الكرد بالذهول، وسرعان ما انهارت قواتهم أمام الهجوم المتجدد الذي شنه النظام العراقي.

وكانت النتيجة كارثية بالنسبة إلى الكرد؛ إذ استسلم 70% من قوات البيشمركة، فيما فر 30 ألف مقاتل آخر إلى إيران، برفقة 200 ألف لاجئ، في الوقت الذي بدأ فيه صدام حملة واسعة النطاق من المجازر وإعادة التوطين القسري للسكان الكرد.

وعندما اندلعت الحرب الإيرانية ـ العراقية عام 1980، كان الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني لا يزالان يتعافيان من هزيمتهما الصادمة قبل خمس سنوات.

ورأى الحزبان أن اندلاع الحرب قد يكون مفيدا لهما، لكنهما كانا يتذكران خيانة طهران لهما، ولذلك بقيا حذرين من الثورة الإسلامية الجديدة، ولا سيما أن معظم الكرد من السنة، وغالبا ما يتسمون أيضا بالعلمانية، في حين كان آية الله روح الله الخميني يتبنى أيديولوجية شيعية راديكالية.

وبحلول عام 1983، قرر الكرد الانحياز إلى إيران في محاولة لاستعادة السيطرة على أراضيهم.

ونفذوا عمليات حرب عصابات ضد المواقع العسكرية العراقية، وقدموا للقوات الإيرانية المساعدة في مجال الخدمات اللوجستية والإرشاد عبر التضاريس التي لم تكن مألوفة لها، وشاركوا أحيانا في العمليات الإيرانية.

فعلى سبيل المثال، اعتمدت الوحدات الإيرانية على تعاون مقاتلي حرب العصابات الكرد خلال حملة «والفجر 2» عام 1983، لاحتلال المرتفعات المحيطة بحاج عمران.

وفي عام 1987، نفذ الاتحاد الوطني الكردستاني عمليات تخريب استهدفت أهدافا عسكرية عراقية، من بينها محطة الرادار في أربيل، دعما لهجوم إيراني آخر.

وأصيب صدام بالغضب بسبب الانتفاضة الكردية، وضاعف من فظائعه بحق السكان الكرد في العراق، والتي بلغت ذروتها في حملة الأنفال سيئة الصيت عام 1988.

وشهدت حملة الأنفال استخدام العراق للأسلحة الكيميائية ضد المناطق المدنية، ولا سيما في حلبجة، وأسفرت، وفقا لدراسة أجرتها منظمة «هيومن رايتس ووتش»، عن مقتل ما بين 50 ألفا و100 ألف شخص.

وفي هذه المرحلة، عادت قوات البيشمركة إلى جذورها في حرب العصابات، لكنها، بتخليها عن الدفاع عن الأراضي، لم تعد قادرة على حماية السكان المدنيين من فظائع صدام.

 

تأسيس حكومة إقليم كردستان والصراع الكردي ـ الكردي

بعد حرب الخليج عام 1991، عادت قوات البيشمركة إلى الانتفاضة، فيما عرف باسم «راپەرین» (الانتفاضة)، في إطار ائتلاف من ثمانية أحزاب حمل اسم «الجبهة الكردستانية العراقية»، وتمكنت من السيطرة على كركوك.

وسرعان ما تمكنت القوات الحكومية من صد المتمردين، إلا أن تدخل 7 آلاف جندي أمريكي، إلى جانب وحدات من فرنسا والمملكة المتحدة وهولندا، لإنشاء «منطقة آمنة» وفرض منطقة حظر جوي فوق كردستان العراق، أدى إلى انسحاب قوات صدام.

وللمرة الأولى، حصل الإقليم على استقلال فعلي بحكم الأمر الواقع، وأنشئت حكومة إقليم كردستان عام 1992، واتخذت من أربيل عاصمة لها.

لكن الحزبين المهيمنين في الإقليم كانا منقسمين بصورة عميقة، وسرعان ما ظهرت خلافاتهما، التي تعود إلى عقود، إلى السطح بعد هزيمة عدوهما الخارجي المشترك.

وجاء تأسيس حكومة إقليم كردستان في ظل ترتيبات هشة لتقاسم السلطة بنسبة 50-50 بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، لكنها انهارت في أيار/مايو 1994، عندما اندلع القتال بين الجانبين حول مجموعة من القضايا.

وفي البداية، بادر الاتحاد الوطني الكردستاني إلى الهجوم، وتمكن بحلول عام 1995، من السيطرة على نحو ثلثي الإقليم، بما في ذلك أربيل.

وبعد أن لجأ الحزب الديمقراطي الكردستاني إلى واشنطن طلبا للمساعدة ولم يحصل عليها، رد في العام التالي بالاستعانة بصدام حسين في 31/اب/1996، الذي قدم 40 ألف جندي و450 دبابة للمساعدة في السيطرة على أربيل.

ونجح الاتحاد الوطني الكردستاني في شن هجوم مضاد عام 1997، حال دون تمكن الحزب الديمقراطي الكردستاني من اجتياح عاصمته السليمانية، وأعاد إلى حد كبير الوضع الذي كان قائما عام 1995.

وعند تلك النقطة، تدخلت الولايات المتحدة أخيرا لوقف القتال من خلال «اتفاق واشنطن» عام 1998، في محاولة لتوحيد الكرد وإعادة توجيههم لدعم الهدف الأمريكي المتمثل في إسقاط صدام حسين، بعد أن كان قد طرد مفتشي الأسلحة التابعين للأمم المتحدة.

وأسفرت الحرب الداخلية عن مقتل ما لا يقل عن 5 آلاف شخص.

 

 مؤسسية البيشمركة وهيكليتها

أطاح الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 بصدام حسين، الذي كان يمثل أكبر تهديد لحكومة إقليم كردستان، وساهم في تعزيز العلاقات بين أربيل وواشنطن.

واستخدمت «قوة المهام فايكنغ» (Task Force Viking)، وهي قوة كبيرة من القوات الخاصة الأمريكية شاركت في الغزو، إقليم كردستان قاعدة لعملياتها، وتعاونت مع قوات البيشمركة.

ومع ظهور تمرد عراقي عقب سقوط صدام، وتزايد الدور الذي بدأت الجماعات الجهادية تلعبه ضمن هذا التمرد، برز إقليم كردستان العراق باعتباره منطقة تتمتع بدرجة عالية من الاستقرار.

وأثبتت قوات البيشمركة والأجهزة الأمنية الداخلية التابعة لحكومة إقليم كردستان فاعلية في قمع الجماعة الجهادية الكردية «أنصار الإسلام».

وبدأ إقليم كردستان العراق يؤدي دور قاعدة مهمة للقوات الأمريكية، فيما أصبحت قوات البيشمركة شريكا بارزا في مكافحة الإرهاب.

ومنح الدستور العراقي الحالي، الذي اعتمد عام 2005، الشرعية لحكومة إقليم كردستان وقوات البيشمركة، من خلال الاعتراف بـ«إقليم كردستان، مع سلطاته القائمة، إقليما اتحاديا» في المادة 117، والإقرار بحقه في إدارة «قوات الأمن الداخلي للإقليم، مثل الشرطة وقوات الأمن وحرس الإقليم» في المادة 121.

وعلى الرغم من أن رئيس حكومة إقليم كردستان هو القائد العام الرسمي لقوات البيشمركة، فإن القيادة لا تزال حزبية، إذ يحتفظ الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني بقواتهما الخاصة، المعروفة باسم «الوحدة 80» و«الوحدة 70» على التوالي.

ومن المقرر أن يجري، بحلول أيلول/سبتمبر 2026، استيعاب هذه القوات رسميا ضمن وزارة شؤون البيشمركة التابعة لحكومة إقليم كردستان، باعتبارها «ألوية الحرس الإقليمي» RGBs).]

ويبلغ عدد ألوية الحرس الإقليمي حاليا 28 لواء على الأقل.

وقد قامت سلسلة من القوانين التي أصدرتها الجمعية الوطنية الكردستانية عام 2007، والتي أصبحت تسمى الآن برلمان إقليم كردستان، بتقنين وضع قوات البيشمركة باعتبارها «حرس الإقليم»، كما حددت بعض مسؤولياتها وواجباتها، فضلا عن شروط الخدمة والتقاعد.

وينص الموقع الرسمي لحكومة إقليم كردستان على أن وزارة شؤون البيشمركة «مسؤولة عن حماية حدود إقليم كردستان وأراضيه وسيادته، وضمان أمن وحرية مواطني كردستان».

وإلى جانب وزارة شؤون البيشمركة، يتولى «مجلس أمن إقليم كردستان» (KRSC) القيادة الرسمية لقوات إنفاذ القانون والاستخبارات ومكافحة الإرهاب في الإقليم، لكنه من الناحية العملية منقسم أيضا على أساس حزبي، وربما بدرجة أكبر مما هي عليه ألوية البيشمركة.

 

ويشار إلى هذه القوات أحيانا أيضا باسم قوات البيشمركة:

* "وكالة إنفاذ القانون:" قوات الأسايش، وتتبع رسميا لمجلس أمن إقليم كردستان .

* "أجهزة الاستخبارات:" جهاز الباراستن التابع للحزب الديمقراطي الكردستاني، وجهاز الزانياري التابع للاتحاد الوطني الكردستاني، ويتبعان رسميا لمجلس أمن إقليم كردستان.

* "قوات الدرك/القوات شبه العسكرية:" قوات الزيرفاني التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني، وقوات الاستجابة الطارئة (ERF) التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني، وتتبع رسميا لوزارة الداخلية في حكومة إقليم كردستان.

* "قوات مكافحة الإرهاب:" مديرية مكافحة الإرهاب (CTD) التابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني، ومجموعة مكافحة الإرهاب (CTG) التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني، وتتبعان رسميا لمجلس أمن إقليم كردستان.

وعلى الرغم من أن تسمية «ألوية الحرس الإقليمي» (RGB) ووضعها الدستوري قد يوحيان بأن قوات البيشمركة أشبه بحرس وطني تابع لبغداد، فإن عقيدتها ووظائفها تعكسان واقعها كجيش شبه تابع لدولة، يسعى إلى امتلاك القدرات نفسها التي تتمتع بها أي قوة عسكرية تقليدية أخرى.

وكما سيجري توضيحه لاحقا، ينبغي للولايات المتحدة وحكومة إقليم كردستان أن تتعاملا مع هذا الواقع من خلال تحديد دور قوات البيشمركة ومهمتها بصورة أكثر وضوحا، بما يتيح تعاونا أكثر فاعلية، ويوضح طبيعة الدعم الأمريكي للتطوير المستقبلي لهذه القوة.

وتنظم قوات البيشمركة وفق نموذج يرتكز على الألوية، ضمن ثمانية قطاعات للقيادة تغطي أراضي إقليم كردستان.

وقد ترسخت هذه البنية عام 2014 لتنظيم القوات على امتداد خط المواجهة مع تنظيم «الدولة الإسلامية»، لتحل محل هيكلية القيادة الإقليمية والوظيفية التي كانت قائمة في السابق.

ويضم كل قطاع عدة ألوية، وقد يحتوي على وحدات تابعة لقوى مختلفة، وهي ألوية الحرس الإقليمي (RGB)، والوحدة 70، والوحدة 80، وقوات الزيرفاني، وقوات الاستجابة الطارئة (ERF)، وذلك تحت السلطة الرسمية لقائد القطاع.

ويتولى قادة القطاعات التنسيق بصورة متكررة مع قادة الألوية، الذين يمتلك كل منهم طواقم ومديريات خاصة به.

أما ضمن القوات التابعة لوزارة شؤون البيشمركة، فتنظم الوحدات مع بذل جهد متعمد لدمج عناصر من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، بحيث تقضي القاعدة المتبعة بأن يكون لضباط أحد الحزبين نواب من الحزب الآخر.

ومع ذلك، تظل السياسة الكردية حاضرة بقوة في التنظيم العسكري، كما تتطابق قيادات القطاعات وتركيبتها إلى حد كبير مع مناطق سيطرة كل حزب.

وعليه، يهيمن ضباط الاتحاد الوطني الكردستاني على القطاعات من الأول إلى الرابع، التي تقع في محافظة السليمانية، في حين يهيمن ضباط الحزب الديمقراطي الكردستاني على القطاعات من الخامس إلى الثامن، الواقعة في محافظتي أربيل ودهوك.

أما مدينة كركوك المتنازع عليها والغنية بالنفط، فقد قسمت بين القطاعين الرابع والخامس، رغم أنها تخضع لسيطرة الحكومة العراقية منذ تشرين الأول/أكتوبر 2017.

ومع استيعاب وزارة شؤون البيشمركة مزيدا من الوحدات الحزبية، من المفترض أن تصبح قيادات الفرق التي يجري تشكيلها حديثا أكثر مركزية في تنظيم المؤسسة العسكرية.

كما توجد وحدتان من «قوات الإسناد»، إحداهما تابعة للحزب الديمقراطي الكردستاني والأخرى للاتحاد الوطني الكردستاني، وتتوليان مسؤولية الأسلحة الثقيلة لقوات البيشمركة، بما في ذلك الدبابات وقطع المدفعية والمركبات المدرعة.

 

قوام قوات البيشمركة وتسليحها

رغم صعوبة تقدير أعداد القوات، فإن كل لواء يضم عادة ما بين 2000 و3000 مقاتل، مع احتمال وجود تفاوت كبير في الأعداد.

ويقدر سردار عزيز وأندرو كوتي العدد الإجمالي لأفراد قوات البيشمركة بما يتراوح بين 190 ألفا و250 ألفا. وقدر أحد الضباط العدد بصورة أعلى بكثير، إذ قال إنه قد يصل إلى 350 ألفا.

وأشار تقرير نشرته هيئة البث الكردية «روداو» عام 2017، في ذروة تعبئة قوات البيشمركة للحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، إلى أن العدد الإجمالي يبلغ 150 ألفا، من بينهم 42 ألفا ضمن وزارة شؤون البيشمركة، و58 ألفا لكل من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.

وكان ذلك يعني وجود ما يصل إلى 60 لواء حزبيا، إلى جانب ألوية الحرس الإقليمي الـ18 الموجودة آنذاك، مع الأخذ في الاعتبار أن جميع هذه الوحدات ليست ألوية قتالية.

ومنذ ذلك الحين، جرت جهود لإحالة الأعضاء الأكبر سنا إلى التقاعد ودمج الألوية الحزبية بهدف تشكيل ألوية جديدة ضمن ألوية الحرس الإقليمي، وهو ما يرجح أنه أدى إلى انخفاض قوام القوات، بما يتماشى مع أهداف إصلاح قوات البيشمركة الذي بدأ عام 2015 بهدف توحيد الوحدات العسكرية التابعة لحكومة إقليم كردستان بصورة كاملة.فعلى سبيل المثال، قدر أحد الضباط أن اللواء الثالث من ألوية الحرس الإقليمي، الذي يبلغ قوامه المعتمد «3040» فردا، كان يضم في ذروة الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» 2800 مقاتل، ثم انخفض العدد خلال الحرب إلى 2300 مقاتل، ويبلغ حاليا نحو 2000 مقاتل.

كما أن انخفاضا كبيرا في قوام القوات سيكون متوافقا أيضا مع تقييم مايكل نايتس وأليكس ألميدا عام 2021، الذي خلص إلى أن قوات البيشمركة تضم 54 «معادلا للواء» و56 ألف فرد جاهز للقتال.

 

التسليح والمعدات

من حيث المعدات، فقوات البيشمركة هي في الغالب قوة مشاة خفيفة مسلحة بالأسلحة الصغيرة والخفيفة، بما في ذلك بنادق الاقتحام الشائعة، وفي مقدمتها بنادق AK-47 وM16، والقنابل الصاروخية (RPG)، والرشاشات الخفيفة، وقذائف الهاون الخفيفة.

ولأغراض الحركة والتنقل، تعد «التكنيكال»، أي شاحنات البيك أب المزودة برشاشات ثقيلة مثبتة عليها، الأكثر شيوعا، رغم أن حكومة إقليم كردستان تمتلك أيضا مركبات «همفي» وناقلات جند مدرعة، تتولى قوات الإسناد وبعض الألوية الأفضل تجهيزا صيانتها.

وأصبحت الأسلحة المضادة للدروع، وعلى رأسها منظومة صواريخ «ميلان» الموجهة المضادة للدبابات (ATGM)، جزءا مهما من ترسانة قوات البيشمركة.

كما تمتلك قوات الإسناد دبابات وقطع مدفعية، معظمها من الطرازات السوفييتية التي استولت عليها القوات الكردية من الجيش العراقي على مر السنين، وإن كانت بأعداد محدودة، كما أنه من غير الواضح عدد هذه المعدات التي تكون في حالة تشغيلية في أي وقت.

وكما ستتم مناقشته أدناه، ينبغي أن يركز تعزيز العلاقة بين الولايات المتحدة وحكومة إقليم كردستان على وضع هذه القوات المختلفة تحت قيادة موحدة، وتعزيز قدراتها، ولا سيما في مجال الأسلحة الثقيلة.

وقد كان نقص الأسلحة الثقيلة وتشتت منظومة القيادة والسيطرة من العوامل التي أسهمت في بعض أكبر انتكاسات قوات البيشمركة خلال العقد الماضي.

 

ملاحظة حول تأثير الجغرافيا السياسية"الجيوبوليتيك"

هناك عامل مهم آخر بالنسبة إلى التعاون بين الولايات المتحدة وحكومة إقليم كردستان، وكذلك بالنسبة إلى وضع قوات البيشمركة، يتمثل في الجغرافيا السياسية الإقليمية، ولا سيما شبكة العلاقات التي تربط بين حكومة إقليم كردستان وبغداد والدول المجاورة والولايات المتحدة.

وتوجد أقليات كردية كبيرة في العراق وإيران وسوريا وتركيا، ولكل منها تاريخ من الاضطهاد على أيدي السلطات الحاكمة فيها، فضلا عن تاريخ من النضال من أجل تقرير المصير الكردي.

وتعدّ مسيرة التمرد الطويلة والعداء الذي يغذي حالة عدم الثقة المزمنة بين أربيل وبغداد إحدى صور هذه القصة، حتى وإن تعاون الجانبان في مواجهة التهديد المشترك المتمثل في تنظيم «الدولة الإسلامية».

وفي غياب ذلك التهديد الوجودي المشترك، كان الطرفان يدخلان بصورة منتظمة في مواجهات حادة، إذ تسعى بغداد إلى فرض سلطتها السيادية على الإقليم، بينما يكافح الكرد للحفاظ على حكمهم الذاتي.

ومع مواجهة الولايات المتحدة لعراق صدام حسين، أصبح الكرد العراقيون شريكا أقرب إلى واشنطن؛ وبعد الإطاحة بصدام، اضطرت الولايات المتحدة إلى العمل على تخفيف التوترات بين أربيل وبغداد، بالتزامن مع بناء عراق جديد.

 

تركيا لاعبا مهما آخر في شؤون حكومة إقليم كردستان

ومع تصاعد النفوذ الإيراني في بغداد، تقدم حكومة إقليم كردستان بديلا مفيدا للدفع بالمصالح الأمريكية قدما.

تعد تركيا لاعبا مهما آخر في شؤون حكومة إقليم كردستان. ونظرا إلى مخاوفها الكبيرة من النزعة الانفصالية الكردية داخل أراضيها، سعت تركيا إلى منع جيرانها من التحول إلى ملاذات آمنة للمسلحين الكرد، ولا سيما حزب العمال الكردستاني (PKK)، وهو التنظيم الماركسي الكردي التركي الذي يخوض صراعا مسلحا مع تركيا منذ ثمانينيات القرن الماضي.

وقد أقام الحزب الديمقراطي الكردستاني علاقات جيدة نسبيا مع تركيا، التي تتصل حدودها بالمناطق الخاضعة لهيمنة الحزب الديمقراطي الكردستاني داخل إقليم كردستان.

وكان الحفاظ على هذه العلاقات مهما لإدارة تدفقات النفط عبر خط أنابيب العراق ـ تركيا، الذي يعبر الحدود بين البلدين عند فيشخابور الخاضعة لسيطرة الحزب الديمقراطي الكردستاني، كما شكل توزيع عائدات النفط نقطة توتر في كل من الخلافات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، والتوترات بين أربيل وبغداد.

 

الحزب الديمقراطي و الوجود العسكري التركي الكبير

إضافة إلى ذلك، لا يعارض الحزب الديمقراطي الكردستاني الوجود العسكري التركي الكبير في شمال العراق، الذي يمتد على ما لا يقل عن 600 ميل مربع، أي ما يعادل 3.5% من أراضي إقليم كردستان، لمواجهة حزب العمال الكردستاني الذي يتخذ من المنطقة مقرا له منذ تسعينيات القرن الماضي.

وقد كان هذا ترتيبا ملائما لتركيا، التي تستطيع تقبل وجود حزب ديمقراطي كردستاني متعاون نسبيا على حدودها.

أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فتمثلت التحديات في تعزيز قوات البيشمركة لمحاربة الأعداء المشتركين في العراق، مع مراعاة موقف حليفتها تركيا من حكومة إقليم كردستان.

وفي الوقت نفسه، حافظ الاتحاد الوطني الكردستاني على علاقات مهمة مع إيران، ويرجع ذلك جزئيا إلى إدارة التجارة والأمن على الحدود الإيرانية ـ العراقية، التي تلامس المناطق الخاضعة لهيمنة الاتحاد الوطني الكردستاني.

وعلى غرار مساعي تركيا لمواجهة حزب العمال الكردستاني، استهدفت إيران الجماعات المسلحة الكردية الإيرانية المتمركزة في إقليم كردستان العراق، إلى حد كبير بموافقة الاتحاد الوطني الكردستاني.

كما حافظ الاتحاد الوطني الكردستاني على علاقات مع حزب العمال الكردستاني وفرعه السوري، وحدات حماية الشعب (YPG)، الأمر الذي أدى إلى تدهور علاقاته مع تركيا، وشكل أيضا نقطة توتر إضافية مع الحزب الديمقراطي الكردستاني، الذي اتخذ إجراءات ضد الاتحاد الوطني الكردستاني نتيجة لذلك.

وخلال الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، لم تواجه قوات البيشمركة في المناطق الخاضعة لهيمنة الاتحاد الوطني الكردستاني صعوبة كبيرة في التنسيق مع الميليشيات المدعومة من إيران للقتال ضد التنظيم، ويرجح أن ذلك يعود إلى أن الاتحاد الوطني الكردستاني كان يمتلك بالفعل علاقة عمل مع إيران منذ بداية الحرب.

وتشكل علاقات السليمانية ـ طهران معضلة بالنسبة إلى الولايات المتحدة، التي يتعين عليها العمل مع الحزبين معا، مع الحرص في الوقت نفسه على الحفاظ على مسافة عن إيران.

فعلى سبيل المثال، يجب تنفيذ عمليات نقل الأسلحة وتبادل المعلومات الاستخبارية مع الوحدات المرتبطة بالاتحاد الوطني الكردستاني بطريقة تحول دون استفادة إيران منها.

وفي الواقع، خلال الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، امتنعت الولايات المتحدة عن التعاون مع وحدات البيشمركة التي كانت تعمل بصورة علنية مع كوادر مدعومة من إيران.

وأخيرا، تستطيع سوريا أن تفعل أقل من تركيا أو إيران بمفردها، لكنها هي الأخرى لديها مخاوف بشأن الحكم الذاتي الكردي.

وفي ظل حكم الدكتاتور بشار الأسد، سعت سوريا إلى استخدام مختلف الفصائل الكردية ضد بعضها بعضا لإعاقة الحركات القومية في البلاد، لكن الحرب الأهلية السورية التي بدأت عام 2011 أتاحت إنشاء منطقة تتمتع بالحكم الذاتي في شمال شرقي سوريا تحت إدارة وحدات حماية الشعب.

وكانت وحدات حماية الشعب شريكا رئيسيا في الحرب التي قادتها الولايات المتحدة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» في سوريا، وحافظت على علاقة معقدة مع حكومة إقليم كردستان، إذ كان الحزب الديمقراطي الكردستاني غير ودود تجاهها، بينما حافظ الاتحاد الوطني الكردستاني على علاقات ودية معها.

ودخل مقاتلون مرتبطون بالاتحاد الوطني الكردستاني إلى سوريا لمساعدة وحدات حماية الشعب في جهودها ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» ولتنسيق الدعم الأمريكي، كما عبر بعض مقاتلي وحدات حماية الشعب إلى إقليم كردستان لمساعدة قوات البيشمركة.

ومنذ صعود الحكومة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع في كانون الأول/ديسمبر 2024، خفضت الولايات المتحدة علاقاتها مع وحدات حماية الشعب، وفي نيسان/أبريل 2026 انسحبت رسميا من سوريا.

وسعى الشرع إلى تشكيل دولة سورية مركزية لا تتسامح كثيرا مع الحركات المطالبة بالحكم الذاتي، وسيطر بالقوة على جزء كبير من الأراضي التي كانت خاضعة لوحدات حماية الشعب في أوائل عام 2026.

ولا يستطيع الشرع أن يفعل الكثير في العراق بمفرده، لكنه يسعى إلى الحفاظ على علاقاته مع الولايات المتحدة، التي أصبحت الآن شريكا مع حكومته في محاربة فلول تنظيم «الدولة الإسلامية» ومواجهة وكلاء إيران، كما ينظر بعين الريبة الشديدة إلى أي مؤشر على النزعة الانفصالية الكردية.

وعموما، تتموضع الفصائل الرئيسية في حكومة إقليم كردستان بين دولتين كبيرتين متنافستين، هما إيران وتركيا، ودمشق الحذرة، وبغداد المعادية، فيما يختلف الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني بشأن علاقاتهما مع هذه الأطراف المختلفة، مع استمرارهما في التعاون معها لمواجهة التهديد المشترك الذي يمثله تنظيم «الدولة الإسلامية».

ومن المهم أخذ هذه الديناميكيات في الاعتبار لفهم مسار الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، وتداعياتها، والعلاقات بين الولايات المتحدة وحكومة إقليم كردستان.

 

حرب البيشمركة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»

كان العقد الذي سبق الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» (ISIS) فترة من الهدوء النسبي الذي سبق العاصفة بالنسبة إلى حكومة إقليم كردستان، حتى في الوقت الذي كان فيه بقية العراق ينزلق إلى حرب أهلية دامية.

تشكلت فصائل مسلحة متعددة عقب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 والإطاحة بصدام حسين، وبرز تنظيم «القاعدة في العراق»، الذي أصبح سلفا لتنظيم «الدولة الإسلامية»، كأحد أبرز الفاعلين.

كما برز في هذه المرحلة «جيش المهدي» الإسلامي الشيعي، إلى جانب جماعات عراقية مدعومة من إيران، مثل «كتائب حزب الله» و«عصائب أهل الحق».

وتولت القوات الأمريكية القسم الأكبر من المعارك التي أعقبت ذلك، وخاضت معارك كبرى لطرد المتمردين من الفلوجة والموصل وبعقوبة والرمادي ومناطق أخرى، في الوقت الذي عملت فيه أيضا على إعادة بناء قوات الأمن العراقية (ISF) بصورة تكاد تبدأ من الصفر.

واستفادت الولايات المتحدة من التعبئة القبلية السنية المناهضة للجهاديين، التي أصبحت تعرف باسم «الصحوة» (Sahwa)، والتي بدأت عام 2005، لتطبق عام 2007 استراتيجية «زيادة القوات» الشهيرة، فنشرت 20 ألف جندي إضافي لتأمين بغداد، وتعزيز الانتفاضة القبلية، وتقديم مزيد من الدعم لقوات الأمن العراقية.

وانخفض عنف المتمردين بصورة حادة خلال الأشهر التالية، ووصل إلى أدنى مستوياته عام 2010.

وبالتوازي مع ذلك، بدأت واشنطن وبغداد عام 2008 مفاوضات بشأن انسحاب القوات الأمريكية من العراق، وأكمل الرئيس باراك أوباما عملية الانسحاب في كانون الأول/ديسمبر 2011.

ومع تراجع الحرب الأهلية بعد عام 2007، وجه رئيس الوزراء العراقي الطائفي نوري المالكي أنظاره نحو إعادة تأكيد هيمنة بغداد.

وبما أن حكومة إقليم كردستان كانت قد عملت ككيان مستقل بحكم الأمر الواقع منذ عام 1992، فلم تكن مستعدة للتنازل عن مكاسبها، الأمر الذي أدى إلى مواجهات واشتباكات عندما حاولت وحدات من الجيش العراقي العودة إلى شمال العراق.

ووصف أحد ضباط القوات الخاصة الأمريكية حادثة وقعت عام 2008، تمركز فيها مقاتلو الاتحاد الوطني الكردستاني بالقرب من خانقين لمنع وحدة من الجيش العراقي من الوصول إلى المدينة، ما استدعى تدخلا أمريكيا لإعادة الهدوء.

وبعد الانسحاب الأمريكي من العراق عام 2011، تحولت مثل هذه المواجهات إلى مناوشات.

وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2012، عندما تحركت القوات العراقية للسيطرة على طوز خورماتو، أوقف مقاتلو البيشمركة تقدمها، وذكر أحد التقارير أنهم ألحقوا بها خسائر، فيما هدد قائد البيشمركة محمود سنكاوي، الذي أصبح لاحقا قائد القطاع الأول، بالرد على قوات الجيش العراقي بالدبابات.

ولا تزال مثل هذه المواجهات تحدث من حين إلى آخر، وينبغي تناولها في المناقشات المستقبلية بشأن التعاون بين الولايات المتحدة وحكومة إقليم كردستان.

 

غزو تنظيم «الدولة الإسلامية» لإقليم كردستان العراق

على الرغم من تعرضه لضربات شديدة مع مغادرة القوات الأمريكية للعراق عام 2011، فإن التنظيم الجهادي الرئيسي في التمرد العراقي، «الدولة الإسلامية في العراق»، توارى عن الأنظار وسعى إلى إعادة بناء نفسه من خلال الانخراط في الحرب الأهلية التي كانت تتصاعد آنذاك في سوريا المجاورة.

وبحلول نهاية عام 2013، حقق التنظيم نجاحا لافتا، إذ استوعب جزءا كبيرا من المعارضة السورية لنظام الأسد، وسيطر على نصف الأراضي السورية، واستقطب أكثر من 40 ألف مقاتل أجنبي من أكثر من 110 دول.

وفي كانون الأول/ديسمبر، وسع تنظيم «الدولة الإسلامية» عملياته العسكرية إلى شمال العراق، وسقطت الفلوجة في أيدي الجهاديين في أوائل كانون الثاني/يناير 2014، مع اتساع نطاق القتال.

وسقطت مدن أخرى خلال الأشهر التالية، وفي حزيران/يونيو، احتل تنظيم «الدولة الإسلامية» الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، في مواجهة مقاومة محدودة للغاية من قوات الأمن العراقية، وأصبح على مقربة من أطراف بغداد.

وفي 29 حزيران/يونيو، أعلن زعيم تنظيم «الدولة الإسلامية» أبو بكر البغدادي استعادة «الخلافة» (الإمبراطورية الإسلامية التاريخية) من الجامع الكبير للنوري في الموصل، وأعلن نفسه خليفة لها.

وكانت وحدات قوات الأمن العراقية في شمال العراق قد تعرضت للإنهاك بسبب الفساد والطائفية، فانحل معظمها أمام هجمات تنظيم «الدولة الإسلامية»، ما فتح المجال في بعض المناطق المتنازع عليها بين حكومة إقليم كردستان وبغداد أمام قوات البيشمركة لتوسيع سيطرتها إلى ما وراء خط حدود إقليم كردستان الرسمي.

وفر بعض الوحدات ذات الغالبية الكردية داخل فرق الجيش العراقي المنهارة إلى إقليم كردستان العراق، من أجل «العودة» إلى صفوف البيشمركة.

وكان اللواءان 14 و16 من ألوية الحرس الإقليمي مؤلفين من وحدات من هذا النوع، واشتهرا بمركبات «همفي» وغيرها من المعدات التي قدمتها الولايات المتحدة وجلبتها تلك الوحدات معها، والتي كانت بحوزتهما بأعداد أكبر من تلك الموجودة لدى ألوية البيشمركة الأخرى.

في آب/أغسطس 2014، وبعد هجمات محدودة النطاق بدأت منذ حزيران/يونيو على الأقل، اتجه تنظيم «الدولة الإسلامية» شمالا وشن هجمات على مناطق متعددة عبر حدود إقليم كردستان. ورغم أن قوات البيشمركة كانت تتفوق على خصومها في بغداد، فإنها لم تكن مستعدة عندما هاجم تنظيم «الدولة الإسلامية» أراضي إقليم كردستان.

وفي الواقع، كانت قد مرت سنوات منذ اضطرت هذه القوات إلى خوض معركة حقيقية ضد خصم مصمم على القتال. وكما أشار المحلل العسكري كينيث بولاك، فقد استقرت القوة في نمط من العمل أقرب إلى «جيش حاميات/نقاط تفتيش»، وأصبح المقاتل العادي «شابا من المدن» لا يمتلك سوى خبرة قتالية محدودة، إن وجدت أصلا، في حين كان العديد من المحاربين القدامى الذين شاركوا في الانتفاضات الكردية السابقة قد جرى تسريحهم.

إضافة إلى ذلك، ظل الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني على خلاف عميق، إذ أشار أحد المستشارين الأمريكيين إلى أن المقاتلين كانوا يتجاهلون أوامر ضباطهم إذا كانوا ينتمون إلى حزب مختلف.

وهكذا، عشية الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، كانت قوات البيشمركة تقف على أرضية غير مستقرة؛ فقد جرى اختبارها بوصفها قوة لمكافحة الإرهاب وحفظ الأمن الداخلي، لكنها لم تكن قد أثبتت بعد قدرتها كجيش، في وقت يرجح أنها كانت تعاني من الثقة المفرطة بالنفس، فضلا عن أن الانقسامات السياسية كانت تقيد قدرتها على العمل.

وخلال أيام قليلة، سقطت سنجار ومخمور والكوير وجلولاء وسد الموصل وزمار وقرقوش ومراكز سكانية أخرى تحت سيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية»، في مواجهة مقاومة قصيرة الأمد من قوات البيشمركة، فيما استمر القتال بصورة متواصلة حول كركوك (هنا لايشير الباحث الى هروب القوات المتواجدة هناك دون مقاومة وذلك لاعتماده على مصادر البارتي حصريا-المترجم والمحرر-).وأوصل ذلك تنظيم «الدولة الإسلامية» إلى مسافة لا تتجاوز 50 كيلومترا من أربيل.

لكن، وعلى خلاف فرق قوات الأمن العراقية التي كانت متمركزة سابقا في شمال العراق، حافظت وحدات البيشمركة على تماسكها، وأعادت تنظيم صفوفها، واستعدت لشن هجوم مضاد.

وقد أشار جميع ضباط البيشمركة الذين قابلتهم تقريبا إلى أنه في المناطق التي تراجعت فيها القوات في البداية، تعرضت ألوية البيشمركة لضغط هائل بسبب القوة النارية التي استخدمها تنظيم «الدولة الإسلامية» ضدها، ولا سيما الاستخدام المكثف من جانب التنظيم للعبوات الناسفة المرتجلة المحمولة على المركبات الانتحارية (SVBIEDs)، فضلا عن المدرعات التي استولى عليها الجهاديون من الجيشين السوري والعراقي.

واستخدم تنظيم «الدولة الإسلامية» هذه الوسائل بالتزامن مع هجمات المشاة، بطريقة تشبه إلى حد كبير الأسلوب الذي قد يستخدمه جيش نظامي المدفعية أو المدرعات أو الغارات الجوية؛ أي لإحداث ثغرات في خطوط العدو وإصابة القوات المقابلة بالصدمة.

وكان مقاتلو الخطوط الأمامية الكرد، الذين كانت خبرة معظمهم محدودة نسبيا، يفتقرون إلى الأسلحة المضادة للدروع والتحصينات الدفاعية اللازمة لمواجهة هذا التهديد.

وبالنظر إلى الصعوبة التي واجهها حتى الجيش التركي المحترف والمسلح جيدا في التعامل مع العبوات الناسفة المرتجلة المحمولة على المركبات الانتحارية التابعة لتنظيم «الدولة الإسلامية» عندما واجهها للمرة الأولى في ساحة المعركة عام 2016، فمن المفهوم أن تتراجع قوات البيشمركة، التي كانت مسلحة بصورة خفيفة وأقل خبرة في ذلك الوقت، لهذا السبب.

ومع ذلك، ألحق الجهاديون هزيمة مؤلمة بحكومة إقليم كردستان في بداية الحرب، واستغرق الأمر من قوات البيشمركة ثلاث سنوات من القتال الشاق والتكيف التكتيكي، إلى جانب دعم أمريكي ودولي واسع، لاستعادة خسائرها، قبل أن تتعرض لإذلال آخر على أيدي الجيش العراقي والميليشيات المدعومة من إيران.

وفي المستقبل، ستحتاج قوات البيشمركة إلى تعزيز ترسانتها من الأسلحة الثقيلة، بدعم من الولايات المتحدة، إذا كانت تسعى إلى ضمان قدرتها على التعامل مع أي توغل جهادي واسع النطاق آخر أو أي تهديد عسكري تقليدي آخر.

 

الهجمات المضادة لقوات البيشمركة، آب/أغسطس 2014 ـ تشرين الثاني/نوفمبر 2015

 

اتسمت حملات قوات البيشمركة ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» بجهد عسكري جيد التخطيط والتنفيذ، مع وجود الكثير من العناصر التي يمكن البناء عليها في إطار التعاون المستقبلي بين الولايات المتحدة وحكومة إقليم كردستان، رغم أن قلة الخبرة لدى جزء كبير من القوات انعكست، على الأرجح، في التفاوت الذي شهدته المراحل الأولى من الهجمات المضادة.

ودعا رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني، ، قدامى محاربي البيشمركة إلى الانضمام إلى القتال بعد أن بدأ تنظيم «الدولة الإسلامية» في تكثيف هجماته في حزيران/يونيو.

وفي 7 آب/أغسطس، أجاز الرئيس باراك أوباما شن غارات جوية بهدف المساعدة على «وقف التقدم نحو أربيل»، وحماية أفراد الولايات المتحدة في العراق، ومنع تنظيم «الدولة الإسلامية» من ارتكاب مجازر بحق الإيزيديين في سنجار.

وفي الشهر التالي، وسع أوباما تفويض المهمة العسكرية الأمريكية لتشمل العمل من أجل «إضعاف تنظيم الدولة الإسلامية وتدميره في نهاية المطاف» بالكامل، من خلال دعم القوات البرية في العراق وسوريا، وتحديدا قوات البيشمركة وقوات الأمن العراقية ووحدات حماية الشعب.

وهكذا، في 10 آب/أغسطس، عندما عاد سيروان بارزاني، ابن شقيق مسعود البالغ من العمر 45 عاما، إلى صفوف البيشمركة وانطلق من أربيل برفقة 150 مقاتلا، ساهمت التغطية الجوية الأمريكية في ضمان استعادته السيطرة على الكوير خلال أربع ساعات.

وأشار أحد مسؤولي حكومة إقليم كردستان إلى أن مجموعة مكافحة الإرهاب النخبوية المرتبطة بالاتحاد الوطني الكردستاني شاركت أيضا في هذه العملية، في مثال لافت على التعاون بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني خلال المرحلة الأولى من الحرب.

ومع ذلك، تعثرت قوات البيشمركة في المناطق التي افتقرت فيها إلى قادة ومقاتلين ذوي خبرة، أو وحدات نخبة، أو دعم من قوات أخرى ومساعدة دولية. فعلى مسافة نحو 200 كيلومتر غرب أربيل، واجهت قوات البيشمركة صعوبة في استعادة زمار؛ إذ تمكنت في البداية من طرد تنظيم «الدولة الإسلامية» منها في 1 أيلول/سبتمبر عندما كانت قادرة على الاستفادة من الدعم الجوي، لكنها خسرتها مرة أخرى قبل أن تتمكن أخيرا من تأمينها بحلول أواخر تشرين الأول/أكتوبر.

وكانت التغطية الجوية الأمريكية حاسمة أيضا في تحرير سد الموصل يومي 16 و17 آب/أغسطس، حيث أمّن مقاتلو البيشمركة المناطق المحيطة بالسد، في حين قادت قوات العمليات الخاصة العراقية التابعة لجهاز مكافحة الإرهاب، الذي أنشأته الولايات المتحدة، وتحت قيادة اللواء فاضل برواري، وهو مقاتل سابق في البيشمركة، الهجوم الرئيسي.

وفي الواقع، اضطرت قوات البيشمركة، في حالة سد الموصل، إلى الاعتماد على القوة الجوية الأمريكية وعلى وحدة من أفضل تشكيلات قوات الأمن العراقية، وهي نفسها قوة مدربة من قبل الولايات المتحدة، من أجل صد تنظيم «الدولة الإسلامية».

كما ساعدت فصائل كردية أخرى قوات البيشمركة في تحرير الأراضي من تنظيم «الدولة الإسلامية»، وأسهمت مرة أخرى في تعويض التفاوت في مستوى وحدات البيشمركة. ففي مخمور، اشتبك مقاتلون من حزب العمال الكردستاني مع تنظيم «الدولة الإسلامية» إلى أن عادت قوات البيشمركة بأسلحة ثقيلة وتمكنت أخيرا من دفع الجهاديين إلى التراجع بحلول 8 آب/أغسطس.

وفي 2 تشرين الأول/أكتوبر، استولت قوات البيشمركة على ربيعة، وهي بلدة تقع على الحدود السورية ـ العراقية، وكانت قد سقطت في أيدي تنظيم «الدولة الإسلامية» في حزيران/يونيو بعد أن تركتها قوات الأمن العراقية. وجاء ذلك بمساعدة قناصين من وحدات حماية المرأة (YPJ)، الجناح النسائي لوحدات حماية الشعب (YPG)، الذين تمركزوا على الجانب السوري من الحدود، علما أن وحدات حماية الشعب نفسها هي فرع منبثق عن حزب العمال الكردستاني.

وربما شارك أيضا في تحرير ربيعة مقاتلون من «بيشمركة روج آفا»، وهي قوة مؤلفة من لواءين من الكرد السوريين، أسسها الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 2012.

كما أسهم التفوق العددي الكبير في تعزيز موقف حكومة إقليم كردستان خلال هذه المرحلة المبكرة؛ إذ شارك نحو 8 آلاف مقاتل من البيشمركة في العملية، التي اعتمدت أيضا على المعلومات الاستخبارية والتعاون مع العشائر العربية المحلية. وتم إجلاء المدنيين قبل بدء المعركة، التي استمرت يومين وأسفرت عن مقتل 50 عنصرا من تنظيم «الدولة الإسلامية»، بينهم 22 قتلوا جراء الغارات الجوية.

 

دفاع الاتحاد الوطني عن كوباني

إضافة إلى ذلك، عبر مقاتلون من مجموعة مكافحة الإرهاب التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني إلى سوريا عبر تركيا، للمساعدة في تحرير كوباني إلى جانب وحدات حماية الشعب، وكان من اللافت قدرتهم على تنسيق الغارات الجوية الأمريكية من خلال مركز تنسيق أمريكي ـ تابع لمجموعة مكافحة الإرهاب في السليمانية.

وأكدت هذه التطورات كلها أهمية العراق في استمرار العمليات العسكرية في سوريا، وهو أمر ظل قائما في المراحل اللاحقة.

وفي مناطق أبعد إلى الشرق، عملت وحدات البيشمركة إلى جانب ميليشيات مدعومة من إيران، كان العديد منها منظما تحت مظلة قوات الحشد الشعبي، التي أنشئت استجابة لدعوة المرجع الديني العراقي الأعلى آية الله علي السيستاني.

وبالقرب من مدينة طوز خورماتو الغنية بالنفط، تمكن مقاتلو البيشمركة ومتطوعون محليون من صد الهجوم الأول لتنظيم «الدولة الإسلامية»، إلا أن التنظيم تمكن من السيطرة على معظم قضاء طوز، الواقع جنوب المدينة، وفرض حصارا على بلدة آمرلي التركمانية الشيعية.

وأدت المخاوف الأمريكية من مجاعة ومجزرة وشيكتين قد يتسبب بهما تنظيم «الدولة الإسلامية» في آمرلي إلى انخراط أمريكي وثيق في تنظيم القوات اللازمة لكسر الحصار.

وتقدمت الفرقة الإقليمية الخامسة عشرة من الشمال لتطهير المناطق المحيطة بالبلدة وتوفير نقاط تجمع آمنة لقوات الجيش العراقي والميليشيات.

وتقدمت لواء من الجيش العراقي من الجنوب، فيما تحركت الميليشيات المدعومة من إيران من الشرق.

وقد أدت مشاركة هذه الميليشيات، التي أنشأها وحافظ على وجودها الحرس الثوري الإسلامي الإيراني بقيادة قاسم سليماني، إلى تعقيد المشاركة الأمريكية، إلا أن الضربات الجوية الأمريكية أثبتت أهميتها في دعم القوتين الأخريين، وكذلك في استهداف مقاتلي تنظيم «الدولة الإسلامية» الذين حاولوا الفرار باتجاه الغرب.

بعد ذلك، تعاونت قوات البيشمركة وقوات الحشد الشعبي في تطهير ما تبقى من مناطق طوز؛ إذ تولت البيشمركة السيطرة على المناطق الواقعة شمال طريق طوز ـ تكريت، بينما اجتاحت قوات الحشد الشعبي المناطق الواقعة جنوبه، مع مشاركة كردية أكبر في عملية تطهير سليمان بيك.

ومع ذلك، في محافظة ديالى، حيث سيطر تنظيم «الدولة الإسلامية» على جلولاء والسعدية، حجبت الولايات المتحدة دعمها بسبب المشاركة المكثفة للعناصر المدعومة من الحرس الثوري الإسلامي الإيراني، ما أتاح فرصة لمراقبة أداء قوات البيشمركة في مرحلة مبكرة من الحرب من دون دعم جوي.

وحاولت الفرقة الإقليمية السادسة عشرة من قوات البيشمركة، إلى جانب اللواء الخاص الثالث التابع للوحدة 70، المعروف أيضا باسم «هيزكاني كوسرت رسول» (القوات الشخصية لقائد البيشمركة السابق في الاتحاد الوطني الكردستاني كوسرت رسول علي)، واللواء 117 بقيادة قائد القطاع الأول محمود سنكاوي، استعادة جلولاء بعد وقت قصير من سقوطها في آب/أغسطس، إلا أن الهجوم توقف بعد مواجهة مقاومة شديدة من تنظيم «الدولة الإسلامية»، الذي عزز مواقعه بقوات قدمت من بلدات أخرى استولى عليها في المنطقة المجاورة.

وأمّنت الفرقة الإقليمية الثالثة السيطرة على كوباشي، وتقدمت شمالا باتجاه أنوار لمنع أي تقدم محتمل آخر لتنظيم «الدولة الإسلامية» باتجاه خانقين، في حين أمّن لواء بدر المدعوم من الحرس الثوري الإيراني، بقيادة هادي العامري، السعدية الواقعة جنوب جلولاء.

وبحلول تشرين الثاني/نوفمبر، عززت هذه التحركات موقع قوات البيشمركة بصورة كبيرة، ومكنتها من شن هجوم متعدد المحاور على جلولاء، أدى إلى انسحاب سريع لتنظيم «الدولة الإسلامية» باتجاه بحيرة حمرين، بعد أن خسر عشرة مقاتلين فقط.

وشاركت قوات الدعم الثانية أيضا في الهجوم النهائي، بواقع عشر دبابات وما يصل إلى 30 في المئة من فوج الهندسة التابع لها، فضلا عن سرية من مجموعة مكافحة الإرهاب، ليصل إجمالي عدد مقاتلي البيشمركة المشاركين في الميدان إلى 10 آلاف مقاتل أو أكثر.

وكان آخر اندفاع عسكري كبير قبل انتقال قوات البيشمركة إلى وضع دفاعي بشكل رئيسي هو تحرير سنجار.

وبعد سقوط المدينة في 3 آب/أغسطس 2014، فر آلاف السكان إلى جبل سنجار، في الوقت الذي بدأ فيه تنظيم «الدولة الإسلامية» بارتكاب مجازر بحق السكان الإيزيديين واستعبادهم.

ومع تهديده بتفاقم الكارثة الإنسانية، حاصر تنظيم «الدولة الإسلامية» الجبل، حيث تحصن آلاف النازحين، إلى جانب عدد من مقاتلي البيشمركة ونحو عشرة من عناصر مشاة البحرية الأمريكية والقوات الخاصة الأمريكية.

وتمكنت الغارات الجوية الأمريكية من كسر حصار الجبل بحلول 13 آب/أغسطس، رغم أن مقاتلي تنظيم «الدولة الإسلامية» ظلوا موجودين في بعض المناطق.

وأتاح تحرير ربيعة وزمار بحلول نهاية تشرين الأول/أكتوبر لقوات البيشمركة نقاط انطلاق لشن هجوم على سنجار.

وبدأ الهجوم الأول في 18 كانون الأول/ديسمبر، بتنفيذ 45 غارة جوية لقوات التحالف لتليين أهداف تنظيم «الدولة الإسلامية» حول جبل سنجار، بالتزامن مع تقدم مقاتلي البيشمركة شرقا وجنوب شرق من زمار وربيعة لتأمين ممر يصل إلى الجبل، وذلك بالتنسيق مع حزب العمال الكردستاني والميليشيا المحلية للدفاع الذاتي الإيزيدية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني، والمعروفة باسم وحدات مقاومة سنجار (YBS).

وفي الوقت نفسه، استولت قوات وحدات حماية الشعب على قرى كانت تحت سيطرة تنظيم «الدولة الإسلامية» في الجانب السوري من الحدود، بهدف قطع خطوط إمداد الجهاديين ودعم حلفائهم من حزب العمال الكردستاني ووحدات مقاومة سنجار.

وأسفرت هذه العمليات، التي شارك فيها نحو 8 آلاف من أفراد البيشمركة وامتدت على مساحة تزيد على ألفي كيلومتر مربع، عن مقتل أكثر من 100 عنصر من تنظيم «الدولة الإسلامية»، وفقا لمسؤولي حكومة إقليم كردستان، كما أدت إلى تأمين المناطق المحيطة بسنجار، ووصلت إلى مشارف معقل مهم للتنظيم في تلعفر.

وفي 21 كانون الأول/ديسمبر، تقدم المقاتلون الكرد إلى داخل مدينة سنجار نفسها، وتمكنوا من طرد تنظيم «الدولة الإسلامية» من مركز المدينة، إلا أن التنظيم الجهادي احتفظ بالسيطرة على الطريق السريع الاستراتيجي 47 وعلى بعض أجزاء سنجار، الذي كان يربط بين «عاصمة» تنظيم «الدولة الإسلامية» في الرقة السورية وأكبر معاقله في العراق، الموصل.

وأخيرا، تمكن مقاتلو البيشمركة وحزب العمال الكردستاني ووحدات مقاومة سنجار من تحرير المدينة بالكامل في تشرين الثاني/نوفمبر 2015، بعد قطع طريق إمداد تنظيم «الدولة الإسلامية» من خلال السيطرة على قرية غابارا الواقعة غرب سنجار، فيما نفذت قوات الزيرفاني بقيادة اللواء عزيز ويسِي مناورة التفاف من الشرق.

وشارك في العملية أكثر من 7 آلاف مقاتل كردي في مواجهة ما يقدر بنحو 700 مدافع من تنظيم «الدولة الإسلامية».

وأفادت سلطات حكومة إقليم كردستان بمقتل 300 من عناصر تنظيم «الدولة الإسلامية» نتيجة العملية.

أما المدينة نفسها فسقطت مع مقاومة محدودة؛ إذ أشار مخرج أفلام ألماني كان مدمجا مع مقاتلي حزب العمال الكردستاني إلى أن تنظيم «الدولة الإسلامية» كان قد غادر سنجار قبل دخولهم إليها.

وخلال هذه المرحلة الأولى من الحرب، كان أداء قوات البيشمركة متفاوتا، ويرجح أن ذلك يعود إلى قلة خبرة جزء كبير من قوتها القتالية الموجودة على الخطوط الأمامية.

فعندما كانت قوات البيشمركة تتوفر على مقاتلين قدامى ووحدات نخبة إلى جانب الدعم الجوي، كانت قادرة على الصمود والرد بقوة، كما حدث في الكوير في آب/أغسطس 2014.

لكن الظروف نادرا ما كانت مثالية إلى هذه الدرجة، وكانت هجماتها المضادة تعتمد في أغلب الأحيان على دعم كبير من الولايات المتحدة أو من شركاء سابقين، كانوا سيصبحون خصوما لولا التهديد المشترك الذي مثله تنظيم «الدولة الإسلامية»، مثل حزب العمال الكردستاني وقوات الأمن العراقية والميليشيات المدعومة من إيران.

إضافة إلى ذلك، كانت قوات البيشمركة تحتاج أحيانا إلى تفوق عددي كبير على قوات تنظيم «الدولة الإسلامية» لتحقيق النجاح، كما حدث في حملتي تحرير ديالى وسنجار.

ونتيجة لذلك، كان التقدم يتعثر في بعض الأحيان بينما تجمع قوات البيشمركة قوتها وتنسق مع حلفائها.

وفي الوقت نفسه، أثبت قادتها أنهم مخططون يتمتعون بقدرة كبيرة على الابتكار، وتمكنوا من تحريك مقاتليهم بكفاءة، ونفذوا بصورة منتظمة عمليات تقدم متعددة المحاور أربكت مدافعي تنظيم «الدولة الإسلامية» وأغرقتهم تحت ضغط الهجوم.

ومع استمرار الحرب، اكتسب مقاتلو البيشمركة خبرة قتالية أكبر، وتكيفوا مع ظروف المعركة، وأثبتوا قدرة أكبر على الصمود في الحفاظ على خطوط المواجهة.

 

حماية خط المواجهة، من أوائل 2015 إلى تشرين الأول/أكتوبر 2016

وفقا لأرقام حكومة إقليم كردستان، كلفت حملة قوات البيشمركة لاستعادة الأراضي، خلال الفترة من حزيران/يونيو إلى أواخر كانون الأول/ديسمبر 2014، 727 قتيلا وأكثر من 3500 جريح.

ومع استعادة قوات البيشمركة توازنها، ظهر خط مواجهة أكثر وضوحا يفصل إقليم كردستان عن الأراضي الخاضعة لتنظيم «الدولة الإسلامية» والحكومة العراقية. وأصبح هذا الخط، الذي أطلق عليه التحالف متعدد الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة لاحقا اسم «خط تنسيق كردستان» (KCL)، يمتد من سنجار إلى خانقين، بطول يقارب 1050 كيلومترا.

ومع بعض الاستثناءات، اتخذت حرب إقليم كردستان ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، منذ تلك المرحلة وحتى أواخر عام 2016، طابعا دفاعيا تمركزيا بدرجة أكبر، مع جهود محدودة فقط لتوسيع نطاق سيطرة قوات البيشمركة. وكانت المكاسب التي تحققت، والمقاسة بالكيلومترات القليلة، تختلف بصورة حادة عن عشرات الكيلومترات، بل مئاتها أحيانا، التي جرى الاستيلاء عليها خلال العمليات السابقة في جلولاء وطوز خورماتو وسنجار ومخمور.

وبعد أن اكتسبت خبرة قتالية ميدانية وأصبحت مسلحة بالمعدات والتدريب والدعم الجوي الذي وفره التحالف، أقامت قوات البيشمركة دفاعات على خط المواجهة حالت دون تحقيق تنظيم «الدولة الإسلامية» أي مكاسب مهمة أخرى داخل كردستان العراق طوال مدة الحرب. وكان ذلك تقدما لافتا بعد الهزائم الصادمة والأداء المتفاوت الذي ميز المرحلة الأولى من الحرب.

وعلى خط المواجهة، أقامت قوات البيشمركة تحصينات باستخدام السواتر الترابية والخنادق والجدران الحجرية وأكياس الرمل، إلى جانب نقاط مراقبة وبعض المخابئ الإسمنتية في المواقع القوية.

وكانت المواقع القتالية تفصل بينها عادة مئات الأمتار، وإن كانت توضع على مسافات أكبر في بعض أنواع التضاريس الأكثر صعوبة، مثل المناطق الجبلية أو الصحراوية.

وكانت معظم هذه المواقع تضم عنصرا بحجم فريق صغير مسلحا ببنادق AK-47، وأحيانا برشاشات خفيفة أو بنادق قنص، إضافة إلى بعض القنابل اليدوية، فيما وصف أحد ضباط البيشمركة «قواعد» الخطوط الأمامية بأنها مواقع تضم ما بين 10 و20 مقاتلا لكل منها.

وإدراكا منها لخطر السيارات المفخخة الانتحارية (SVBIED)، كانت المواقع القريبة من الطرق مزودة بسلاح واحد على الأقل مضاد للدروع، وكان قاذف القنابل الصاروخية (RPG) هو السلاح الأكثر شيوعا.

وتذكر أحد ضباط البيشمركة، الذي كان متمركزا على جبهة مخمور ضمن القطاع السادس، ما لا يقل عن 30 حادثة شن فيها تنظيم «الدولة الإسلامية» هجمات بسيارات مفخخة انتحارية ضد مواقعه، وقال إن قواته تمكنت من تدمير 90 في المئة من هذه السيارات قبل وصولها إلى أهدافها، باستخدام صواريخ «ميلان» (MILAN)، وقاذفات RPG، ومدافع SPG-9، والقوة الجوية التابعة للتحالف.

ووفقا للواء زعيم علي، قائد جبهة زمار ـ ربيعة ـ سنجار في القطاع الثامن، تضمنت بعض هجمات تنظيم «الدولة الإسلامية» عشر سيارات مفخخة انتحارية أو أكثر.

وبالنظر إلى أن هجمات السيارات المفخخة الانتحارية لتنظيم «الدولة الإسلامية» كانت قد تمكنت، قبل فترة قصيرة، من اختراق دفاعات إقليم كردستان، فإن ذلك يشير إلى أن قوات البيشمركة استطاعت إجراء تكيفات ناجحة ومهمة تحت وطأة القتال.

ورغم محدودية توفرها، كانت الأسلحة المضادة للدروع عنصرا حاسما في التكتيكات الدفاعية لقوات البيشمركة، وقد جرى توزيعها بصورة جيدة على امتداد خط تنسيق كردستان.

وأفاد مايكل نايتس، الذي زار الخطوط الأمامية لقوات البيشمركة، بأنه خلال الفترة الممتدة بين آب/أغسطس 2014 وآب/أغسطس 2015، قدم التحالف 40 منظومة صواريخ «ميلان» المضادة للدبابات والموجهة (ATGM)، إلى جانب 800 صاروخ، و370 حمولة طائرات من الذخائر، وما يقرب من 60 ألف صاروخ قصير المدى مضاد للدبابات، و700 أنبوب هاون مع 74 ألف قذيفة هاون.

وكانت لدى قوات الدعم التابعة للبيشمركة أعداد كبيرة من المركبات المدرعة، فضلا عن عشرات الدبابات ومنظومات المدفعية، إلا أن معظمها كان من منصات قديمة، وكانت حالتها التشغيلية موضع شك، كما كانت تعاني نقصا في الذخيرة.

وعلى امتداد خط تنسيق كردستان، كانت ألوية البيشمركة عادة لا تمتلك أكثر من منظومة «ميلان» واحدة مع عدد قليل من الصواريخ، إلى جانب عدة أنابيب هاون لا يتوفر لها مجتمعة أكثر من عشر قذائف.

ومع ذلك، وبفضل الدعم الحاسم الذي وفره التحالف في مجال المراقبة والاستطلاع والضربات، إلى جانب التخطيط الاستراتيجي القوي والمتواصل لقوات البيشمركة، كانت القدرات المضادة للدروع توضع بصورة عامة في المواقع المناسبة على خط المواجهة، وكان المقاتلون الكرد يستخدمونها بفاعلية.

وعليه، فإن تعزيز قدرات البيشمركة في مجال المدرعات والأسلحة المضادة للدروع يمثل مجالا يتمتع بإمكانات كبيرة للتعاون المستقبلي.

 

حماية خط المواجهة: من أوائل عام 2015 إلى تشرين الأول/أكتوبر 2016

بين حزيران/يونيو وأواخر كانون الأول/ديسمبر 2014، كلفت حملة البيشمركة لاستعادة الأراضي التي سيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية 727 قتيلا وأكثر من 3500 جريح، وفقا لأرقام حكومة إقليم كردستان. ومع استعادة البيشمركة توازنها، بدأت تتشكل خطوط مواجهة أكثر وضوحا تفصل بين إقليم كردستان ومناطق سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية والحكومة العراقية. وأصبح خط المواجهة هذا، الذي امتد من سنجار إلى خانقين لمسافة تقارب 1050 كيلومترا، يعرف لدى التحالف الدولي متعدد الجنسيات بقيادة الولايات المتحدة باسم «خط التنسيق الكردستاني» (Kurdistan Coordination Line - KCL).

وباستثناء بعض الحالات، اتخذت حرب إقليم كردستان ضد تنظيم الدولة الإسلامية، منذ تلك المرحلة وحتى أواخر عام 2016، طابعا دفاعيا تمركزيا بدرجة أكبر، مع جهود محدودة فقط لتوسيع نطاق سيطرة البيشمركة.

وكانت المكاسب تقاس بالكيلومترات القليلة، في تناقض حاد مع عشرات، بل مئات الكيلومترات التي جرى انتزاعها في العمليات السابقة في جلولاء وطوز وسنجار ومخمور.

وبعد أن اكتسبت خبرة قتالية واسعة، وتسلمت معدات وتدريبات ودعما جويا من قوات التحالف، أقامت البيشمركة تحصينات على طول خط المواجهة حالت دون تحقيق تنظيم الدولة الإسلامية أي مكاسب كبيرة أخرى داخل إقليم كردستان طوال فترة الحرب. وكان ذلك تقدما لافتا مقارنة بالهزائم الصادمة والأداء المتفاوت الذي ميز المرحلة الأولى من الحرب.

وعلى خط المواجهة، أقامت قوات البيشمركة تحصينات تضمنت سواتر ترابية وخنادق وجدرانا حجرية وأكياس رمل، إلى جانب نقاط مراقبة وبعض المخابئ الإسمنتية في المواقع القوية وكانت مواقع القتال تفصل بينها عادة مسافات تبلغ مئات الأمتار، وإن كانت هذه المسافات أكبر في بعض أنواع التضاريس الصعبة، مثل المناطق الجبلية أو الصحراوية.

وكانت معظم المواقع تضم قوة حراسة بحجم فريق، مسلحة ببنادق «AK-47»، وأحيانا رشاشات خفيفة أو بنادق قنص وبعض القنابل اليدوية. وذكر أحد ضباط البيشمركة أن بعض «القواعد» الأمامية كانت تضم بين 10 و20 مقاتلا لكل منها. وإدراكا منها لخطر السيارات المفخخة الانتحارية، كانت المواقع القريبة من الطرق مجهزة بسلاح واحد على الأقل مضاد للدروع، وكان سلاح «RPG» هو الأكثر شيوعا.

واستذكر أحد ضباط البيشمركة على جبهة مخمور في القطاع السادس ما لا يقل عن 30 حادثة شن فيها تنظيم الدولة الإسلامية هجمات باستخدام سيارات مفخخة انتحارية محملة بالمتفجرات ضد مواقع قواته. وقال إن قواته تمكنت من تدمير 90% من هذه السيارات قبل وصولها إلى أهدافها، باستخدام صواريخ «ميلان»، وقذائف «RPG»، ومدافع «SPG-9»، إلى جانب القوة الجوية للتحالف.

ووفقا للواء زعيم علي، قائد جبهة زمار-ربيعة-سنجار في القطاع الثامن، شملت بعض هجمات تنظيم الدولة الإسلامية استخدام عشر سيارات مفخخة انتحارية أو أكثر. وبالنظر إلى أن هجمات السيارات المفخخة الانتحارية كانت قد اخترقت دفاعات إقليم كردستان قبل فترة قصيرة، فإن ذلك يشير إلى أن البيشمركة تمكنت من إجراء تعديلات ناجحة وكبيرة في تكتيكاتها وهي تحت ضغط القتال.

وعلى الرغم من محدودية توافر الأسلحة المضادة للدروع، فإنها كانت عنصرا حاسما في التكتيكات الدفاعية للبيشمركة، وقد جرى توزيعها بصورة جيدة على امتداد خط التنسيق الكردستاني.

وذكر مايكل نايتس، الذي زار جبهة البيشمركة، أنه خلال الفترة بين آب/أغسطس 2014 وآب/أغسطس 2015، زود التحالف البيشمركة بـ40 منظومة صواريخ «ميلان» المضادة للدروع، مع 800 صاروخ، و370 حمولة طائرات من الذخائر، ونحو 60 ألف صاروخ مضاد للدبابات قصير المدى، و700 مدفع هاون مع 74 ألف قذيفة هاون.

وكانت قوات الإسناد التابعة للبيشمركة تمتلك أيضا عددا مهما من العربات المدرعة، إلى جانب عشرات الدبابات ومنظومات المدفعية، إلا أن معظمها كان من المعدات القديمة التي كانت حالتها التشغيلية موضع شك، فضلا عن نقص الذخائر.

وعلى امتداد خط التنسيق الكردستاني، لم تكن ألوية البيشمركة تمتلك عادة أكثر من منظومة «ميلان» واحدة مع عدد قليل من الصواريخ، إلى جانب عدة مدافع هاون لا يتوافر لها مجتمعة أكثر من عشر قذائف. ومع ذلك، وبفضل الدعم الحاسم الذي قدمته قوات التحالف في مجال المراقبة والاستطلاع والضربات الجوية، فضلا عن التخطيط الاستراتيجي القوي والمتواصل من جانب البيشمركة، جرى وضع القدرات المضادة للدروع في المواقع المناسبة على خط المواجهة، واستخدمها المقاتلون الكرد بفاعلية.

ومن ثم، فإن تعزيز قدرات البيشمركة في مجال المدرعات والأسلحة المضادة للدروع يمثل مجالا يتمتع بإمكانات كبيرة للتعاون المستقبلي بين الولايات المتحدة وإقليم كردستان.

 

الاستجابة للاختراقات

عندما كانت تحدث اختراقات في خطوط الدفاع، كان مدافعو البيشمركة يستجيبون بسرعة وفاعلية. ففي الوقت الذي كانت فيه معارك حضرية واسعة تدور في سوريا ومناطق أخرى من العراق، واصل تنظيم الدولة الإسلامية محاولاته المتكررة لاختراق خط التنسيق الكردستاني والتوغل أعمق داخل كردستان.

ولم يتمكن التنظيم من تحقيق اختراق استراتيجي، لكنه نجح في تنفيذ عدد من الاختراقات الموضعية للخط. وكان من أبرزها الاختراق الذي وقع في أيار/مايو 2016، عندما توغل تنظيم الدولة الإسلامية أكثر من أربعة كيلومترات باستخدام عدة شاحنات مفخخة في منطقة تل أسقف، ما أدى إلى احتلال البلدة لفترة وجيزة ومقتل جندي البحرية الأمريكية الخاص تشارلي كيتنغ.

وأفاد متحدث عسكري أمريكي بأن الهجوم شارك فيه نحو 125 مقاتلا من تنظيم الدولة الإسلامية، وأن كيتنغ كان جزءا من قوة رد سريع ساعدت في صد الهجوم، بالتزامن مع تنفيذ 31 غارة جوية أسفرت عن مقتل 58 من عناصر التنظيم وتدمير أكثر من 20 مركبة تابعة له، بينها جرافة وشاحنتان مفخختان.

ووفقا للعميد في الجيش الأمريكي ماثيو إسلر، نائب قائد المكون الجوي لعملية «العزم الصلب»، والذي تابع المعركة التي أعقبت الهجوم، فإن وحدات البيشمركة استجابت بسرعة كبيرة إلى درجة أنها كانت قد اشتبكت بالفعل مع مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية عندما وصلت وسائل الاستطلاع الجوي التابعة للتحالف إلى المنطقة.

وروى مستشار أمريكي آخر حادثة وقعت عام 2015 جنوب غربر، عندما تمكن تنظيم الدولة الإسلامية من اجتياح موقع متقدم للبيشمركة. وخلال ساعتين، تمكنت وحدات البيشمركة من التخطيط لهجوم مضاد واسع وتنفيذه، مستخدمة عشرات المركبات والمقاتلين، فقتلت جميع المهاجمين الأصليين واستعادت الموقع.

وعكست هذه العمليات تحسنا كبيرا مقارنة بالعمليات الأبطأ والأكثر ترددا التي ميزت المرحلة الأولى من الحرب.

 

 العمليات الهجومية المحدودة

خلال هذه الفترة، حققت قوات إقليم كردستان أيضا تقدما محدودا على امتداد خط التنسيق الكردستاني. ويعرض فيلم «البيشمركة» للمخرج برنار هنري ليفي بعضا من هذه الهجمات، التي كانت تتألف في معظمها من مشاة خفيفين يتحركون بواسطة مركبات «تكنيكال»، مع عدد قليل من العربات المدرعة ودبابة أو دباباتين.

وأوضح أحد ضباط البيشمركة أن هذه الهجمات كانت تنفذ بصورة شبه دائمة عبر تقدم متعدد المحاور، مع وجود «عمود فقري» من عناصر «الهندسة» و«الكوماندوس»، إلى جانب قوات المشاة النظامية، مع تفوق عددي كبير، يقوم عقائديا على نسبة 3 إلى 1، وإن كان التفوق في كثير من الأحيان أكبر بكثير من ذلك.

وكان مقاتلون محددون يتقدمون أولا لتطهير المناطق من المتفجرات والعبوات الناسفة، وهو ما كان يمثل مكون «الهندسة». وكان هذا العنصر عادة بحجم سرية على الأكثر. وفي مقدمة كل محور، كانت قوة من الكوماندوس بحجم كتيبة أو لواء تقود الهجوم.

وعلى الرغم من امتلاك قوات الإسناد بعض أفواج الهندسة، ووجود وحدات للكوماندوس والقوات الخاصة ضمن تشكيلات البيشمركة، فإن هذه المصطلحات كانت تستخدم عمليا بصورة واسعة، وغالبا ما كانت تشير إلى أنواع مختلفة من الوحدات التي تستخدم تكتيكات وتقنيات وإجراءات تقترب، في أفضل الأحوال، من أساليب قوات الهندسة القتالية أو قوات الكوماندوس الغربية.

وكانت الوحدات التي تضم مقاتلين من ذوي الخبرة، أو تمتلك عددا أكبر أو نوعية أفضل من المركبات والمعدات، أو حصلت على تدريب أفضل، ولا سيما على أيدي مدربي قوات التحالف، توصف خلال الحرب بأنها وحدات «كوماندوس».

ولم يكن هؤلاء المقاتلون يؤدون بالضرورة مهام العمليات المباشرة أو الحرب غير التقليدية أو الضربات الخاصة بحرب العصابات على النحو الذي تقوم به القوات الخاصة الغربية، بل كانوا يعملون في معظم الأحيان كقوات هجومية قادرة على قيادة الهجمات والعمليات، أو كوحدات اعتراض يمكن حشدها محليا لإحباط هجمات تنظيم الدولة الإسلامية استنادا إلى المعلومات الاستخبارية.

وقال ماثيو كانسيان، وهو باحث أجرى مسحا لآراء ضباط البيشمركة: «عندما يقولون كوماندوس، فإنهم يبدون كوحدة أمريكية أو تابعة لحلف الناتو عادية وجيدة المستوى».

وربما كان الحصول على تدريب ومعدات التحالف هو المسار الرئيسي الذي يؤهل الوحدة للحصول على صفة «كوماندوس»، وهو ما يفسر انتشار وحدات «القوات الخاصة» في البيشمركة بالتزامن مع تعمق مشاركة التحالف.

ومن الأمثلة على ذلك كتيبة الزيرفاني المدربة على أيدي الهولنديين، والتي يبلغ قوامها 550 مقاتلا، والتي كانت تعد وحدة كوماندوس متحركة وشاركت في عدد من العمليات الهجومية الكبرى.

وقدّر أحد مقاتلي البيشمركة من قوات الكوماندوس وجود نحو 7000 عنصر من القوات الخاصة في وحدات مختلفة حتى عام 2023. غير أنه بالنظر إلى الطريقة التي استخدم بها مسؤولو البيشمركة هذا المصطلح، فمن الأفضل على الأرجح وصف هؤلاء بأنهم مشاة تلقوا تدريبا جيدا.

إضافة إلى ذلك، كانت الألوية الخاضعة للقيادة الشخصية لشخصيات حزبية بارزة ومحاربين قدامى من البيشمركة، من بينهم سيروان بارزاني، ونيجيرفان بارزاني، والشيخ جعفر، وكوسرت رسول علي، تعد وحدات نخبة، وكانت تحصل عموما على أفضل المعدات المتاحة لدى البيشمركة.

 

التحصينات والهندسة القتالية

كان إنشاء التحصينات وإزالة الذخائر والمتفجرات من العناصر الأساسية في عمليات البيشمركة، إلا أن تنفيذ هذه المهام كان في الغالب يعتمد على المقاتلين ذوي الخبرة بصورة فردية، وليس على فيلق هندسة مؤسسي متكامل.

وتذكر أحد ضباط القوات الخاصة الأمريكية أن مقاتلي البيشمركة كانوا يستخدمون المجارف والفؤوس لإزالة المتفجرات التي زرعها تنظيم الدولة الإسلامية. كما روى ضابط آخر حالة استثنائية استخدم فيها قائد سرية من البيشمركة يديه العاريتين لإزالة العبوات الناسفة التي زرعها التنظيم في المركبات والمنشآت.

وعلى الرغم من خطورة هذه الأساليب وبساطتها، لاحظ ضباط أمريكيون أن المقاتلين الكرد كانوا يستخدمونها بفاعلية للتعامل مع العوائق وتهيئة الظروف التي تسمح للبيشمركة بالحفاظ على وتيرة عملياتها السريعة المفضلة.

أما في مجال التحصينات، فقد أظهرت البيشمركة قدرة جيدة على إقامة خطوط دفاعية على امتداد خط التنسيق الكردستاني باستخدام أكياس الرمل والسواتر الترابية والخنادق والمخابئ المحصنة، مستفيدة من بعض التدريبات الخاصة التي قدمتها قوات التحالف في معسكر بنسلاوة، والتي ركزت على إقامة هذه الدفاعات.

وكانت دفاعات البيشمركة حول كركوك لافتة بصورة خاصة في هذا المجال، إذ تضمنت عدة طبقات من الخنادق والحواجز.

ومن الممكن أن يستفيد التعاون المستقبلي بين الولايات المتحدة وإقليم كردستان من هذه الخبرة من خلال السعي إلى مواصلة تطوير القدرات المهنية للبيشمركة في مجال الهندسة القتالية.

 

التقييم العام

بوجه عام، أصبحت البيشمركة أكثر كفاءة بصورة ملحوظة في عمليات تأمين خط التنسيق الكردستاني بعد الخسائر التي تكبدتها في بداية الحرب.

وبعد أن اكتسبت خبرة ميدانية من خلال أشهر من القتال ضد تنظيم الدولة الإسلامية، تمكنت وحدات البيشمركة من رفع وتيرة عملياتها وتعلمت كيفية وقف اختراقات التنظيم.

وضمن صمود المقاتلين على الخطوط الأمامية، إلى جانب القيادة التي اتسمت بالقدرة على التخطيط والإبداع والاستفادة من الموارد المتاحة، عدم تمكن تنظيم الدولة الإسلامية من تحقيق أي مكاسب حقيقية على امتداد خط التنسيق الكردستاني.

وحين حاول التنظيم فتح ثغرات في الخطوط الدفاعية، كانت وحدات البيشمركة تستجيب بسرعة لسدها.

وفي هذه المرحلة، كانت البيشمركة قد قطعت شوطا كبيرا مقارنة بالفترة التي كانت فيها صفوفها تضم أعدادا كبيرة من الشباب قليلي الخبرة، الذين لم يحصلوا على تدريب كاف ولم يمتلكوا خبرة قتالية مهمة.

 

تأمين الموصل: من آب/أغسطس 2016 إلى تموز/يوليو 2017

كانت عملية تحرير الموصل أكبر حملة ضد تنظيم الدولة الإسلامية خلال الحرب، وقد اضطلع جهاز مكافحة الإرهاب العراقي بالدور الرئيسي فيها وتحمل العبء الأكبر من الخسائر البشرية. أما البيشمركة، فقد أدت دورا داعما مهما في هذه الحملة.

في أوائل عام 2015، تمكنت وحدات البيشمركة من طرد تنظيم الدولة الإسلامية من عدة مناطق شمال الموصل، في إطار التحضير لهجوم كان متوقعا أن ينطلق في ذلك العام، لكنه أرجئ في نهاية المطاف بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على الرمادي في أيار/مايو.

وفي كانون الثاني/يناير 2016، حررت القوات العراقية المدينة، ثم حررت الفلوجة القريبة منها في حزيران/يونيو، وبدأت بعد ذلك تقدما تدريجيا نحو الشمال باتجاه أطراف الموصل، وتمكنت في آب/أغسطس من السيطرة على بلدة القيارة الاستراتيجية.

وسيطرَت البيشمركة على المداخل الشمالية والشرقية للموصل بهدف عزل المدينة وفتح مناطق لتجميع القوات والانطلاق منها لتنفيذ الهجوم.

وفي آب/أغسطس 2016، تقدمت وحدات البيشمركة باتجاه الموصل على امتداد جبهة بلغ طولها نحو 150 كيلومترا بين گوێر والخازر، وعبرت نهر الزاب وحررت 11 قرية، كما وصلت إلى قرقوش وبرطلة وبعشيقة، التي أصبحت الأخيرة قاعدة مهمة لتقديم الدعم الناري الأمريكي.

وبعد تحرير المناطق المحيطة ببلدة بعشيقة ذات الغالبية الإيزيدية في أواخر تشرين الأول/أكتوبر 2016، قطعت قوات البيشمركة الطريق بينها وبين الموصل من الجهة الجنوبية الغربية، وهاجمت البلدة من ثلاثة محاور، هي الجنوب والشرق والغرب، في 7 تشرين الثاني/نوفمبر.

ووفقا لمسؤولي البيشمركة، قدمت قوات التحالف دعما للتقدم من خلال ما لا يقل عن 14 غارة جوية، فيما اضطرت القوات الكردية إلى التصدي لنحو 40 سيارة مفخخة انتحارية. كما أفادت وسائل إعلام محلية بوجود قوات أمريكية ترافق المقاتلين الكرد داخل البلدة.

 

أهمية أراضي إقليم كردستان في معركة الموصل

كانت أراضي إقليم كردستان ذات أهمية ليس فقط في التخطيط الاستراتيجي لمعركة الموصل، وإنما أيضا في المناورات والعمليات التكتيكية المرتبطة بالمعركة.

وفي شباط/فبراير 2016، أنشأت القوات العراقية وقوات التحالف قاعدة عمليات متقدمة ومركزها الرئيسي للتخطيط الاستراتيجي للمعركة في قيادة عمليات نينوى بمدينة مخمور.

وكانت الخطة الأصلية للقوات العراقية تقضي بالتقدم إلى الموصل من الجنوب، على أن تقوم البيشمركة بدور «السندان» من الشمال، لاعتراض مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية الذين قد يفرون من المدينة.

إلا أن التحالف عدّل الخطة وقرر أن يبدأ الهجوم من الشرق، بسبب المخاوف من وقوع اشتباكات غير مقصودة بين القوات العراقية ووحدات البيشمركة، فضلا عن اعتبارات لوجستية لدى قوات التحالف.

ومع ذلك، أدت أراضي إقليم كردستان طوال المعركة أدوارا متعددة، إذ استضافت النازحين واللاجئين القادمين من الموصل، وقدمت خدمات الإجلاء الطبي والعلاج للجنود العراقيين الجرحى، وساعدت في مجالي الاستخبارات والخدمات اللوجستية، كما واصلت العمل كمراكز مهمة لقوات التحالف لتقديم الدعم الناري والجوي.

 

 تحرير الموصل وخسائر البيشمركة

تمكنت القوات العراقية في نهاية المطاف من تحرير الموصل في تموز/يوليو 2017. وأدت العمليات اللاحقة في تلعفر والحويجة، التي استمرت حتى أوائل تشرين الأول/أكتوبر، إلى إنهاء وجود «الخلافة» التي أعلنها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق.

وأدت البيشمركة دورا داعما في هذه المعركة، لكنها دفعت أيضا ثمنا بشريا كبيرا.

وحتى حزيران/يونيو 2016، أفادت حكومة إقليم كردستان بمقتل 1466 مقاتلا وإصابة 8610 آخرين منذ بداية الحرب.

وبحلول نهاية معركة الموصل، أفاد ضباط كرد ومسؤول أمريكي بأن إجمالي خسائر البيشمركة خلال الحرب بلغ نحو 2000 قتيل و12 ألف جريح.

وتشير هذه الأرقام إلى أن المعركة الكبرى الأخيرة وحدها كلفت البيشمركة أكثر من 500 مقاتل قتيل ونحو 3300 جريح.

 

التقييم العام لأداء البيشمركة في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية

بوجه عام، تميز أداء البيشمركة في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية بتحسن ملحوظ مع مرور الوقت، بدءا من أدنى مستويات الأداء خلال الهجوم الأول لتنظيم الدولة الإسلامية، وصولا إلى عمليات أكثر جدارة بالثقة في المراحل اللاحقة، ولا سيما مع الاستفادة من الأسلحة الأفضل والتدريب الأمريكي.

وكان جميع المستشارين الأمريكيين الذين أجريت معهم مقابلات من أجل هذه الدراسة تقريبا يستمتعون بالعمل مع البيشمركة، ويصنفونها ضمن أفضل القوات العسكرية في الشرق الأوسط. بل إنهم كانوا يفضلون العمل مع كتائب الجيش العراقي التي تتألف من الكرد أو من مقاتلين سابقين في البيشمركة.

وصنف الفريق أول مايكل ناغاتا، القائد السابق لقيادة العمليات الخاصة المركزية، البيشمركة في المرتبة الثانية فقط بعد الجيش الإسرائيلي بين الجيوش في الشرق الأوسط، وقال: «عندما كان هناك عنصر كردي مشارك، كان الأداء يتحسن».

وعبّر ضابط آخر في القوات الخاصة عن شعور مماثل، موضحا أن القيود الرئيسية التي كانت تواجه البيشمركة تمثلت في افتقارها إلى المعدات والأسلحة الثقيلة.وبالفعل، وجدت القوات الأمريكية أن العمل مع البيشمركة كان أسهل من العمل مع الحكومة العراقية، وهو ما يمثل مؤشرا إيجابيا في حال اضطرت القوات الأمريكية إلى إعادة انتشارها في إقليم كردستان، وهو احتمال سيجري بحثه بمزيد من التفصيل أدناه.

 

الهجوم العراقي في أكتوبر 2017

ما إن انتهت الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية في العراق حتى استأنفت حكومة إقليم كردستان والحكومة العراقية خلافاتهما، ولم يمض وقت طويل قبل أن تجدا نفسيهما منخرطتين مجددا في مواجهة عسكرية مصيرية.

وتسلط الأحداث التي أعقبت ذلك الضوء على أهمية إحراز تقدم حقيقي في إصلاح البيشمركة بالنسبة لمستقبل إقليم كردستان.

ففي عام 2015، كان رئيس الإقليم آنذاك مسعود بارزاني قد أكد بالفعل أن صعود تنظيم الدولة الإسلامية أثبت فشل الوضع القائم، بل قال إن «حدودا جديدة رسمت بالدم... ويجب صياغة عراق جديد».

وفي 25 أيلول/سبتمبر 2017، أجرت حكومة إقليم كردستان استفتاء على استقلال كردستان العراق، وصوّت 92% من المشاركين لصالح الاستقلال.

ورفض رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي المبادرة، معلنا: «سنفرض حكم العراق في جميع أقضية المنطقة بقوة الدستور».

وقد نفذ العبادي تهديده، وإن كان ذلك بناء على طلب إيران وبمشاركة إيرانية واسعة، ففي 16 تشرين الأول/أكتوبر شن هجوما مشتركا للجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي على الأراضي الخاضعة لسيطرة حكومة إقليم كردستان، انتهى في نهاية المطاف بفقدان البيشمركة السيطرة على جميع الأراضي تقريبا التي كانت قد استعادتها منذ عام 2014.

وتركزت المحاور الرئيسية للتقدم على كركوك وسنجار، ثم واصلت القوات تقدمها من هاتين المدينتين باتجاه عمق كردستان.

وكان عشرات الآلاف من الجنود العراقيين وعناصر ميليشيات الحشد الشعبي، بمن فيهم قوات من جهاز مكافحة الإرهاب النخبة، والفرقة المدرعة التاسعة التي تحظى باحترام، وفرقة الاستجابة الطارئة سيئة السمعة، والشرطة الاتحادية العراقية، موجودين بالفعل في الحويجة منذ تحريرها في 8 تشرين الأول/أكتوبر.

وكانت هذه القوات قد اكتسبت خبرة قتالية كبيرة من الحملة الشاقة لتحرير الموصل، وأصبحت مستعدة للتقدم نحو كركوك، المدينة الغنية بالنفط والمتنازع عليها منذ فترة طويلة وبشدة بين حكومة إقليم كردستان والحكومة الاتحادية.

وفي مواجهة القوات العراقية، كان نحو 20 ألف مقاتل من البيشمركة، معظمهم من الموالين للاتحاد الوطني الكردستاني، يمسكون بخطوط الجبهة في كركوك عبر القطاعين الرابع والخامس.

إلا أن معظم الوحدات الموالية للاتحاد الوطني الكردستاني انسحبت قبل أن تلامس القوات العراقية مواقعها،وقد ظهر الأمر نفسه أيضا في الانسحابات الجماعية من القطاع الأول الخاضع لنفوذ الاتحاد الوطني الكردستاني، وكذلك في نقل اللواءين 111 و112 التابعين للوحدة 70 من القطاع الثامن.

وتجسد هذه الحادثة أهمية توحيد ألوية البيشمركة بالنسبة إلى التطور المستقبلي للقوة.

نتيجة لذلك، سقطت جلولاء وخانقين من دون قتال. وانتقد القيادي البارز في الاتحاد الوطني الكردستاني ونائب رئيس إقليم كردستان آنذاك، كوسرت رسول، بشدة زملاءه في الحزب بسبب تركهم المدينة، وأمر لواءه الخاص، «قوات كوسرت رسول»، بالبقاء فيها.

وهكذا، قدم مقاتلو رسول، واللواء الأول من قوات الحرس الإقليمي (RGB)، واللواء 102 التابع للوحدة 70، إلى جانب القوات المتحالفة مع الحزب الديمقراطي الكردستاني في المنطقة، مقاومة للقوات العراقية المتقدمة.

 لكن، بحسب أحد الضباط، تغلب المهاجمون عليهم بفارق كبير في العدد والتجهيزات، وتكبد كل لواء مدافع عشرات القتلى في المعارك. وأشار ضابط من البيشمركة أيضا إلى أن الخوف من التطويق كان أحد عوامل الانسحاب، بعدما بدأت الوحدات العراقية تتحرك لمحاصرة المدينة.

وذكر أحد قادة الكتائب التابعين للاتحاد الوطني الكردستاني أن ما مجموعه 105 مقاتلين قتلوا أثناء الدفاع عن كركوك، إلى جانب 200 جريح و45 أسيرا.

 

قوات الحزب الديمقراطي لم تقدم مقاومة تذكر

أما في القطاعات الخاضعة لهيمنة الحزب الديمقراطي الكردستاني، فلم تقدم البيشمركة مقاومة تذكر. فقد انسحبت القوات التي كانت تسيطر على شنكال والمناطق المحيطة بها من دون قتال، وعبرت نهر دجلة، تاركة المدينة، إلى جانب زمار وربيعة وسد الموصل ومناطق أخرى، تحت سيطرة الحكومة العراقية.

وخوفا من أن يكون هدف المهاجمين قطع صلات إقليم كردستان بتركيا أو الاستيلاء على أربيل، قاتلت قوات البيشمركة بشدة لوقف التقدم العراقي عند معبرين رئيسيين على نهر دجلة: الحزب الديمقراطي الكردستاني عند سحيلا، جنوب فيشخابور مباشرة، والاتحاد الوطني الكردستاني عند ألتون كوبري/بردي. وتجمعت عناصر من وحدات أخرى في هذين الموقعين لتعزيز المقاتلين المنسحبين، وبدأت على الفور بإقامة التحصينات وتعطيل الجسور.

وعندما تقدمت قوات الجيش العراقي والحشد الشعبي عبر الطرق الرئيسية، واجهت مقاومة شرسة. ويتذكر أحد ضباط القوات الخاصة الأمريكية، الذي كان يراقب المعركة، براعة البيشمركة في استخدام الأسلحة المضادة للدروع لتدمير الدبابات والعربات الأخرى، قائلا إن «فصائل كاملة [من الجيش العراقي]» أبيدت.

وأضاف: «كان واضحا جدا أن البيشمركة أقامت مواقع محصنة في تضاريس مغطاة ومخفية، بينما كان الجيش العراقي يتقدم مباشرة عبر الطرق، وكان يتم تدميره وهو يفعل ذلك».

ويتوافق هذا التقييم مع ما ذكره أحد ضباط البيشمركة المشاركين في القتال، من أن القوات الكردية دمرت أكثر من 100 آلية عراقية وأوقعت مئات القتلى في صفوف القوات المهاجمة، مقابل خسائر تراوحت بين 50 و60 مقاتلا كرديا. وقدر ضابط آخر عدد القتلى العراقيين بما بين 800 و900، مقابل عدة عشرات من القتلى في صفوف البيشمركة. وفي وقت لاحق، أوقفت القوات العراقية والحشد الشعبي تقدمها، وظلت متمركزة في مواقعها حتى اليوم.

وتسلط هذه الأحداث الضوء على نقاط الضعف المستمرة لدى البيشمركة، وكذلك على نقاط القوة التي طورتها خلال الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية». فمن جهة، أدى التحكم الحزبي في الوحدات القتالية إلى كارثة بالنسبة للبيشمركة في كركوك، إذ تركت الوحدات التابعة للاتحاد الوطني الكردستاني المقاتلين التابعين للحزب الديمقراطي الكردستاني في وضع لا يمكن الدفاع عنه.

ومن جهة أخرى، أظهر مقاتلو البيشمركة، بعد إعادة تجميع صفوفهم بين رفاقهم الحزبيين وفي تضاريس أكثر ملاءمة، الكفاءة القتالية التي اكتسبوها خلال قتال تنظيم «الدولة الإسلامية»، وتمكنوا من إيقاف الوحدات العراقية في مواقعها باستخدام أساليب دفاعية مجربة واستجابة سريعة اتسموا بها على نحو مألوف.

 

 عناصر الفاعلية العسكرية للبيشمركة

وضعت الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» بين عامي 2014 و2017 البيشمركة في مواجهة عدو جديد أجبرها على تكييف استراتيجيتها وتكتيكاتها مع نمط من الحرب التقليدية. وقد اختبر هجوم الجيش العراقي والحشد الشعبي في تشرين الأول/أكتوبر 2017 هذه التكيفات، وكانت النتائج مختلطة.

ويحدد هذا القسم العوامل الرئيسية التي أسهمت في الأداء القتالي للبيشمركة، بهدف استخلاص دروس لها تداعيات على مستقبل القوة، وكذلك على مستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة وإقليم كردستان.

 

 روح قتالية راسخة

تحيط بالبيشمركة في المجتمع الكردي أسطورة ثقافية وأيديولوجية بوصفها قوة من المحاربين الأشداء وحماة الحرية الكردية. ويشير الباحثان سردار عزيز وأندرو كوتي إلى أن البيشمركة تتمتع بـ«مكانة بطولية أسطورية»، ويقولان: «البيشمركة هي مكانة، وبطل، وشخصية هيركولية».

ويؤكد فيلم «البيشمركة» للمخرج برنار هنري ليفي هذا الجانب في أحد مشاهده، إذ يظهر مقاتلون قرب الخطوط الأمامية عام 2015 وهم يشاهدون بإجلال مقاطع قديمة لمقاتلي البيشمركة وهم يخوضون حرب العصابات في الجبال خلال عقود سابقة.

وقال ضباط البيشمركة الذين أجريت معهم مقابلات لهذا المشروع إن هذه المكانة الرمزية كانت مسؤولة إلى حد كبير عن الروح المعنوية القوية والروح القتالية الصلبة التي تتمتع بها القوة. وذكر أحدهم أيضا أن المكانة التي تحظى بها البيشمركة وما تمثله من شرف أسهما في سرعة تعبئة كل من المحاربين القدامى والشباب المتطوعين الذين لم يكونوا أعضاء فيها من قبل؛ إذ كان المحاربون القدامى يرغبون في تعزيز سمعتهم، بينما سعى الشباب إلى تجنب الشعور بالعار الناتج عن البقاء على الهامش وسط حرب وجودية من أجل كردستان.

 

اندفاع البيشمركة الهجومي

وتربط إحدى الدراسات هذه الروح القتالية العالية بمفهوم «الكردايتي» (Kurdeity)، وهو مفهوم ثقافي داخل المجتمع الكردي العراقي ينظر إلى اللغة الكردية والأرض والتراث بوصفها «قيما مقدسة» تستحق التضحية من أجلها.وترجمت هذه الروح إلى تصميم عال وعدوانية في القتال.

 وأشار أحد المستشارين الأمريكيين إلى أن قادة البيشمركة «كانوا عموما يقودون من الصفوف الأمامية»، كما أشار إلى اعتزاز المقاتلين الأكبر سنا بآثار جروح المعارك التي أصيبوا بها خلال ثمانينيات القرن الماضي.

وأوضح أحد ضباط البيشمركة أن رؤية الضباط في قلب المعركة وهم يتقدمون من الخطوط الأمامية كانت تحفز المقاتلين الأصغر سنا على الاندفاع إلى الأمام أيضا.

وغالبا ما كانت هذه الروح الهجومية تؤدي إلى ارتفاع عدد الخسائر، لكن الجنرال إيسلر أشار إلى أن المقاتلين الكرد كانوا يعبرون عن اعتزاز كبير باستعدادهم للتقدم تحت نيران العدو والتضحية بحياتهم من أجل كسب المعركة، وكانوا يحبون مقارنة ذلك بما وصفوه بالبطء العام للجيش العراقي.

واستشهد بمثال على ذلك كتيبة من الجيش العراقي مؤلفة من مقاتلين سابقين في البيشمركة، شاهدها وهي تهاجم موقعا في أطراف شرق الموصل وقد كانت شديدة الاندفاع في هجومها إلى درجة أنها أنجزت مهمتها قبل ساعتين من الموعد المحدد، حتى إن الجنرال إيسلر كاد يخطئ في التعرف إليها ويظن أنها من مقاتلي تنظيم «الدولة الإسلامية»، الذين كانوا يقاتلون بأسلوب تكتيكي يتسم بالعدوانية نفسها.

ومن الأمثلة الأخرى على اندفاع البيشمركة الهجومي، الحادثة المشار إليها سابقا عندما شنت القوات الكردية هجوما مضادا على خرق أحدثه تنظيم «الدولة الإسلامية» في الخطوط الأمامية، بسرعة جعلتها تتجاوز حتى عمليات المراقبة الجوية التابعة للتحالف.

وفي الواقع، شدد جميع الضباط الأمريكيين الذين أجريت معهم مقابلات تقريبا في إطار هذه الدراسة على أن الهالة التي تحيط بالبيشمركة كانت حقيقية بالنسبة إلى أفرادها، وأنها تجلت في العدوانية التكتيكية والروح المعنوية العالية.

 

قدرة قوية على الحركة والمرونة والتخطيط

على النقيض الواضح من النمط العام لحملات قوات الأمن العراقية ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، أظهرت البيشمركة قدرة كبيرة على الحركة على المستويين التكتيكي والعملياتي.

ووصف مسؤول أمريكي قوات الأمن العراقية، مع الاستثناء المهم المتمثل في وحدات جهاز مكافحة الإرهاب، بأنها تتسم بأسلوب «ماكليلاني»، في إشارة إلى الجنرال الأمريكي في الحرب الأهلية الأمريكية جورج ماكليلان، الذي كان يتردد في تحريك قواته إلى الأمام حتى عندما كان يمتلك تفوقا ساحقا. وجاء هذا الوصف بسبب رفض قوات الأمن العراقية شبه الكامل التقدم من دون دعم جوي وناري كثيف من جانب التحالف.

أما البيشمركة، التي كان ذلك ناتجا إلى حد كبير عن تصميمها القوي، فقد أظهرت العكس تماما، إذ كانت مستعدة في بعض الأحيان للتقدم إلى درجة تصل إلى التهور.

وعلى المستوى التكتيكي، تجلى ذلك في استمرار الحركة إلى الأمام حتى عند مواجهة حقول الألغام أو العبوات المتفجرة، وفي سرعة الاستجابة للاضطرابات التي تحدث على طول الخطوط الأمامية.

وكانت المركبات المسلحة بالرشاشات، المعروفة باسم «التكنيكال»، الأداة الأكثر شيوعا لتوفير الحركة للمقاتلين الكرد، رغم امتلاكهم أيضا بعض المركبات المدرعة والدبابات التي كانت مفيدة في العمليات المخطط لها وأدرك القادة ذوو القدرة على الابتكار كيفية الاستفادة الفعالة حتى من الكميات المحدودة من المعدات الثقيلة والمتخصصة.

ولم تواجه البيشمركة صعوبات كبيرة في حشد القوات الكافية لتلبية احتياجاتها الدفاعية على طول الخطوط الأمامية، وهو إنجاز لافت بالنظر إلى طول خط التنسيق الكردستاني.

وعندما أجبرت القوات العراقية والحشد الشعبي وحدات البيشمركة على التراجع، كانت هذه الوحدات تعيد تجميع صفوفها بسرعة في مواقع دفاعية قوية، وتحشد قواتها فيها، وهو ما شكل تحسنا مقارنة باستجابتها الأبطأ خلال الغزو الأول لتنظيم «الدولة الإسلامية» لأراضي إقليم كردستان.

وقد أسهم التخطيط القوي في تعزيز القدرة على الحركة والمرونة. وأشار الضباط الأمريكيون الذين أجريت معهم مقابلات في إطار هذه الدراسة إلى أن البيشمركة كانت تخطط لعملياتها بصورة جيدة، وقارن أحدهم ذلك بالتخطيط الذي وصفه بأنه «استعراضي» عموما لدى قادة قوات الأمن العراقية.

وسلطت دراسة أعدها حسين خورشيد، وهو أحد قدامى المحاربين الكرد في الجيش العراقي، الضوء على الخرائط التفصيلية التي كان ضباط البيشمركة يستخدمونها لتخطيط العمليات الهجومية.

وأضاف أحد ضباط البيشمركة أن القادة كانوا يسعون دائما إلى تضمين محاور متعددة للتقدم في خطط العمليات، من خلال تحديد محور الجهد الرئيسي، إلى جانب تحركات ثانوية أو خداعية تهدف إلى وضع تنظيم «الدولة الإسلامية» أمام خيارات صعبة ومتعددة، مع احتساب الدعم الذي يمكن أن يقدمه التحالف لكل محور.

وأظهرت وحدات البيشمركة قدرتها في كثير من الأحيان على تنفيذ خطط معقدة، كما حدث في الهجمات متعددة المحاور على شنكال أو بعشيقة.

وحتى عندما كانت عمليات التقدم أقل تطورا مما كان مطلوبا، فإن وجود خطة متماسكة كان يتيح الاستخدام الأمثل للمقاتلين ذوي العزيمة العالية، الذين كانوا يواصلون عادة التقدم لتحقيق أهدافهم.

كما ساعد ذلك في ضمان وجود المعدات الثقيلة التابعة للبيشمركة في المواقع الحيوية عندما تكون هناك حاجة إليها.

وفضلا عن ذلك، أثبت القادة الكرد قدرتهم على إعداد خطط جيدة بسرعة، وبرز ذلك بصورة خاصة في سرعة تعزيز نقاط الخطوط الأمامية التي كانت تتعرض لهجمات مكثفة من تنظيم «الدولة الإسلامية».

وبالتالي، شكل التخطيط القوي عاملا مكملا لقدرة البيشمركة على الحركة والمرونة.

كما أن قدرة البيشمركة على الحركة مكنتها من العمل بفاعلية في أكثر من منطقة عمليات رئيسية في الوقت نفسه. وخصوصا في المراحل الأولى من الحرب، احتاجت البيشمركة إلى تثبيت الخطوط الأمامية وشن هجمات مضادة على امتداد خط التنسيق الكردستاني بأكمله.

وشنت في الفترة نفسها تقريبا هجمات مضادة رئيسية لاستعادة جلولاء، وكوير، ومخمور، وطوز، مستخدمة مجموعات مختلفة من الألوية، وإن كان ذلك بدعم كبير من الميليشيات المدعومة من إيران، ووحدات حماية الشعب، وحزب العمال الكردستاني، والقوات المحلية، كما أن تحقيق النجاح جاء بوتيرة أبطأ في بعض المناطق مقارنة بغيرها.

وفي الوقت نفسه، امتلك إقليم كردستان قدرة «استكشافية» مكنته من إرسال قوات للمساهمة في تحرير آمرلي، وسد الموصل، وحتى كوباني في سوريا.وفي بعض الأحيان، حد عدم كفاية حجم القوات من نطاق هذه العمليات، كما حدث في المحاولات المبكرة لاستعادة جلولاء والهجوم المضاد الثاني في شنكال. وفي مثل هذه الحالات، قامت قوات أخرى، مثل حزب العمال الكردستاني والحشد الشعبي، بتعزيز مقاتلي البيشمركة، أو عوّض التحالف عن هذا النقص من خلال دعمه.

 

إجادة استغلال التضاريس خارج المناطق الحضرية

 

كان أحد الجوانب اللافتة في أسلوب البيشمركة قدرتها على الاستغلال الماهر للتضاريس الواقعة خارج المناطق الحضرية.

وأشار أحد المستشارين الأمريكيين إلى أن مقاتلي البيشمركة كانوا يسعون بصورة غريزية إلى اتخاذ مواقع مرتفعة بعيدا عن الطرق الرئيسية، ويتحركون «من خط مرتفع إلى خط مرتفع» وعبر خطوط الأشجار، مستفيدين من خطوط الرؤية المتبادلة التي تشكلها التلال والتضاريس غير المستوية، بهدف تعظيم الاستفادة من الغطاء والإخفاء مع الحفاظ على مواقع تمنحهم أفضلية.

وكانوا عادة يختارون مواقعهم الدفاعية بصورة استراتيجية على المرتفعات وبعيدا بشكل كبير عن المراكز السكانية. كما كانت قطاعات عمليات البيشمركة تتوافق بصورة مناسبة مع طبيعة التضاريس المحلية، إذ كانت المناطق المفتوحة الممتدة باتجاه شنكال تشكل قطاعا أكبر.

وفي الوقت نفسه، فإن تمسك البيشمركة بأسلوب قتالي يسعى إلى استغلال التضاريس ذات الأفضلية جعل الكرد في كثير من الأحيان مترددين في القتال في المناطق التي لا يستطيعون فيها الحصول على تلك الأفضلية.

وكان المقاتلون الكرد يتجنبون المراكز الحضرية، كما أن هذا التردد إزاء خوض الحرب داخل المدن، إلى جانب الطبيعة الأكثر انبساطا للتضاريس في غرب إقليم كردستان العراق، أسهما على الأرجح في القرار الأولي بالانسحاب من شنكال، المعروفة أيضا باسم سنجار.

وقال وزير شؤون البيشمركة السابق مصطفى سيد قادر: «لقد أدرك مسعود بارزاني أن إحدى نقاط ضعفنا كانت شنكال، لأن شنكال منطقة طويلة وواسعة وليس من السهل الدفاع عنها... ولذلك، كنا بحاجة إلى إرسال قوات أفضل [إليها] وتعزيز دفاعاتنا».

 

وبالمثل، قال رئيس قوات زيرفاني عزيز ويسي إن «القتال على الخطوط الأمامية مع [تنظيم الدولة الإسلامية] في شنكال كان واسعا جدا» بحيث يتعذر الدفاع عنها بصورة مناسبة.

وأشار مسؤولون آخرون في البيشمركة إلى أنهم كانوا يتوخون الحذر من دخول المناطق الأكثر اكتظاظا بالسكان من دون معلومات استخبارية كافية، ولا سيما في المناطق التي لا يشكل الكرد غالبية سكانها، لأنهم لم يكونوا متأكدين من مدى استعداد السكان المحليين للانحياز إلى تنظيم «الدولة الإسلامية».

فعلى سبيل المثال، واجهت البيشمركة صعوبات خاصة مع السكان المحليين في ربيعة والجزء الجنوبي من مدينة كركوك.

وعندما كان مقاتلو البيشمركة مضطرين إلى دخول المدن والبلدات، كانوا يحاولون عادة حسم المعركة في أسرع وقت ممكن.

ولم تكن معظم العمليات الهجومية للبيشمركة ضد المراكز السكانية تستمر أكثر من بضعة أيام، وكانت تسبقها عمليات تمهيد مكثفة، شملت إعداد المعلومات الاستخبارية، والقصف من جانب التحالف، والسيطرة على القرى المحيطة.

وكانت البيشمركة قادرة عادة على حشد قوة ساحقة عند مهاجمة المناطق المأهولة، لكنها كانت تترك في الوقت نفسه منفذا للفرار أمام مقاتلي تنظيم «الدولة الإسلامية»، الذين كانت تضغط عليهم لإخراجهم بسرعة من خلال تقدم متعدد المحاور.

وفي حملة الموصل، كان بعض ضباط البيشمركة يخشون من أن تتحول المعركة من أجل المدينة إلى قتال طويل ومرهق، وهو ما حدث بالفعل، ودعوا إلى اعتماد استراتيجية تقوم على إشعال انتفاضة محلية بدلا من الانخراط في معركة حضرية طويلة.

وأشاروا إلى المعركة الحضرية المدمرة في كوباني بوصفها مثالا على ذلك، كما عبر بعض الضباط بفخر عن المقارنة بين جهود البيشمركة لتجنيب المدن وسكانها المدنيين الدمار، وبين المستويات المرتفعة من الدمار التي نجمت عن عمليات وحدات حماية الشعب وقوات الأمن العراقية لطرد تنظيم «الدولة الإسلامية» من مراكز حضرية أخرى وقد تلاقت أفضلية التضاريس الملائمة، وعدم الميل إلى القتال داخل المدن، مع هجوم الجيش العراقي والحشد الشعبي في تشرين الأول/أكتوبر 2017، عندما انسحبت قوات البيشمركة من المناطق المنبسطة والحضرية وأعادت تجميع صفوفها عند معابر الأنهار، حيث خاضت القتال بكفاءة.

 

الدعم الأمريكي ودعم التحالف

قدم التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة دعما حاسما للبيشمركة فقد أثبت الدعم الجوي والناري أهميته الأساسية للمقاتلين الكرد الخفيفي التسليح في مواجهة عدو جهادي مجهز بشكل جيد.

وبفضل العلاقة القوية التي طورها إقليم كردستان مع الولايات المتحدة منذ تسعينيات القرن الماضي، تمكن كل قطاع من إنشاء فرق تضم بسرعة بين 3 و10 مراقبين مشتركين للنيران (JFO)، تلقوا تدريبا أمريكيا، وكانت مهمتهم تنسيق الضربات مع قوات التحالف.

وأصبحت أربيل مقرا لمركز أمريكي مهم لتنسيق الدعم الجوي، وهو «مركز العمليات المشتركة-أربيل» (CJOC-E).

وأشار أحد الضباط إلى قوة هذه العلاقة، التي أسفرت عن عدم وقوع أي حادثة نيران صديقة نتيجة الغارات الجوية.

وكان مراقبو النيران الكرد ينقلون طلبات الضربات إلى أفراد القوات الخاصة الأمريكية في مركز العمليات المشتركة-أربيل، الذين يقومون بعد ذلك بصياغة الطلب وتقديمه وبعد ذلك، كانت القوات الأمريكية تتحقق من الطلب من خلال المراقبة الجوية، ومن خلال المعلومات التي يقدمها أفراد القوات الخاصة الأمريكية ومراقبو النيران الكرد الموجودون على الأرض، بينما كانت الموافقة النهائية تتم على مستوى جنرال برتبة نجمة واحدة.

وكان الهدف من هذه العملية تقليل الأضرار التي قد تلحق بالمدنيين جراء الضربات.

إضافة إلى ذلك، لعبت صواريخ ميلان المضادة للدبابات التي وفرها التحالف دورا مهما في مواجهة مشكلة السيارات المفخخة الانتحارية (SVBIED).

وأصبح الدعم الجوي والناري للتحالف جزءا أساسيا من عمليات البيشمركة وتخطيطها، ولا غنى عنه في الهجمات المضادة على تنظيم «الدولة الإسلامية» في القطاعات الخاضعة لهيمنة الحزب الديمقراطي الكردستاني.

وساعد تدريب التحالف على تعزيز قدرات البيشمركة. فقد قام «مركز تنسيق تدريب كردستان» (KTCC)، الذي تديره ثماني دول أعضاء في التحالف، بتدريب آلاف من أفراد قوات الحرس الإقليمي (RGB)، إذ لم يعمل التحالف بصورة مباشرة مع الألوية الحزبية، وتركز التدريب بصورة أساسية على المهارات اللازمة للعمليات الهجومية والدفاعية، إلى جانب مهارات أكثر تخصصا تتناسب مع احتياجات الوحدات الكردية المختلفة.

كما نفذت الولايات المتحدة بصورة موازية جهودا مستقلة لتقديم المشورة والمساعدة، بهدف تدريب قوات البيشمركة وتجهيزها.

وكان التدريب والتجهيز الأمريكيان ومن جانب التحالف في كثير من الأحيان العامل الذي ميز الوحدات الخاصة في البيشمركة عن الوحدات العادية، بما في ذلك قوات مكافحة الإرهاب (CTG) ومديرية مكافحة الإرهاب (CTD).

ووجدت دراسة أجراها ماثيو كانسيان أن تدريب التحالف «زاد بشكل كبير» من ثقة وحدات البيشمركة ومشاركتها في ساحة المعركة مقارنة بالوحدات التي لم تتلق هذا النوع من التدريب.

وعلى الرغم من أن دعم التحالف كان حيويا في بعض القطاعات، أظهرت قوات البيشمركة أيضا قدرتها على القتال من دونه.

ففي الهجمات المضادة المبكرة، ولا سيما في القطاعات الخاضعة لهيمنة الاتحاد الوطني الكردستاني، اضطرت وحدات البيشمركة إلى القتال من دون مساعدة التحالف بسبب المخاوف المرتبطة بالتعاون مع الميليشيات المدعومة من إيران.

ومع ذلك، تمكنت ألوية البيشمركة التي عملت مع بعض وحدات الحشد الشعبي من استعادة مناطق مهمة في محافظة ديالى وقضاء طوز من دون دعم جوي، بما في ذلك جلاولاء وسليمان بيك.

أما في تشرين الأول/أكتوبر 2017، فقد ترك غياب دعم التحالف قوات البيشمركة الأخف تسليحا في وضع بالغ الصعوبة أمام تشكيلات الجيش العراقي والحشد الشعبي المتمرسة والمجهزة جيدا، ما دفع الكرد إلى الانسحاب نحو مناطق أكثر قابلية للدفاع عنها.

ومع ذلك، أظهر مقاتلو البيشمركة مقاومة شرسة وناجحة من دون مساعدة التحالف بعد أن أعادوا تجميع صفوفهم عند معابر الأنهار.

وهكذا، كان دعم التحالف حاسما، بل وفاصلا في بعض الأحيان، لكن ألوية البيشمركة أظهرت أيضا قدرتها على الصمود والقتال بكفاءة من دونه.

وكان أحد الأشكال الرئيسية الأخرى للدعم الأمريكي يتمثل في دفع مخصصات شهرية بلغت نحو 20 مليون دولار، بدأت عام 2014، لتغطية رواتب أفراد قوات الحرس الإقليمي (RGB).

وساعدت هذه المخصصات الأمريكية في ضمان حصول أفراد قوات الحرس الإقليمي على رواتبهم في مواعيدها، في الوقت الذي كانت فيه الحرب تستنزف موارد إقليم كردستان، فضلا عن تفاقم المشكلة بسبب عدم قدرة بغداد، أو عدم رغبتها، على الإفراج عن الأموال الاتحادية المخصصة للبيشمركة منذ فترة طويلة، رغم الاعتراف الرسمي بها في الدستور العراقي.

وساعد هذا الدعم المالي على منع حدوث مشكلات في الروح المعنوية داخل صفوف البيشمركة خلال الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية».

 

قيادة وسيطرة استراتيجية غير موحدة، وتماسك تكتيكي قوي

يتمثل أبرز وأهم قيد على القوة القتالية للبيشمركة في عدم تماسك القيادة والسيطرة على المستوى الأعلى، وهو ما ينتج عن الانقسامات السياسية العميقة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني.

وتعود محاولات توحيد قوات البيشمركة الحزبية إلى تأسيس حكومة إقليم كردستان عام 1992.

أما أحدث جهود التوحيد فقد بدأت رسميا عام 2017، عندما أيدت حكومة إقليم كردستان دراسة استكشافية أجرتها المملكة المتحدة واكتملت في العام السابق، بهدف توجيه جهود توحيد القوات.

وتستند هذه المبادرة إلى إنشاء أولى وحدات الحرس الإقليمي (RGB) عام 2009، وتحدد مجالات ذات أولوية، بدءا من تدريب ضباط الصف وصولا إلى إنشاء نظام للدفع الإلكتروني، بهدف بناء قوة موحدة ومهنية لا تخضع للمصالح الحزبية.

ويتكون كل لواء من ألوية الحرس الإقليمي عادة من كتيبتين، واحدة من ألوية الحزب الديمقراطي الكردستاني وأخرى من ألوية الاتحاد الوطني الكردستاني، بينما يأتي قائد اللواء ونائبه من حزبين مختلفين.

وفي اختبار المعركة، أثبت هذا الترتيب نجاحه على المستوى التكتيكي فقد أسهمت ألوية الحرس الإقليمي في المجهود الحربي بقدر ما أسهمت الوحدات الحزبية، وفي العديد من مناطق الخطوط الأمامية كان من الصعب التمييز بين أفراد الحزب الديمقراطي الكردستاني وأفراد الاتحاد الوطني الكردستاني.

وكان قادة ألوية الحرس الإقليمي يعملون بصورة جيدة مع نوابهم، كما حافظ المقاتلون على علاقات جيدة فيما بينهم ومع قادتهم.

وبقدر ما ظهرت مشكلات في القيادة والسيطرة على الخطوط الأمامية، فإنها كانت ناتجة عن الأشخاص المعنيين أنفسهم، وليس عن خلافات سياسية أوسع.

وبالمقارنة مع الوضع الذي كان سائدا قبل سنوات قليلة فقط، عندما كان من المعتاد أن يتجاهل المقاتلون أوامر القادة المنتمين إلى الحزب المنافس، فإن مستوى التماسك الداخلي الذي حافظت عليه ألوية الحرس الإقليمي يعد لافتا.

وهذا يوفر مؤشرا إيجابيا على إمكانات التعاون المستقبلي بين الولايات المتحدة وإقليم كردستان في مجال دفع عملية الإصلاح قدما.

ومع ذلك، أعاقت الانقسامات المريرة الفاعلية على المستوى الاستراتيجي.

وواصل الحزبان تبادل الاتهامات بشأن المسؤولية عن الانتكاسات الاولى التي تعرض لها اقليم كوردستان، وعن أوجه القصور التي ظهرت خلال الحرب، وعن خسارة مساحات كبيرة من الاراضي لصالح بغداد.

ولا تزال الندوب الحرفية للحرب الاهلية قائمة، وكذلك ذكريات الخيانة والانتهاكات. ونتيجة لذلك، كان يتعين أن تتطابق قيادات القطاعات مع مناطق سيطرة الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني في غربي وشرقي كوردستان، على التوالي، في حين قسمت مدينة كركوك، ذات الاهمية الرمزية والاقتصادية، بين القطاع الخامس الذي يهيمن عليه الحزب الديمقراطي والقطاع الرابع الذي يهيمن عليه الاتحاد الوطني.

 وتمتع قادة القطاعات بهامش واسع من الصلاحية للتصرف بصورة مستقلة، كما شكلت نقاط التماس بين خطوط الحزب الديمقراطي والاتحاد الوطني مشكلة بحد ذاتها.

 وبرزت هذه المشكلات بصورة أكثر وضوحا عندما أصدر قادة مختلفون من الحزبين أوامر منفصلة لقوات البيشمركة خلال هجوم الجيش العراقي والحشد الشعبي في عام 2017. وأدى ذلك إلى انقسام حزبي واضح بشأن ما إذا كانت بعض الالوية ستقاوم أم تنسحب، حتى أن بعض الوحدات المدمجة انصاعت لهذا الانقسام. وشعر كلا الطرفين بأنهما تعرضا للخيانة من الطرف الآخر إلى درجة أن هذه الحادثة لا تزال تغذي انعدام الثقة حتى اليوم، وتفرض ضغوطا مستمرة على جهود الاصلاح.

 

نقص الاسلحة الثقيلة

طوال الحرب، كانت البيشمركة تفتقر عموما إلى الاسلحة الثقيلة. ونتيجة لذلك، كانت قدرتها على التعامل مع الهجمات المدرعة وهجمات السيارات المفخخة الانتحارية محدودة في البداية، وكان ذلك سببا رئيسيا في خسارتها للاراضي خلال المراحل الاولى من الحرب.

وقد عوض التحالف عن هذا النقص من خلال المدفعية والدعم الجوي، لتوفير القوة النارية التي احتاجتها البيشمركة لقلب مسار الحرب. غير أنه عندما حجب التحالف دعمه خلال الهجوم العراقي في عام 2017، وجدت البيشمركة نفسها مرة أخرى في وضع ضعيف بشكل كبير، ما دفعها إلى الانسحاب عبر نهر دجلة في مواجهة هجوم الجيش العراقي والحشد الشعبي.

وأدى هذا النقص في الاسلحة الثقيلة إلى ترسيخ اعتقاد لدى البيشمركة بأنها لا تستطيع الصمود أمام بعض خصومها من دون مساعدة خارجية. ولا تزال البيشمركة تفتقر إلى ترسانة قوية من الاسلحة الثقيلة، وهو ما يرجح أن يخلق صعوبات لها في المستقبل إذا ما واجهت مرة أخرى خصما مصمما — سواء كان قوات الامن العراقية أو تهديدا جهاديا متجددا — يسعى إلى الاستيلاء على أراض داخل اقليم كوردستان العراق.

 

التقييم العام

أشار عدد من أفراد البيشمركة إلى أن القتال ضد تنظيم الدولة الاسلامية استلزم اعتماد أساليب جديدة في العمليات لم تكن القوة معتادة عليها. فلم تكن تلك حرب العصابات التي خاضتها الانتفاضات الكوردية القديمة، ولا عمليات مكافحة الارهاب التي أعقبت الغزو الامريكي للعراق عام 2003 بل كانت حربا تقليدية، ذات خطوط مواجهة واضحة، وكان معيار النجاح فيها هو السيطرة على الاراضي، ضد خصم مبتكر وظف خبرته الجهادية في ساحات أخرى، وطوّر استخدام القنبلة الانتحارية كسلاح في ميدان المعركة. وفي نهاية المطاف، ارتقت البيشمركة إلى مستوى التحدي، وحققت سجلا قتاليا قويا خلال حربها الناجحة التي استمرت ثلاث سنوات ضد تنظيم الدولة الاسلامية. وفي الوقت نفسه، كشفت الحرب عن نقاط ضعف عسكرية كبيرة، عادت إلى الظهور في تشرين الاول/أكتوبر 2017.

وعلى الرغم من حداثة تجربة الحرب ضد تنظيم الدولة الاسلامية بالنسبة إلى البيشمركة، فإن أسلوبها في القتال أظهر استمرارية أكبر مع جذورها في حرب العصابات مما يقر به أفرادها. فأبرز نقاط قوة البيشمركة — التصميم، والقدرة على الحركة والمرونة، والاستغلال الفعال للتضاريس — هي أيضا من الخصائص الاساسية للتنظيم الناجح في حرب العصابات.

ومع وجود قادة ألوية وقطاعات كبار، خاضوا الانتفاضات الكوردية السابقة، على رأس القوات القتالية، فإن ذلك ليس أمرا مفاجئا. وبالتالي، لم تكن المسألة تعلم أساليب الحرب التقليدية من الصفر بقدر ما كانت تكييف السمات العسكرية الموجودة لديها مع تحد جديد.

كما أن البيشمركة كانت تمتلك بالفعل بعض الخبرة السابقة في خوض الحروب التقليدية، ولا سيما خلال الانتفاضة الفاشلة في عامي 1974-1975، وبعض مراحل الحرب الاهلية في الفترة 1994-1998. ولذلك، وعلى الرغم من أن تنظيم الدولة الاسلامية شكل تهديدا جديدا من حيث الاساليب المبتكرة التي استخدمها في القتال، فإن هذه لم تكن المرة الاولى التي يخوض فيها الكورد تجربة استراتيجية تقليدية.

وفي إطار الاستعداد للصراعات المستقبلية، تستطيع البيشمركة البناء على إرثها في حرب العصابات، من خلال العمل بصورة واعية على ترسيخ نقاط القوة التي منحها إياها هذا الارث على المستوى المؤسسي، مع تكييفها في الوقت نفسه مع متطلبات الحرب عالية الكثافة.

ومع ذلك، لم يكن من المحسوم مسبقا أن تتمكن البيشمركة بنجاح من الانتقال من تنفيذ الغارات وحراسة نقاط التفتيش إلى الاستيلاء على الاراضي والاحتفاظ بها بصورة مستدامة، وأن تمكنها من ذلك يعد دليلا على قدرتها على التكيف، وإن لم يخل الامر من انتكاسات أولية.

وتعكس الخسائر الاقليمية التي مني بها اقليم كوردستان في المراحل المبكرة من الحرب إلى حد كبير عدم استعداد البيشمركة، لكنها تعلمت بسرعة في أتون القتال كيف تخوض الحرب بأسلوب مختلف. وكان دعم التحالف، فضلا عن مساعدة القوات البرية الاخرى في العراق، عاملا حاسما في هذا التحول، ولا سيما في تعويض أوجه القصور التي عانت منها البيشمركة خلال السنة الاولى من الحرب.

وكانت خبرة القادة المخضرمين الذين تولوا قيادة البيشمركة عاملا مهما أيضا، ولا شك أنها شكلت رصيدا للقوة على صعيد المعنويات والتخطيط. فقد منح الدعم الجوي والناري البيشمركة القوة النارية التي احتاجتها لوقف تقدم تنظيم الدولة الاسلامية في بعض المناطق، وكذلك للتخطيط لهجمات مضادة ناجحة وتنفيذها.

وفي قطاعات أخرى، أسهمت قوات الحشد الشعبي، وحزب العمال الكوردستاني، أو القوات المحلية في تعزيز القوة القتالية للبيشمركة.

وطوال الحرب، لم يتمكن تنظيم الدولة الاسلامية من تحقيق أي اختراق كبير على خط التنسيق الكوردستاني، رغم محاولاته المتكررة لتحقيق ذلك. كما أن منظومة الدفاع الداخلي القوية، التي حافظت عليها قوات الاسايش وأجهزة الاستخبارات، ضمنت أن تتمتع قوات البيشمركة في معظم الاحيان بظهير آمن، وأن تتمكن من تركيز جهودها على تثبيت الخطوط والدفع بها إلى الامام.

وهكذا، أثبتت البيشمركة، من خلال الاستيلاء على الاراضي والاحتفاظ بها في مواجهة تنظيم الدولة الاسلامية، أنها قوة قتالية فعالة، ولا سيما عندما كانت تتلقى دعم التحالف. وسيكون ضمان قدرة البيشمركة على الحفاظ على هذه القدرة بأقل قدر ممكن من الاعتماد على القوات الخارجية، أحد محاور الجهد المهمة في المرحلة المقبلة.

وقد اختبر غياب دعم التحالف في تشرين الاول/أكتوبر 2017 قدرات البيشمركة، وأجبرها على الاعتماد بصورة أكبر على قدرتها على الحركة والاستغلال الامثل للتضاريس، رغم أن قرار الاتحاد الوطني الكوردستاني سحب قواته من كركوك كان العامل الحاسم في الكارثة التي أعقبت ذلك.

 ومع تقدم الجيش العراقي والحشد الشعبي في 16 تشرين الاول/أكتوبر، لم تتمكن قوات البيشمركة المتبقية، والتي كانت قد تقلصت أعدادها إلى حد كبير، والمصدومة من انشقاق الاتحاد الوطني، من تقديم سوى مقاومة محدودة، فتراجعت إلى خطوط أكثر قابلية للدفاع عنها.

لكن عندما أعادت البيشمركة تنظيم صفوفها في سحيلا وبردي، أظهر الكورد مرة أخرى صلابتهم وقدرتهم الفعالة على استغلال التضاريس، وألحقوا خسائر بالقوات المعادية التي كانت تلاحقهم.

وسيظل الانقسام الحزبي يفرض مشكلات كبيرة على البيشمركة ما دام مستمرا.

وقد يكون من المفيد في التقييم النهائي لفاعلية البيشمركة مقارنة هذه النتائج بالاهداف التي حددتها حكومة اقليم كوردستان. وكما أشار المحلل العسكري دينيس تشابمان في دراسته الشاملة للمؤسسات الامنية في اقليم كوردستان، فإن «الادوار والمهام المناسبة للبيشمركة كانت نقطة احتكاك بين الحكومة العراقية وحكومة اقليم كوردستان».

وبالتالي، فإن الرغبة في تجنب الاحتكاك قد تدفع حكومة اقليم كوردستان إلى تخفيف أي أهداف معلنة للبيشمركة، بغض النظر عن أهدافها الحقيقية.

وقد حدد مؤتمر عقد عام 2008 بين حكومة اقليم كوردستان والحكومة الاتحادية العراقية عددا من المهام الاساسية للبيشمركة، من بينها تأمين أراضي الاقليم ومؤسساته الحكومية، ومكافحة الارهاب، والحفاظ على السلام خلال فترات «الاضطرابات المدنية».

وينص الموقع الرسمي لحكومة اقليم كوردستان على أن وزارة شؤون البيشمركة «مسؤولة عن حماية حدود اقليم كوردستان وأراضيه وسيادته، وضمان أمن وحرية مواطني كوردستان».

وخلال الحرب ضد تنظيم الدولة الاسلامية، أدلى كبار مسؤولي حكومة اقليم كوردستان بتصريحات أكثر جرأة بشأن أهدافهم الدفاعية. فقد قال الرئيس بارزاني في عام 2015 إن صعود تنظيم الدولة الاسلامية يمثل نهاية العراق كدولة متماسكة، ثم طرح لاحقا استفتاء عام 2017 باعتباره تعبيرا عن رؤيته لمستقبل كوردستان.

 وفي عام 2016، قال نائب الرئيس كوسرت رسول: «ما تم تحريره بالدم الكوردي سيبقى أرضا كوردية»، في إشارة إلى كركوك ومناطق أخرى متنازع عليها بين بغداد وأربيل، والتي كانت البيشمركة قد سيطرت عليها منذ عام 2014.

وتشير مثل هذه التصريحات إلى رغبة في توسيع نطاق سيطرة حكومة اقليم كوردستان، والوصول في نهاية المطاف إلى الاستقلال.

وبالقياس إلى الاهداف المحددة في مؤتمر عام 2008، أظهرت البيشمركة مستوى عاليا من الفاعلية. ففي عام 2014، تجاوزت الحدود الرسمية لاقليم كوردستان، المتمثلة في محافظات دهوك وأربيل والسليمانية. وحتى بعد هجوم تنظيم الدولة الاسلامية في آب/أغسطس، لم يتمكن الجهاديون من اختراق هذه المناطق الاساسية، كما لم يتمكنوا من إشعال قدر كبير من الاضطرابات من الخارج.

ومع ذلك، في تشرين الاول/أكتوبر 2017، اقترب الجيش العراقي والحشد الشعبي من هذه المناطق، وعلى الرغم من أن مقاومة البيشمركة الشديدة ألحقت خسائر بالمهاجمين، فإن النتيجة ربما كانت ستكون أقل يقينا لو كان المهاجمون أكثر تصميما على مواصلة الهجوم والزج بقوات إضافية.

وكان التفوق في القوة النارية العراقية، والايرانية أيضا، سيبدأ على الارجح في إلحاق خسائر بالبيشمركة مع مرور الوقت، وهو ما يسلط الضوء على افتقارها إلى الاسلحة الثقيلة وقدرات مضادة للدروع.

ومع ذلك، وبالمنطق نفسه، أخفقت البيشمركة في تحقيق الاهداف الاكثر طموحا التي عكستها تصريحات من قبيل تلك التي أدلى بها بارزاني ورسول، بل ويمكن القول إنها ألحقت ضررا بموقف حكومة اقليم كوردستان وأعادت عقارب الساعة إلى الوراء.

ففي الفترة التي سبقت الحرب، كانت هناك ترتيبات بين بغداد وأربيل لتنفيذ دوريات مشتركة في كركوك وبعض المناطق المتنازع عليها الاخرى. وعندما انسحب الجيش العراقي عام 2014، أصبحت هذه المناطق تحت سيطرة البيشمركة حصرا، قبل أن تعود لاحقا إلى سيطرة الحكومة العراقية بعد انسحاب البيشمركة عام 2017.

وهكذا، أدى القتال الذي أعقب الاستفتاء، والخلافات بين الحزب الديمقراطي الكوردستاني والاتحاد الوطني الكوردستاني، وانسحاب البيشمركة من كركوك وسنجار ومناطق أخرى، إلى نهاية الدوريات المشتركة واستئناف حالة العداء، سواء داخل البيت الكوردي أو بين أربيل وبغداد.

وعلى الرغم من أن تنظيم الدولة الاسلامية بات حاليا منظمة تمرد تفتقر إلى الاراضي داخل العراق، فإنه يستفيد من غياب الدوريات في المناطق الفاصلة بين خطوط المواجهة المجمدة التي تفصل قوات حكومة اقليم كوردستان عن القوات العراقية وقوات الحشد الشعبي، لمواصلة أنشطته الارهابية.

ولم تتمكن حكومة اقليم كوردستان من التعافي بصورة كاملة من خسارة هذه المناطق، فيما تواصل الحكومة العراقية استخدام الاستفتاء وتداعياته وسيلة لمزيد من إضعاف أربيل.

 وقد أخفقت البيشمركة في منع هذه الكارثة الاستراتيجية فقد أثبتت أنها غير مستعدة لمواجهة قوات الامن العراقية والحشد الشعبي، وألحقت الضرر بمصداقيتها في هذه العملية. وينبغي أن يظل هذا الفشل حاضرا بقوة في أي جهود إصلاح مستقبلية، باعتباره تذكيرا بما يحدث عندما يعجز الحزبان الكورديان الرئيسيان عن التنسيق فيما بينهما.

 

تداعيات ذلك على السياسة الامريكية

 

تنطوي الحرب ضد تنظيم الدولة الاسلامية والصراع الذي أعقب الاستفتاء مع الجيش العراقي والحشد الشعبي على تداعيات مهمة بالنسبة إلى الشراكة العسكرية بين الولايات المتحدة وحكومة اقليم كوردستان في المرحلة المقبلة.

وتكتسب هذه العلاقة الآن أهمية ربما تفوق أي وقت مضى، بعد أن غادرت القوات الامريكية قواعدها في العراق خارج اقليم كوردستان ولا تزال القوات الامريكية موضع ترحيب في كوردستان العراق.

وتتمركز غالبية نحو 2000 جندي امريكي ما زالوا في البلاد في أربيل. وحتى مع بقاء مستقبل الوجود الامريكي في اقليم كوردستان نفسه غير محسوم، ستبحث أربيل عن فرص لتعزيز علاقاتها مع الولايات المتحدة.

ويفتح هذا الانتقال إلى تمركز القوات حصرا في كوردستان العراق فرصة جديدة أمام الولايات المتحدة لتعميق علاقتها العسكرية مع البيشمركة ومن المؤكد أن أربيل سترحب بعلاقة أوثق مع واشنطن، من شأنها أن تعزز موقف الكورد في مواجهة بغداد والاطراف الاخرى. كما أن وجود حكومة اقليم كوردستان أقوى سيعود بالنفع على واشنطن أيضا، من خلال تعزيز موقع طرف صديق في المنطقة يمتلك سجلا مثبتا بوصفه شريكا موثوقا في مكافحة الارهاب والشؤون العسكرية.

ويولي ضباط البيشمركة قيمة كبيرة للدعم الامريكي، ويقرون بمدى كونه لا غنى عنه في الحرب ضد تنظيم الدولة الاسلامية. كما أن المستشارين الامريكيين يستمتعون عموما بالعمل مع البيشمركة، ويطورون علاقات قوية مع مقاتليها.

 

الدفع نحو تعريف أقوى للبيشمركة بوصفها القوة العسكرية الرئيسية في اقليم كوردستان

تمتلك الولايات المتحدة مصلحة استراتيجية كبيرة في إقامة شراكة مع حكومة اقليم كوردستان والبيشمركة، إلى جانب علاقتها ببغداد، وفي بعض الجوانب رغم هذه العلاقة.

 كما تمثل تركيا، حليفة الولايات المتحدة في حلف شمال الاطلسي (الناتو)، عقبة أمام توسيع العلاقات الامريكية مع حكومة اقليم كوردستان.

وبالتالي، وبقدر ما تسمح به علاقات الولايات المتحدة مع العراق وتركيا، ينبغي للولايات المتحدة أن تدعم اضطلاع البيشمركة بدور القوة العسكرية الرئيسية في اقليم كوردستان العراق، على أن تكون مهمتها الاساسية مواجهة التهديدات الخارجية التي تستهدف حدود الاقليم.

وعلاوة على ذلك، إذا تدهورت العلاقات الامريكية مع العراق أو انهارت في أي وقت، ينبغي للولايات المتحدة أن توسع علاقتها مع البيشمركة، باعتبارها أداة ضغط في مواجهة بغداد، وفي الوقت نفسه وسيلة تحوط تحسبا لحدوث قطيعة كاملة.

وإذا مضت الولايات المتحدة قدما في تعميق علاقاتها مع البيشمركة، فينبغي أن يتضمن الالتزام الامريكي الموسع توفير أسلحة أثقل، وتطوير قوات ميكانيكية ومنظومات دفاع جوي، وذلك للدفاع ضد التوغلات البرية واسعة النطاق والتهديدات الجوية، مثل المقذوفات التي تطلقها إيران، على التوالي.

وقد تأتي هذه التهديدات من الجماعات الجهادية، كما حدث خلال الحملة العسكرية ضد تنظيم الدولة الاسلامية في الفترة 2014-2017، أو من الحكومة العراقية والميليشيات المدعومة من إيران، كما حدث في تشرين الاول/أكتوبر 2017.

 

تعميق المشاركة الأمريكية في إصلاح قوات البيشمركة

تتمثل المشكلة الرئيسية التي تعقّد العلاقات الأمريكية مع البيشمركة اليوم في عملية الإصلاح، أي الجهود الرامية إلى توحيد ألوية البيشمركة تحت إشراف وزارة شؤون البيشمركة، بدلا من استمرار خضوعها لسيطرة الأحزاب السياسية.

 وهذه المشكلة سياسية بالدرجة الأولى، وينبغي لواشنطن أن تدرك أن قدرتها على تجاوزها من خلال الحوافز العسكرية بين الطرفين محدودة. ومع ذلك، يظل من المفيد مواصلة المحاولة.

وقد ضغطت الولايات المتحدة على البيشمركة لمعالجة هذه القضية الحيوية من خلال ربط المخصصات المالية التي تقدمها إلى حكومة إقليم كردستان بتحقيق تقدم فعلي في عملية التوحيد وقد دفع ذلك مسؤولي حكومة الإقليم إلى إيلاء الإصلاح اهتماما أكبر، ونقل المزيد من الكتائب الحزبية، بما فيها بعض الوحدات الأفضل تجهيزا، إلى ألوية إقليمية جديدة، تخضع مؤسسيا لوزارة شؤون البيشمركة بدلا من خضوعها لحزب سياسي.

وتخطط حكومة إقليم كردستان لدمج جميع الألوية الإقليمية والوحدات الحزبية في هيكل جديد من الفرق العسكرية، تحت قيادتي منطقتين. ووفقا لمسؤول رفيع في وزارة شؤون البيشمركة، فإن هذه الجهود ستؤدي، بحلول نهاية أيلول/سبتمبر 2026، إلى تشكيل 11 فرقة، ستتبع ست منها إحدى القيادتين الإقليميتين، فيما تتبع الفرق الخمس الأخرى القيادة الثانية.

وسيكون من المهم للمستشارين الأمريكيين التحقق مما إذا كان هذا الهيكل الجديد سيؤدي فعلا إلى قيادة غير حزبية، أم أنه سيعيد ببساطة تغليف النفوذ الحزبي القائم في إطار مؤسسي جديد.

وبموجب مذكرة التفاهم الأمريكية-الكردية الممتدة لأربع سنوات، والموقعة عام 2022، جرى خفض المخصصات الأمريكية تدريجيا في كل سنة لاحقة لرواتب أفراد الألوية المدمجة، بما يتماشى مع التوقعات الأمريكية بأن تصبح حكومة إقليم كردستان قادرة بحلول ذلك الوقت على تمويل دفاعها بنفسها.

 وبلغ هذا الدعم 240 مليون دولار في عام 2023، ثم انخفض إلى 135 مليون دولار في عام 2024، و60 مليون دولار في عام 2025، فيما لم يتضمن طلب موازنة عام 2026 أي مخصصات له.

 وفي الوقت نفسه، خصصت الولايات المتحدة مبالغ متزايدة لتدريب وتجهيز وحدات وزارة شؤون البيشمركة، إذ ارتفعت من أقل بقليل من 5 ملايين دولار عام 2024 إلى أكثر من 57 مليون دولار عام 2025، مع طلب تخصيص أكثر من 61 مليون دولار لعام 2026.

ولا تزال هناك عقبات سياسية كبيرة، إلا أن زيادة المشاركة الأمريكية في شؤون البيشمركة يمكن أن تساعد في ضمان بقاء حكومة إقليم كردستان على المسار الصحيح فقد أظهرت معارك تشرين الأول/أكتوبر 2017 أن الأحزاب لا تزال تملك القدرة على تجاوز وزارة شؤون البيشمركة وإصدار توجيهاتها الخاصة، كما أشار أحد مسؤولي التحالف الذي خدم مؤخرا في أربيل إلى أن مسؤولي حكومة الإقليم يتسمون بدرجة ملحوظة من الغموض في هذا الشأن.

وفي الوقت نفسه، واجهت حكومة إقليم كردستان صعوبات في دفع رواتب أفراد البيشمركة مع تراجع المخصصات الأمريكية. ولذلك، ينبغي للولايات المتحدة أن تعرض استئناف دفع رواتب أفراد البيشمركة، لكنها ينبغي أن تطالب، في المقابل، بدور أكبر في تحديد الترقيات والإحالات إلى التقاعد وغيرها من القرارات المتعلقة بشؤون الأفراد.

وقد أوضحت مساعدة وزير الدفاع الأمريكية السابقة لشؤون الاستراتيجية والخطط والقدرات، مارا كارلين، أن المشاركة في الشؤون العسكرية الحساسة للقوات الشريكة تشكل عنصرا أساسيا في نجاح جهود تقديم المساعدة الأمنية لها.

وحان الوقت لأن تتبنى الولايات المتحدة هذا النهج مع البيشمركة، بما يضمن أن تستند الترقيات إلى الكفاءة والاستحقاق، ويساعد على حماية منظومة القيادة والسيطرة من سوء الاستخدام الحزبي.

وبعبارة أخرى، تملك الولايات المتحدة الآن فرصة لإعادة ضبط «حوافزها»، على النحو الذي دعت إليه الباحثة راشيل تيكوت في سياق المساعدة الأمنية للقوات الشريكة، بما يضمن التطور الإيجابي المستقبلي للبيشمركة.

 

إشراك المستشارين الأمريكيين في قرارات شؤون أفراد البيشمركة

وفي الوقت نفسه، ينبغي للولايات المتحدة أن تضغط على حكومة إقليم كردستان للتحرك نحو قوة أصغر حجما وأكثر احترافية، مع اعتماد نظام أكثر جدارة واستحقاقا في الترقيات.

وبالتأكيد، اتخذت البيشمركة بالفعل خطوات في هذا الاتجاه، وأشار أحد المستشارين الأمريكيين إلى وجود ثقافة قائمة إلى حد كبير على الترقية وفقا للاستحقاق. ومع ذلك، قال أحد ضباط البيشمركة إن القوة تعاني من التضخم العددي، وإنها ستكون أفضل حالا إذا أصبحت أصغر حجما وأكثر جودة، فيما ذكر ضابط آخر أن الهدف يتمثل في خفض قوامها من نحو 350 ألف مقاتل إلى 125 ألفا بحلول نهاية عملية الإصلاح.

فضلا عن ذلك، لا تزال الشخصيات الحزبية البارزة تتمتع بنفوذ كبير داخل منظومة القيادة والسيطرة في البيشمركة، في حين ينبغي ترقية المحاربين القدامى الأصغر سنا، الذين خاضوا حرب 2014-2017، ليحلوا محلهم.

وإلى جانب التزامهم بالمشاركة في قرارات شؤون الأفراد، ينبغي للمستشارين الأمريكيين الإصرار على تفقد قوائم أسماء أفراد البيشمركة وقواعدها، من أجل قياس مدى التقدم المحرز في عملية الإصلاح.

وفي غياب هذا المستوى من الرقابة، هناك خطر يتمثل في أن تكتفي حكومة إقليم كردستان بإنجازات تقنية شكلية أو محدودة الأهمية، مثل التحول إلى نظام الدفع الإلكتروني، بدلا من تحقيق توحيد حقيقي لقوات البيشمركة.

 

إشراك أعمق للولايات المتحدة في قرارات شؤون الأفراد

في الواقع، أسهمت الولايات المتحدة في الماضي، من خلال انخراطها بصورة أعمق في قرارات شؤون الأفراد، بصورة إيجابية في بناء جيوش أجنبية فعالة.

وتبحث مارا كارلين في كيفية دفع المستشارين الأمريكيين الجيش اليوناني نحو الاحترافية خلال الانتفاضة الشيوعية بين عامي 1946 و1949.

 كما يشير ستيفن بيدل وزملاؤه إلى أن «مهمة المساعدة الأمريكية ذات الطابع التدخلي والمشروط على نحو غير معتاد» في كوريا الجنوبية ساعدت في بناء جيش كفؤ لجمهورية كوريا.

ويناقش المحلل العسكري كينيث بولاك كيف أسهم النفوذ الأمريكي العميق داخل الجيش العراقي خلال الفترة 2007-2009 في بناء قوة قتالية جيدة القيادة، قبل أن تتراجع كفاءتها لاحقا عندما قلل المستشارون الأمريكيون من مستوى انخراطهم، وعندما أعادت الحكومة العراقية في عهد رئيس الوزراء نوري المالكي اعتماد ممارسات عززت الطائفية والفساد والمحسوبية.

 واستنادا إلى العلاقة الوثيقة القائمة أصلا، تتمتع الولايات المتحدة بموقع قوي يمكنها من التأثير إيجابا في البيشمركة من خلال انخراط أعمق مماثل.

 

مكافأة التقدم باستئناف المخصصات ونقل الأسلحة مباشرة

إذا تحركت الأحزاب الكردية، وفي حال تحركها، نحو التوحيد الكامل لقوات البيشمركة، ينبغي للولايات المتحدة أن تكافئها من خلال تثبيت المخصصات المالية وتوسيعها، ونقل الأسلحة مباشرة إلى أربيل بدلا من تمريرها عبر بغداد.

ومن شأن هذه المخصصات أن تساعد في ضمان قدرة حكومة إقليم كردستان على الحفاظ على قوة عسكرية احترافية ودعم عملية توحيد البيشمركة فقد حجبت بغداد أموالا من الموازنة الاتحادية مخصصة لحكومة إقليم كردستان، في الوقت الذي رفعت فيه بصورة حادة المدفوعات إلى قوات الحشد الشعبي، وهي قوة تهيمن عليها ميليشيات مدعومة من إيران، دأبت بصورة منتظمة على مهاجمة أهداف أمريكية وإسرائيلية منذ اندلاع حرب إسرائيل وحماس في تشرين الأول/أكتوبر 2023، وجددت هذه الهجمات بعد اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران في شباط/فبراير 2026.

ومن ثم، هناك أسباب كافية تدفع الولايات المتحدة إلى إعادة النظر بجدية في نهجها القائم على مراعاة بغداد، التي تأوي وتمول بصورة علنية منظمات إرهابية مدعومة من إيران.

وفي الوقت نفسه، فإن افتقار البيشمركة إلى الأسلحة الثقيلة سيواصل الحد من تطورها ويتركها عرضة للهجوم من جانب خصوم أفضل تسليحا. وعادة ما تمرر الولايات المتحدة عمليات نقل الأسلحة إلى أربيل عبر بغداد احتراما للسيادة العراقية، لكن، كما سبق ذكره، ينبغي الآن إعادة النظر في هذا النهج.

وخلال الحرب، عوضت المساعدات العسكرية التي قدمها التحالف إلى حكومة إقليم كردستان عن هذه المشكلة، لكن الاستعداد بصورة صحيحة لصراع محتمل في المستقبل سيتطلب نقل أنظمة مضادة للدروع والمدفعية والمدرعات بصورة مباشرة، إلى جانب قدرات أخرى. وأشار ضباط البيشمركة الذين أجريت مقابلات معهم في إطار هذه الدراسة إلى أن القوة تحتاج إلى كل شيء، بدءا من الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة الأساسية، وصولا إلى الصواريخ المتقدمة المضادة للدروع وأنظمة الدفاع الجوي.

وإذا سمحت الظروف، يمكن للولايات المتحدة أن تبدأ بزيادة نقل المركبات المدرعة، بما في ذلك مركبات «هامفي» (Humvees)، ومركبات «برادلي» (Bradleys)، و«سترايكر» (Strykers)، والمركبات المقاومة للألغام والمحمية من الكمائن (MRAP).

وتستند هذه المركبات إلى نقاط القوة القائمة لدى البيشمركة في الحركة والاندفاع الهجومي، كما يمكن تكييفها مع متطلبات وضعية الدفاع عن الأراضي. وفي المستقبل، قد تحتاج حكومة إقليم كردستان إلى صد هجوم كبير آخر، على غرار توغل تنظيم «الدولة الإسلامية» الجهادي، أو محاولة من جانب بغداد والميليشيات المدعومة من إيران للاستيلاء على أراضي الإقليم.

وسيكون من الضروري ردع تنظيم «الدولة الإسلامية» أو أي تهديدات جهادية جديدة محتملة ومنعها من شن أي هجمات مستقبلية داخل العراق عبر إقليم كردستان، كما يمكن لقوة بيشمركة قوية أن تقدم دعما لقوات الأمن العراقية التي تواجه ضغوطا شديدة إذا ظهر مثل هذا التهديد المشترك.

وفي المقابل، فإن شن قوات الأمن العراقية المدعومة من إيران هجوما على إقليم كردستان سيمنح طهران انتصارا كبيرا على حساب حليف موثوق للولايات المتحدة. ويحتاج إقليم كردستان إلى قدرات مدرعة أفضل لضمان قدرته على مواجهة مثل هذا التهديد العسكري التقليدي.

وعلى المدى الطويل، وفي حال سمحت الظروف، يمكن للولايات المتحدة أن تنظر في نقل دبابات «أبرامز M1» وأنظمة المدفعية المقطورة أو ذاتية الحركة. كما أن تحقيق مزيد من التقدم في الإصلاح يمكن أن يبرر نقل أنظمة «جافلين» المضادة للدروع (Javelin ATGM) وطائرات «بوما» المسيّرة (Puma)، وهما من المعدات التي طالما رغبت البيشمركة في الحصول عليها، ويمكن أن تكون مفيدة في رصد الهجمات التقليدية وصدها.

وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يكون نقل هذه المعدات ذات النوعية الأعلى مشروطا بقيام حكومة إقليم كردستان، ولا سيما الاتحاد الوطني الكردستاني، بتقليص علاقاتها مع إيران، التي قد تستغل أي فرصة للوصول إلى التكنولوجيا الأمريكية.

وقد يشكل مجرد وجود القوات الأمريكية رادعا لطموحات إيران تجاه إقليم كردستان، لكنه قد لا يكون كافيا من دون امتلاك قدرة عسكرية موثوقة تستطيع مواجهة العدو بنفسها.

 

الدفاع الجوي

هناك مجال محتمل آخر للتعاون بين الولايات المتحدة وحكومة إقليم كردستان يتمثل في الدفاع الجوي. وعلى الرغم من أن الدفاع الجوي لم يكن عنصرا بارزا في التحديات التي واجهها إقليم كردستان خلال الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» أو قوات الأمن العراقية، فإنه أصبح أكثر أهمية بصورة متزايدة في مواجهة المقذوفات الإيرانية، ولا سيما أن إيران واصلت إطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة باتجاه إسرائيل والعراق ودول الخليج ودول أخرى في المنطقة منذ اندلاع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران في شباط/فبراير 2026.

ومنذ عام 2011، أصبحت بغداد مسؤولة اسميا عن المجال الجوي العراقي، لكنها أثبتت عدم استعدادها أو عدم قدرتها على حمايته.

 أما البيشمركة، فهي تفتقر في معظمها إلى القدرة على التعامل مع المقذوفات التي تطلق من إيران، أو الغارات الجوية التركية، أو الغارات الجوية العراقية المحتملة على أراضي إقليم كردستان.

ومن شأن امتلاك قدرة أكثر قوة على إسقاط المقذوفات الإيرانية أن يعزز أمن الأفراد الأمريكيين في المنطقة، فضلا عن أمن إسرائيل. ويمكن أن يكون توفير منظومات «أفنجر» (Avenger) ومنظومات «هوك» (HAWK) الأقدم إلى حكومة إقليم كردستان، إلى جانب التدريب المتخصص على استخدامها، نقطة بداية مناسبة.

كما يمكن أن تكون منظومات «ستينغر» (Stinger) الأمريكية ومنظومات «بانتسير» (Pantsir) الروسية للدفاع الجوي مفيدة. وحتى منظومات المدافع المركبة الأقدم، مثل منظومة «ZSU-23-2» الروسية، يمكن أن تكون مفيدة في مواجهة الطائرات المسيّرة والصواريخ الأقل تطورا التي تستخدمها إيران.

 

تعزيز العلاقات بين القوات الخاصة الأمريكية وقوات مكافحة الإرهاب

كان إنشاء وحدات قوات خاصة أجنبية فعالة من أبرز النتائج الناجحة لبعثات المساعدة الأمريكية في مجال الأمن وبناء قدرات القوات الأجنبية.

 وتعد قوات مكافحة الإرهاب العراقية أحد هذه النماذج، إلى جانب الكوماندوز الأفغان السابقين ولواء «دنب» الصومالي.

وقد أثبتت مجموعة مكافحة الإرهاب (CTG) وقوات مكافحة الإرهاب (CTD) قدرتهما على توفير قوة قتالية حقيقية في ساحة المعركة، وهما من أكثر القوات احترافية ضمن الأجهزة الأمنية التابعة لحكومة إقليم كردستان.

وبالنظر إلى موقعهما القوي أصلا، يمكن أن تستفيد مجموعة مكافحة الإرهاب وقوات مكافحة الإرهاب بدرجة أكبر من إقامة علاقات أوثق مع مستشاري قوات العمليات الخاصة الأمريكية، على غرار الجهود الأخرى الرامية إلى بناء وحدات قوات خاصة شريكة، إذا أمكن إصلاح مجلس أمن إقليم كردستان (KRSC) بما يعزز التكامل بين مجموعة مكافحة الإرهاب وقوات مكافحة الإرهاب.

وينبغي أن تقترن هذه العلاقات الأوثق بالشروط نفسها المبينة أعلاه، لضمان اندماج قوات مكافحة الإرهاب أيضا ضمن هيكل قيادة موحد. وسيتطلب هذا الأمر جهودا صارمة لإصلاح مجلس أمن إقليم كردستان، الذي لا يشجع في وضعه الحالي على التعاون بين الوحدات الحزبية الخاضعة له اسميا.

ومن شأن تعزيز قوات مكافحة الإرهاب أن يساعد في ضمان امتلاك حكومة إقليم كردستان رأس حربة قوية يمكنها التحرك بسرعة في حال اضطرت إلى الاستجابة لتهديدات عسكرية مستقبلية.

وعلى الرغم من أنها لم تصمم لخوض حرب تقليدية، فقد أدت مجموعة مكافحة الإرهاب وقوات مكافحة الإرهاب دورا مهما خلال الحرب، باعتبارهما قوات نخبة للضربات الهجومية، على غرار الدور الذي أدته قوات مكافحة الإرهاب العراقية، وكذلك قوات العمليات الخاصة الأجنبية المدربة من الولايات المتحدة في بلدان أخرى.

كما واصلت هذه القوات تنفيذ مهمتها الأصلية بفاعلية، والمتمثلة في مواجهة التهديدات الإرهابية من خلال مداهمات واعتقالات وضربات تستند إلى المعلومات الاستخبارية ضد مخابئ تنظيم «الدولة الإسلامية».

ومن شأن توسيع قوة مكافحة الإرهاب، وإعدادها لتنفيذ ضربات مضادة سريعة وحاسمة ضد التهديدات الأكبر، أن يساعد في الحد من مخاطر الخسائر الإقليمية الكبيرة عندما تظهر مثل هذه التهديدات، وأن يدعم الجهود الرامية إلى احتواء تنظيم «الدولة الإسلامية».

وفي حال وقوع هجوم جهادي، فإن ذلك سيساعد أيضا على كسب الوقت للقوات النظامية كي تعيد تجميع صفوفها وتعزز عمليات مجموعة مكافحة الإرهاب وقوات مكافحة الإرهاب.

 

تشجيع قدر أكبر من القدرة على التكيف والابتكار على المستوى التكتيكي

أظهرت البيشمركة قدرة جيدة على التكيف مع البيئات الأمنية المتغيرة، ولا سيما عندما تحظى بالدعم الأمريكي، لكنها تستطيع القيام بالمزيد من تلقاء نفسها لتحسين موقعها.

فعلى سبيل المثال، يمكنها الاستثمار في تطوير قدرات محلية لإنتاج الأسلحة. وحتى الجهود محدودة النطاق لتصنيع الأسلحة الصغيرة والأسلحة الخفيفة وإنتاج المتفجرات يمكن أن تسهم بدرجة كبيرة في تعزيز احتياطيات البيشمركة من الذخائر والإمدادات، مع تقليل اعتمادها على الموردين الخارجيين الذين تتفاوت درجة موثوقيتهم.

وإذا وجدت الولايات المتحدة نفسها في موقع يسمح لها بتوسيع تعاونها العسكري مع حكومة إقليم كردستان، فإن ذلك يمكن أن يشجع على تقسيم للعمل، بحيث تعتمد حكومة الإقليم على قدراتها الذاتية في تلبية الاحتياجات الأساسية، فيما تعتمد على الولايات المتحدة للحصول على المعدات الثقيلة والأكثر تطورا.

فإذا كان تنظيم «الدولة الإسلامية» قد تمكن من إنشاء مثل هذه الصناعة، بما في ذلك التغليف ووضع الملصقات بصورة موحدة، فإن حكومة إقليم كردستان قادرة بالتأكيد على القيام بذلك أيضا.

وفي غياب القدرة الصناعية، تستطيع البيشمركة أيضا تعديل تقنيات يسهل الحصول عليها، مثل الطائرات المسيّرة الصغيرة أو المركبات الأرضية التي تعمل بالتحكم عن بعد، لتعزيز قدراتها في مجال الاستخبارات التكتيكية ومكافحة المدرعات.

ومن شأن بذل حكومة إقليم كردستان جهدا جديا لتطوير مثل هذه القدرات أن يساعد في التعويض عن الدعم الذي يقدمه التحالف عند الحاجة، والتخفيف من تأثير النقص الذي تعانيه البيشمركة في الأسلحة الثقيلة.

ويمكن للطائرات المسيّرة المتاحة تجاريا أن تؤدي أدوار الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع على مستوى الوحدات الصغيرة. كما أن تزويد هذه الطائرات بمتفجرات يمكن أن يمنح البيشمركة بعض القدرات المضادة للدروع والهجومية من الجو، وهي قدرات لا تعادل ما يستطيع التحالف توفيره، لكنها قد تكون كافية لمواجهة العديد من التهديدات التي تواجهها حكومة إقليم كردستان.

كما أن تصنيع المتفجرات لاستخدامها في عمليات زرعها يمكن أن يتيح لحكومة الإقليم حرمان الأعداء المتقدمين من الوصول إلى مناطق استراتيجية، على سبيل المثال، إلا أن أي جهد من هذا النوع ينبغي أن يلتزم بالمعايير الأخلاقية وأفضل الممارسات، بما يسمح بإزالة الألغام والمتفجرات بعد انتهاء النزاع.

 

الخاتمة

 

أثبتت قوات البيشمركة العراقية أنها شريك أمني موثوق للولايات المتحدة وقوة قتالية فعالة.

 وعلى الرغم من أدائها المتفاوت في بداية الحرب ضد تنظيم «الدولة الإسلامية» بين عامي 2014 و2017، فإن البيشمركة استعادت توازنها بسرعة، وتعلمت كيفية فرض تفوقها في ساحة المعركة الجديدة. وانتقلت من قوة لمكافحة الإرهاب تتألف إلى حد كبير من عناصر تفتقر إلى الخبرة القتالية، إلى قوة صلبة واندفاعية ومتحركة وقادرة على التكيف، تستطيع الاستيلاء على الأراضي والاحتفاظ بها.

وقد استمتع المستشارون الأمريكيون بالعمل مع مقاتلي البيشمركة، وتطورت بينهم علاقة تكاملية عزز فيها كل طرف قدرات الآخر. وهذه السمات تجعل البيشمركة شريكا مثاليا للولايات المتحدة.

وقد اختبرت عودة الأعمال القتالية بين حكومة إقليم كردستان والحكومة العراقية عام 2017 قوات البيشمركة مرة أخرى.

وعلى الرغم من أن الكرد قاتلوا بضراوة في نهاية المطاف، فإن انشقاق الاتحاد الوطني الكردستاني ألقى الضوء على الانقسامات الداخلية المستمرة، وعلى مشاعر عدم الثقة التي لا تزال تعاني منها حكومة إقليم كردستان عموما، والبيشمركة خصوصا.

ومن ثم، يجب أن يواصل الدعم الأمريكي الدفع باتجاه إصلاح البيشمركة، من أجل مصلحة الشراكة بين الولايات المتحدة وحكومة إقليم كردستان، وكذلك من أجل تعزيز الفاعلية العسكرية للبيشمركة. ومن دون إحراز تقدم في عملية الإصلاح، سيكون من الصعب للغاية تعميق هذه الشراكة.

هناك فرصة حقيقية لإقامة علاقات أوثق بين الولايات المتحدة وحكومة إقليم كردستان، شريطة تحقيق تقدم في عملية الإصلاح، وتوافر توافق في الظروف السياسية المعقدة للعراق ودول الجوار.

وينبغي للولايات المتحدة أن تواصل الإصرار على تحقيق تقدم حقيقي في الجهود الرامية إلى توحيد وحدات البيشمركة تحت قيادة غير حزبية. ومع إرساء القوة هيكل قيادة جديدا، ينبغي للمستشارين الأمريكيين التحقق من أن إنشاء الفرق العسكرية يؤدي إلى تغييرات حقيقية في طريقة عمل البيشمركة.

وإذا ساورتهم الشكوك، فينبغي أن يكون المستشارون الأمريكيون قادرين على التدخل في قرارات شؤون الأفراد، لضمان ترقية القادة على أساس الكفاءة والاستحقاق، وضمان عدم خضوعهم لزعماء الأحزاب.

وفي حال تحقق مثل هذا التقدم، يمكن للولايات المتحدة أن تنظر في الارتقاء بمستوى الشراكة من خلال النقل المباشر للأسلحة الثقيلة، واستئناف المخصصات المالية لرواتب أفراد البيشمركة.

وإلى جانب معالجة التهديد العسكري التقليدي الذي قد يشكله تجدد نشاط تنظيم «الدولة الإسلامية»، أو ظهور جماعات جهادية جديدة، أو قيام قوات الأمن العراقية المدعومة من إيران بشن هجوم، ينبغي أن تسهم عمليات نقل الأسلحة المستقبلية أيضا في تعزيز قدرات الدفاع الجوي لحكومة إقليم كردستان لمواجهة الخطر المتزايد الناجم عن الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

وفي الوقت نفسه، سيتعين على الولايات المتحدة أن تراعي حساسية الجانب السياسي في تعميق علاقاتها مع البيشمركة. فمن المؤكد أن بغداد وأنقرة ستبديان مخاوف إزاء تعزيز الولايات المتحدة علاقاتها مع كيان تنظران إليه بعين الريبة.

ومن المفهوم أن الولايات المتحدة مطالبة بالموازنة بين علاقاتها مع حكومة إقليم كردستان وعلاقاتها مع تركيا والحكومة العراقية. وفي الوقت نفسه، ومع ازدياد تقارب بغداد مع إيران واستمرارها في إيواء منظمات إرهابية مدعومة من إيران، قد تتدهور علاقات واشنطن مع بغداد، الأمر الذي يعزز المبررات الداعية إلى الارتقاء بالعلاقة مع أربيل.

لقد أثبتت البيشمركة أنها شريك كفؤ للولايات المتحدة، وحيثما تسمح الظروف، ينبغي لواشنطن أن تعمق هذه العلاقة.

هذه الخاتمة تضع خلاصة واضحة للدراسة: "الإصلاح المؤسسي وتوحيد البيشمركة شرط أساسي لتعميق الشراكة الأمريكية-الكردية، فيما يمثل الانقسام الحزبي أبرز نقطة ضعف استراتيجية للقوة."

 

 

عن المؤلف

إيدو ليفي زميل مشارك في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، ومرشح لنيل درجة الدكتوراه في كلية الخدمة الدولية في الجامعة الأمريكية. وهو مؤلف كتاب *جنود نهاية الأزمنة: تقييم الفعالية العسكرية لتنظيم الدولة الإسلامية*. تتركز أبحاثه على العمليات العسكرية، ومكافحة الإرهاب، والجماعات الجهادية، مع اهتمام إقليمي بالشرق الأوسط وشرق أفريقيا.

 

 شكر وتقدير

لم يكن من الممكن إنجاز هذا المشروع لولا الرؤى والمعلومات التي قدمها ضباط في قوات البيشمركة ومستشارون في قوات التحالف أجريت معهم مقابلات. وأنا أعرب لهم عن عميق امتناني. كما أتقدم بالشكر إلى مايكل ناغاتا، وماثيو سي. إيسلر، وماثيو كانسيان، وإلى كثيرين آخرين لا أستطيع ذكر أسمائهم حفاظا على سرية هوياتهم.

كما أتوجه بالشكر إلى ممثلية حكومة إقليم كردستان في واشنطن العاصمة، وإلى الممثلة السابقة بيان سامي عبد الرحمن، وديلوفان بارواري، المدير السابق للشؤون الأكاديمية والمبادرات الاستراتيجية، على مساعدتهم في المراحل الأولى من أبحاثي.

وأتقدم بشكر خاص إلى المدير التنفيذي لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، روبرت ساتلوف، ومديرة الأبحاث دانا سترول، ومستشار الأبحاث باتريك كلاوسون، لدعمهم هذا المشروع.

كما أشكر معهد الشرق الأوسط ونائب رئيس المعهد لشؤون السياسات كينيث م. بولاك، على توليه هذه الدراسة.

وأعرب عن امتناني لمايكل آيزنشتات، ومايكل نايتس، وكينيث م. بولاك، وجيسون هـ. كامبل، وغاريث ستانزفيلد، وأليستير تايلور، على ملاحظاتهم القيّمة على النسخ السابقة من هذه الدراسة.

كما أشكر ريبيكا وارتون على دعمها التحريري، وريان فارنز على إنتاج الرسومات والتصميمات.

 

*رابط نص التقرير باللغة الانكليزية مع الهوامش:

https://mei.edu/report/the-army-of-kurdistan/


12/08/2026