×

  قضايا كردستانية

  القضية الكردية بين تحديات الداخلية والتحولات الإقليمية والمصالح الدولية



تقرير حول سلسلة الجلسات الحوارية التي عقدها مركز روجآفا للدراسات الاستراتيجية

 

عقد مركز روجآفا للدراسات الاستراتيجية ثلاث جلسات حوارية عبر منصة «زوم» تناولت القضية الكردية من ثلاثة مستويات مترابطة: الجبهة الداخلية الكردية، والاستراتيجيات الدولية تجاه القضية الكردية، والمقاربات الإقليمية حيالها.

وشارك في الجلسات عدد من الباحثين والسياسيين والكتاب والحقوقيين، حيث قدم كل منهم قراءة مختلفة لطبيعة التحديات والفرص والسيناريوهات المستقبلية.

 خصصت الجلسة الأولى للحديث حول الجبهة الداخلية الكردية.. الفرص المتاحة والسيناريوهات المستقبلية

تناولت الجلسة ثلاثة محاور رئيسية:

القضية الكردية: التحديات والفرص.

الانقسامات البينية الكردية وأثرها على الخطاب الموحد.

السيناريوهات المستقبلية للقضية الكردية في ظل الصراع الدولي والإقليمي.

وشارك فيها:

-كرديار دريعي:عضو الهيئة الإدارية في مركز روجآفا للدراسات الاستراتيجية

قدم دريعي قراءة شاملة للقضية الكردية، مؤكدا أنها لا يمكن اختزالها في قضية أقلية أو ملف أمني، بل هي قضية جيوسياسية معقدة تتقاطع فيها عوامل التاريخ والجغرافيا والهوية والمصالح الإقليمية والدولية.

وركز في مداخلته على التحديات التي تواجه القضية الكردية، وفي مقدمتها استمرار المقاربة الأمنية من جانب الدول التي يتوزع فيها الكرد، والانقسام الكردي، والتحولات السريعة في سوريا والعراق وتركيا وإيران، إضافة إلى تغير أولويات القوى الدولية.

كما تناول فرص الحل السياسي، مشيرا إلى تنامي مفاهيم اللامركزية والإدارة المحلية والديمقراطية التشاركية وإصلاح بنية الدولة، بدل التركيز على تغيير الحدود. وشدد على أن نجاح أي مشروع سياسي كردي يرتبط بتعزيز الحوار الداخلي والانتقال من المنافسة الحزبية إلى التفكير الاستراتيجي وبناء رؤية كردية مشتركة.

وفي ختام مداخلته، أكد دريعي أن شكل الحل، سواء كان دولة أو فيدرالية أو إدارة ذاتية أو اندماجا ديمقراطيا، لا يمكن تحديده بمعزل عن وحدة الموقف الكردي والاستراتيجية الكردية.

 

-وليد جولي: مسؤول العلاقات في مركز الفرات للدراسات

ركز وليد جولي بصورة أساسية على الانقسامات الداخلية في الحركة الكردية وتأثيراتها على الخطاب والموقف السياسي الكردي، وربط هذه الانقسامات بالتاريخ السياسي للحركة الكردية وبالتأثيرات الإقليمية والدولية.

وأشار إلى تعدد التيارات السياسية والفكرية داخل الحركة الكردية، وما نتج عنه من اختلاف في الرؤى والمناهج، معتبرا أن هذه الانقسامات أصبحت أحد التحديات الأساسية أمام الوصول إلى موقف كردي موحد.

كما تناول مسألة المؤتمر القومي الكردستاني ومحاولات تشكيل إطار سياسي كردي جامع، مؤكدا الحاجة إلى تجاوز الخلافات الأيديولوجية والحزبية عندما يتعلق الأمر بالمصالح الأساسية للشعب الكردي.

وتوقف جولي أيضا عند تأثير القوى الإقليمية، ولا سيما تركيا، على القرار والحركة السياسية الكردية، وربط ذلك بالتطورات الجارية في المنطقة وبالمسارات السياسية الكردية المختلفة.

 

-د. رزكار قاسم:رئيس حركة التجديد الكردستاني

خصص د. رزكار قاسم مداخلته بصورة رئيسية للسيناريوهات المستقبلية في الشرق الأوسط وانعكاساتها على القضية الكردية.

واستعرض عددا من المشاريع والسيناريوهات الإقليمية والدولية، وناقش تأثير التحولات الجارية في تركيا وإيران وسوريا والعراق على مستقبل القضية الكردية.

وركز على ضرورة أن يتحول الكرد من موقع المتأثر بالسيناريوهات الدولية إلى فاعل سياسي يمتلك مشروعا واستراتيجية خاصة به، داعيا إلى عقد مؤتمر قومي كردستاني شامل يضع سياسات واستراتيجيات قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى، مع مراعاة خصوصية كل جزء من كردستان.

كما شدد على أن الانقسامات والسياسات الحزبية تمثل عائقا أمام تحقيق الطموحات الكردية، داعيا إلى تبني فكر وطني كردستاني وإعادة النظر في أداء الحركة السياسية الكردية، بحيث لا يتحول الكرد إلى أدوات في مشاريع القوى الكبرى أو الإقليمية.

وتناول كذلك الشراكة السياسية في سوريا، مميزا بين مفهوم الاندماج ومفهوم الشراكة الحقيقية، ومشيرا إلى أهمية تثبيت الحقوق الكردية دستوريا في أي صيغة مستقبلية للدولة السورية.

 

الجلسة الثانية: القضية الكردية في الاستراتيجيات الدولية

 

خصصت الجلسة الثانية لدراسة مواقف القوى الدولية، وجاءت محاورها:

-الاستراتيجية الأمريكية حيال القضية الكردية.

-الاستراتيجية الروسية حيال القضية الكردية.

-الموقف الأوروبي والصيني من القضية الكردية.

 

-كرديار دريعي :عضو الهيئة الإدارية في مركز روجآفا للدراسات الاستراتيجية :

تناول كرديار دريعي السياسة الأمريكية تجاه القضية الكردية، مشيرا إلى أن واشنطن لم تتعامل تاريخيا مع القضية باعتبارها مشروعا سياسيا مستقلا لتقرير المصير، وإنما باعتبارها عاملا ضمن حسابات الأمن والنفوذ والمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.

واستعرض مراحل مختلفة من السياسة الأمريكية، من الحرب الباردة إلى مرحلة ما بعد سقوط نظام صدام حسين، وصولا إلى الحرب ضد داعش والعلاقة مع القوى الكردية في العراق وسوريا.

وخلص إلى عدم وجود مشروع أمريكي معلن لإقامة دولة كردية أو فرض حل شامل للقضية، مع وجود تعاون ودعم للقوى الكردية عندما تتقاطع مصالحها مع الاستراتيجية الأمريكية. كما شدد على ضرورة ألا تعتمد الحركة الكردية بصورة كاملة على القوى الدولية، بل أن تمتلك مشروعا كرديا واضحا وموقفا موحدا.

 

شكري شيخاني: عضو المجلس العام لمجلس سوريا الديمقراطية :

تناول شكري شيخاني، عضو المجلس العام لمجلس سوريا الديمقراطية ورئيس التيار السوري الإصلاحي، المقاربة الروسية تجاه القضية الكردية.

وركز شيخاني على الطبيعة البراغماتية للسياسة الروسية، معتبرا أن موسكو تتعامل مع القضية الكردية وفق مصالحها وعلاقاتها مع القوى الإقليمية.

وتطرق إلى الموقف الروسي من تجربة جمهورية مهاباد، وإلى علاقة موسكو بالأنظمة العراقية والسورية والإيرانية، معتبرا أن السياسة الروسية تجاه الكرد تأثرت على الدوام بعلاقاتها مع هذه الدول.

كما تناول السياسة الروسية في سوريا، ورأى أن موسكو تميل إلى التعامل مع الطرف الأقوى في أي معادلة، وأن أولوياتها ترتبط بمصالحها الاستراتيجية، بما فيها الحفاظ على نفوذها وقواعدها وعلاقاتها مع دمشق.

وخلص إلى أهمية وجود مرجعية كردية موحدة قادرة على حماية المصالح الكردية بعيدا عن أجندات القوى الدولية والإقليمية.

 

-شورش درويش الكاتب والباحث السياسي:

تناول الكاتب والباحث السياسي شورش درويشالموقف الأوروبي والصيني تجاه القضية الكردية.

وفي الشق الأوروبي، أوضح أن الحديث عن «استراتيجية أوروبية موحدة» تجاه الكرد قد يكون مضللا، نظرا لاختلاف مواقف الدول الأوروبية، مشيرا إلى الفوارق بين المواقف الفرنسية والبريطانية والألمانية ودول شمال أوروبا.

وركز درويش على التناقض بين خطاب حقوق الإنسان والقيم الأوروبية من جهة، والمصالح الاقتصادية والسياسية والعلاقات مع دول المنطقة من جهة أخرى، معتبرا أن المصالح التجارية كثيرا ما تحدد مستوى الدعم الأوروبي للقضية الكردية.

كما تناول الموقف الأوروبي من الكرد في سوريا وتركيا وإيران، وأشار إلى أن الدعم الأوروبي للكرد غالبا ما يكون مشروطا بعدم الإضرار بعلاقات أوروبا مع القوى الإقليمية، وأن القوى الغربية تميل حاليا إلى معالجة القضية الكردية ضمن حدود الدول القائمة.

وفيما يتعلق بالصين، وصف درويش موقفها بأنه أكثر تحفظا، موضحا أن بكين تفضل التعامل مع الحكومات المركزية، وتعتمد بصورة أكبر على القوة الناعمة والعلاقات الاقتصادية والتنموية، مع تجنب اتخاذ مواقف سياسية حادة بشأن القضية الكردية.

 

الجلسة الثالثة: المقاربات الإقليمية حيال القضية الكردية

 

خصصت الجلسة الثالثة للمقاربات الإقليمية، وتضمنت ثلاثة محاور:

-مقاربات العمق العربي حيال القضية الكردية بين دمشق وبغداد.

-المقاربة الإيرانية حيال القضية الكردية.

-المقاربة التركية حيال القضية الكردية.

 

-كرديار دريعي عضو الهيئة الإدارية في مركز روجآفا للدراسات الاستراتيجية :

تناول كرديار دريعي المقاربة العربية تجاه القضية الكردية، مع التركيز على سوريا والعراق.

وأوضح أن التعامل التاريخي مع القضية الكردية في البلدين اتسم بدرجة كبيرة بالنظر إليها من زاوية أمنية وسياسية، بدل التعامل معها باعتبارها قضية حقوق قومية وحقوق شعب.

وفي الحالة السورية، أشار إلى سياسات الإنكار والتعريب والحرمان من الجنسية والقيود المفروضة على اللغة والحركة السياسية الكردية.

أما في العراق، فتناول خصوصية التجربة العراقية نتيجة الثقل السياسي والديمغرافي الكردي، والثورات الكردية، وصولا إلى الحكم الذاتي والفيدرالية، معتبرا أن كثيرا من المكتسبات الكردية ارتبطت بتغير موازين القوى والظروف الدولية والإقليمية.

كما قارن بين المقاربات الأمنية والعسكرية والسياسية والاقتصادية لكل من دمشق وبغداد، وخلص إلى أن استمرار الدولة المركزية والذهنية الإقصائية لا يوفر حلا مستداما للقضية الكردية.

وشدد في نهاية مداخلته على أن قوة الشعب الكردي وتماسك قواه السياسية، وعقد مؤتمر وطني كردستاني، وبناء استراتيجية واضحة، ستكون عوامل أساسية في قدرة القضية الكردية على فرض نفسها ضمن خريطة النفوذ الجديدة في الشرق الأوسط.

 

-د. محمود عباس، الكاتب والباحث الكردي:

خصص د. محمود عباس، الكاتب والباحث الكردي، مداخلته لدراسة السياسة الإيرانية تجاه القضية الكردية، وخاصة خلال عهد نظام ولاية الفقيه.

استعرض عباس تطور المقاربة الإيرانية منذ العهد البهلوي وتجربة جمهورية مهاباد، ثم توقف عند مرحلة ما بعد الثورة الإيرانية عام 1979، موضحا أن المطالب الكردية في بدايتها ركزت على الحكم الذاتي والحقوق السياسية والثقافية ضمن إيران، قبل أن تتحول العلاقة إلى صراع مسلح وأمني.

كما تناول الاغتيالات التي طالت قيادات كردية إيرانية، والسياسات الأمنية والعسكرية والاقتصادية تجاه المناطق الكردية، إضافة إلى تهميش التنمية والاقتصاد والبنية التحتية.

ورأى أن السياسة الإيرانية تجاه الكرد تتقاطع في بعض جوانبها مع السياسات التركية والعراقية والسورية، خصوصا في مسألة منع الكرد من التحول إلى قوة سياسية مستقلة أو امتلاك نموذج حكم ذاتي ناجح.

وخلص عباس إلى ضرورة تطوير مشروع كردي ديمقراطي ومنظم يربط الحقوق القومية بالديمقراطية، واللغة بالتنمية، والسياسة بالمؤسسات، مع طرح اللامركزية والفيدرالية كصيغ دستورية لحماية الحقوق والشراكة.

 

-د. خالد جبر، الباحث السياسي والحقوقي:

تناول د. خالد جبر، الباحث السياسي والحقوقي، المقاربة التركية تجاه القضية الكردية.

وركز على التاريخ الطويل للعلاقة بين الدولة التركية والحركة الكردية، بدءا من تأسيس الجمهورية التركية، مرورا بالثورات الكردية والسياسات الأمنية، وصولا إلى سياسات العقود الأخيرة.

وتناول جبر ما وصفه باستمرار سياسات الإنكار والمقاربة الأمنية تجاه الكرد، مشيرا إلى تأثير هذه السياسات في مختلف أجزاء كردستان، وليس في شمال كردستان فقط. كما تطرق إلى التدخلات التركية في سوريا والعراق والعلاقات مع إيران فيما يتعلق بالملف الكردي.

وأكد أن المقاربة التركية بقيت في جوهرها أمنية، وأن القضية الكردية لم تعالج من خلال مسار سياسي مستدام يضمن حقوق الكرد، معتبرا أن استمرار هذه السياسة يؤدي إلى إعادة إنتاج الصراع بدل الوصول إلى حل سياسي.

 

خلاصة عامة للجلسات الثلاث

 

تكشف الجلسات الثلاث، بمشاركة كرديار دريعي، وليد جولي، د. ريزكار قاسم، شكري شيخاني، شورش درويش، د. محمود عباس، ود. خالد جبر، عن ترابط وثيق بين ثلاثة مستويات في القضية الكردية: قوة الجبهة الداخلية، ومواقف القوى الدولية، وسياسات الدول الإقليمية.

ويظهر من مجمل المداخلات أن المشاركين، رغم اختلاف زوايا النظر بينهم، التقوا حول عدد من النقاط الأساسية، أبرزها:

-أن القضية الكردية تجاوزت منذ زمن طويل إطار القضية الأمنية أو قضية الحقوق الثقافية المحدودة.

-أن الانقسام الكردي يمثل أحد أبرز العوائق أمام بناء استراتيجية مشتركة.

-أن القوى الدولية تتعامل مع القضية الكردية بدرجة كبيرة وفق مصالحها الاستراتيجية، وليس بالضرورة وفق مشروع ثابت لحلها.

-أن تركيا وإيران وسوريا والعراق ما زالت تتعامل بدرجات مختلفة مع القضية الكردية من خلال اعتبارات الأمن ووحدة الدولة والمركزية.

-أن التحولات الحالية في الشرق الأوسط تفتح فرصا جديدة، لكنها في الوقت نفسه تحمل مخاطر على المكتسبات الكردية.

-أن الحوار الداخلي الكردي، وتوحيد الرؤية، وعقد مؤتمر قومي كردستاني، وبناء استراتيجية مشتركة تمثل أبرز الشروط التي تكررت في الجلسات لتعزيز قدرة الكرد على التأثير في مستقبل المنطقة.

-وبذلك قدمت الجلسات الثلاث قراءة متعددة المستويات للقضية الكردية، انتقلت من البيت الكردي الداخلي إلى حسابات القوى الدولية ثم إلى مقاربات الدول الإقليمية، في محاولة لفهم موقع القضية الكردية في التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط واستشراف المسارات الممكنة أمامها.


23/08/2026