**هورين حسن-صحفية من قاميشلو
مع طي مدينة قامشلو لصفحة قرنها الأول وتأهبها لدخول القرن الثاني، يتضح أن الرهان على عامل الوقت لتناسي جراح "الإحصاء الاستثنائي" و"الحزام العربي" هو رهان فاشل تماماً؛ فالأزمة لم تعد مجرد إرث تاريخي يخص الرعيل الأول، بل تحولت إلى عبء ثقيل وهوية قلقة يتوارثها جيل الشباب اليوم في الجزيرة السورية.
إن ترحيل هذه القضايا الساخنة وتجميدها خوفاً من اهتزاز التحالفات العسكرية أو التوازنات العشائرية الهشة لن يخدم السلم الأهلي، بل يؤجل الانفجار فقط.
لا تبدو العدالة الانتقالية في هذا التوقيت ترفاً فكرياً أو تصفية حسابات قومية، بل هي الأداة القانونية والسياسية الوحيدة لتجنيب الأجيال القادمة صراعاً عقارياً واجتماعياً ممتداً، وتحويل هذه المئوية إلى نقطة انطلاق لتأسيس عقد اجتماعي جديد قائم على المواطنة الكاملة والإنصاف.
قرن من التنوع والتحدي الديموغرافي
تأسست قامشلو في عشرينيات القرن الماضي كنموذج فريد للتعدد القومي والديني، يجمع الكرد، السريان، الآشور، الأرمن، والعرب.
لكن هذا النسيج واجه طعنات بنيوية متتالية تمثلت أولها في "الإحصاء الاستثنائي" لعام 1962 في محافظة الحسكة، والذي جرد بلمحة بصر عشرات آلاف الكرد السوريين من جنسيتهم، ليتحولوا إلى "أجانب" و"مكتومي قيد" محرومين من أبسط الحقوق المدنية كالملكية والتعليم العالي والتوظيف.
ولم تكد جراح الإحصاء تهدأ حتى أُطلق مشروع "الحزام العربي" في السبعينيات وبموجبه مصادرة الأراضي الزراعية الخصبة من المزارعين الكرد على طول شريط حدودي بعمق 10-15 كم، وتوطين عائلات عربية "الغمر" جُلبت من مناطق غمرتها مياه سد الفرات، مما خلق شروخاً ديموغرافية واجتماعية عميقة عجزت عقود التعايش الهش عن ترميمها.
الهروب إلى الأمام: ثلاث قوى في فخ المماطلة والتحالفات الهشة
مع تبدل خارطة السيطرة السياسية والعسكرية في شمال وشرق سوريا بعد عام 2011، تحولت هذه الملفات القديمة إلى استحقاق راهن يضع السلطات الحالية والفاعلين السياسيين في مأزق بنيوي عميق، نظراً لتصادم مصالحهم ورؤاهم على الأرض:
1- الإدارة الذاتية الديمقراطية "بين المبدأ الإيديولوجي وحسابات الاستقرار": تواجه الإدارة الذاتية المأزق الأكبر؛ فهي تتبنى خطاباً قائماً على فلسفة "أخوة الشعوب" والتعددية القومية، ممّا يلزمها أخلاقياً بإنصاف الكرد.
لكنها تصطدم بالواقع العشائري المعقد؛ فالمساس بأراضي الحزام وإخلاء عائلات "الغمر" قد يفجر صراعاً قومياً وعشائرياً.
ونظراً لأن قوات سوريا الديمقراطية تعتمد في تثبيت جبهاتها وحربها على الاستقرار على تحالفات وثيقة مع عشائر عربية كبرى، فإن فتح ملف الملكيات العقارية بشكل راديكالي قد يهدد هذا الحلف الإستراتيجي، ممّا جعل الإدارة تتبع سياسة الخطوات الحذرة وتجميد النزاعات تلافياً لصدام داخلي.
2- المجلس الوطني الكردي (ENKS) "التمسك بالشرعية ومأزق غياب أدوات التنفيذ": يرى المجلس أن تفكيك آثار إحصاء 1962 وإلغاء مفاعيل "الحزام العربي" هي قضايا سيادية غير قابلة للمساومة، ويضعها كشرط أساسي لأي حل سياسي أو مفاوضات مستقبلية، مطالباً بالإخلاء الفوري للأراضي وإعادتها لأصحابها الكرد بموجب وثائق التمليك التاريخية (التحجير والطابو القديم).
لكن مأزق المجلس يكمن في افتقاره للسلطة التنفيذية والأدوات العسكرية على الأرض لتطبيق هذه الرؤية، مما يجعل خطابه محصوراً في الإطار النظري والإعلامي تحت ضغط الشارع الكردي.
3- الحكومة السورية في دمشق "المناورة السياسية ومبدأ المواطنة المنقوصة": تظل دمشق لاعباً قانونياً أساسياً رغم انكفائها الميداني.
تكتيكياً، أصدرت دمشق المرسوم" 49" لعام 2011 لمنح الجنسية لـ "أجانب الحسكة" لامتصاص النقمة الكردية مع بداية الحراك الشعبي، لكن الخطوة بقيت منقوصة مع بقاء آلاف "مكتومي القيد" بلا هوية نتيجة البيروقراطية وتوقف لجان القيد.
وفي المقابل، ترفض دمشق تماماً مراجعة ملف "الحزام العربي"، وتعتبر السجلات الممنوحة لعائلات "الغمر" بمثابة عقود انتفاع قانونية ناتجة عن قوانين "الإصلاح الزراعي"، ممّا يغلق الباب أمام أي مسار عدالة انتقالية ينطلق من المركز.
حرب الوثائق: لغم الملكية المزدوجة والمراسيم المقيدة
إن العقدة الأكثر تشابكاً وحساسية في ملف العدالة الانتقالية بالجزيرة السورية لا تكمن في الخطاب السياسي، بل في البنية القانونية العقارية لخط الحزام العربي، حيث تبرز حالة معقدة منالملكية المزدوجة:
- صراع السجلات والوثائق: يمتلك المزارعون الكرد وثائق تمليك تاريخية (سجلات طابو قديمة، قرارات تحجير تعود لفترة التأسيس وما قبل السبعينيات).
وفي المقابل، يمتلك أبناء المكون العربي "الغمر" عقود انتفاع وسجلات ملكية رسمية صادرة عن "مديريات الإصلاح الزراعي" التابعة للدولة السورية بعد مصادرة تلك الأراضي.
قانونياً، كلا الطرفين يمتلك "وثيقة رسمية" صادرة عن سلطة دولة، ممّا يخلق تقاطعاً يعجز القضاء التقليدي عن حله.
-سلطة المراسيم الاستثنائية والتمييزية: زاد المشرّع السوري من تعقيد المشهد بإصدار ترسانة من القوانين المقيدة للملكية في محافظة الحسكة تحت ذريعة حماية الأمن القومي بالمناطق الحدودية، وأبرزها المرسوم التشريعي رقم 49 لعام 2008 (وتعديلاته)، والذي يفرض موافقات أمنية مسبقة ومعقدة لعمليات البيع و الشراء، أو الرهن العقاري.
هذا المرسوم استُخدم عملياً كأداة لشل الحركة الاقتصادية والعقارية للمواطنين الكرد، وجعل تثبيت الملكيات أمراً شبه مستحيل قانونياً للكثيرين.
- تحدي القضاء العقاري المختص: إن تفكيك هذه الترسانة يتطلب ما يسمى في أدبيات العدالة الانتقالية بـ"القضاء العقاري الاستثنائي التطهيري"؛ وهو قضاء لا ينظر في الأوراق الحالية فحسب، بل يمتلك الصلاحية الدستورية لإبطال المراسيم الاستثنائية ذات الصبغة التمييزية، وإعادة تقييم شرعية المصادرات التي تمت بناءً على خلفيات قومية، مع الحفاظ على حقوق الأفراد في التعويض العادل من قبل سلطة قضائية عليا ومستقلة.
خطوط الصدع الممتدة: النزاع الموروث وقلق الأجيال الشابة
هذا المأزق القانوني والسياسي يلقي بظلاله مباشرة على جيل الشباب اليوم في قامشلو، حيث لم تعد القضية مجرد صراع على أوراق، بل أزمة هوية ومستقبل ممتدة:
- أزمة الهوية والاندماج للشباب الكرد: يعيش الشباب الكرد إحباطاً مستمراً جراء حرمانهم من إرث أجدادهم وأراضيهم التاريخية، فضلاً عن الآثار النفسية والاجتماعية الممتدة لسنوات التجريد من الجنسية التي حرمتهم لسنوات طويلة من التعليم الجامعي والسفر والتوظيف، ممّا خلق لديهم شعوراً مزمناً بالاغتراب داخل وطنهم وأنتج فجوات تنموية واقتصادية متوارثة.
- قلق الاستقرار لشباب الغمر: في المقابل، يعيش شباب المكون العربي "الغمر" تحت تهديد دائم وقلق نفسي من فكرة "التهجير المضاد" أو فقدان الاستقرار الاقتصادي والسكني الذي بنيت عليه حياة عائلاتهم منذ خمسين عاماً، دون أن يكون لهم ذنب مباشر في السياسات التمييزية التي اتخذتها الحكومات السابقة، ممّا يهدد بنقل النزاع التاريخي إلى الأجيال الشابة وتعميق الشرخ المجتمعي.
جراحة العدالة الانتقالية: تفكيك لغم القرن بأربعة مسارات سيادية
لتفكيك هذه الأزمات المتراكمة وبناء سلام مستدام، يتطلب مسار العدالة الانتقالية في سياق قامشلو والجزيرة السورية العمل على أربعة مسارات متكاملة:
1-كشف الحقيقة والاعتراف الرسمي: تشكيل لجان حقيقة وطنية ومستقلة مدعومة بخبراء قانونيين وممثلين عن كافة المكونات (كرد، عرب، سريان وآشور) لتوثيق الأضرار المادية والمعنوية، مع إصدار إعلان رسمي وشجاع من السلطات يقر بالانتهاكات الممنهجة التي تعرض لها الكرد والمكونات الأخرى كجرائم تمييز ديموغرافي.
2-معادلة الإنصاف الثنائي للأرض: إعادة الحقوق والملكيات والأراضي الخصبة لأصحابها الأصليين من المزارعين الكرد، بالتوازي مع تأسيس صندوق تعويضات عقارية ومالية لإيجاد حلول إنسانية وقانونية عادلة ومستدامة (كأراضٍ بديلة أو تعويضات مجزية) لعائلات "الغمر"، لضمان عدم خلق مظلومية جديدة أو تهجير مضاد يذكي الفتنة.
3- المواطنة الكاملة والتعويض التنموي: تصفية شاملة لآثار إحصاء 1962 ومنح الجنسية الكاملة وبأثر رجعي لكل من حُرم منها (تثبيت قيود مكتومي القيد نهائياً)، بالتوازي مع وضع خطط تنموية خاصة بمحافظة الحسكة لتعويض عقود التهميش الخدمي والاقتصادي الممنهج الذي فُرض عليها كعقوبة جماعية.
4- إصلاح المؤسسات والمصالحة المجتمعية: إلغاء كافة القوانين والمراسيم الاستثنائية والتمييزية (وفي صدارتها مرسوم الحدود 49 لعام 2008)، وإصلاح المناهج والخطاب الإعلامي ليعكس التعددية، والانتقال بالمجتمع المحلي إلى السلم المستدام القائم على الشراكة السياسية الحقيقية وتخليد الذاكرة الجماعية لضحايا السياسات الديموغرافية لضمان عدم تكرارها.
المواجهة المؤجلة أم الإنصاف الشامل
تضع المئوية الأولى لمدينة قامشلو كافة القوى الفاعلة على الأرض—من إدارة ذاتية، ومجلس كردي، وحكومة مركزية—أمام مرآة مسؤولياتها التاريخية والأخلاقية، وتثبت أن غض الطرف عن جراح"الإحصاء الاستثنائي" و"الحزام العربي" لم يعد خياراً مستداماً.
إن تفكيك ترسانة المراسيم التمييزية، ومعالجة معضلة الملكية المزدوجة عبر قضاء عقاري مستقل، وإعادة الحقوق لأصحابها الأصليين بالتوازي مع إنصاف عائلات "الغمر" دون خلق مظلوميات جديدة، ليست مجرد مطالب قومية، بل هي الشروط الموضوعية الوحيدة لبناء سلام مستدام وتأمين مستقبل جيل الشباب.
إن العبور الشجاع نحو مسار شامل للعدالة الانتقالية هو الجسر القانوني والأخلاقي الوحيد الذي سيعبر بـقامشلو من قرنٍ محكوم بالإقصاء والتوجس، إلى قرن جديد يرسخ مكانتها الحقيقية؛ عاصمة للتعددية، والشراكة السياسية الكاملة، والمواطنة المستدامة.