*عماد أحمد
*الترجمة: نرمين عثمان محمد
لم يكن سقوط نظام البعث في سوريا مجرد تغيير لرئيس، بل كان نهاية لمرحلة كتبت على مدى عقود بالخوف والسجون والدم ومحو الهويات. لكن سقوط الدكتاتورية لا يعني ولادة الديمقراطية؛ لأن إسقاط السلطة أسهل بكثير من إعادة بناء الدولة.
كان البعث في العراق وسوريا، رغم الاختلاف والانقسام بين ما كان يسمّى باليسار واليمين، في جوهره نظاما واحدا شموليا وقمعيا. ففي كلا البلدين، أصبح الحزب دولة، والرئيس قانونا، والأجهزة الأمنية لغة السلطة ويدها. لكن نهاية هذين النظامين لم تأتِ بالطريقة نفسها: ففي العراق، أسقط الهجوم المباشر للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها سلطة صدام حسين؛ أما في سوريا، فقد أنهت الحرب الأهلية، ونضال الشعب، وصعود المعارضة، وضعف حلفاء بشار الأسد، وتغيّر موازين القوى، النظام.
والدرس العراقي لسوريا الجديدة واضح: إذا حلّ الانتقام محل العدالة، وإذا ألغت الأغلبية حقوق الأقليات، وإذا ضعفت المؤسسات الوطنية، فإن الدكتاتورية القديمة ستعود بوجه جديد. والخطر الأكبر لا يكمن فقط في بقايا البعث، بل يظهر أيضا في إعادة إنتاج عقلية البعث تحت راية وشعارات واسم جديد.
إذا أراد أحمد الشرع أن يكون رجل دولة في سوريا الجديدة، فعليه أن يتجاوز حدود قيادة مجموعة. والاختبار الحقيقي له يكمن في كيفية تعامله مع الكورد والعلويين والمسيحيين والدروز وسائر المكونات. فسوريا الجديدة لا تبنى بتغيير العلم واسم الرئيس، وإنما بدستور يجعل المواطنة أساسا للحقوق والمسؤوليات، ويقيّد السلطة بالقانون.
وفي المقابل، أدى مظلوم عبدي وقوات سوريا الديمقراطية «قسد» دورا مهما في الحرب ضد داعش، وقدّموا تضحيات كبيرة. ولا ينبغي نسيان هذه التضحيات عند رسم خريطة مستقبل سوريا. فالكورد مكوّن أصيل من مكونات سوريا، ولهم حقوقهم القومية واللغوية والثقافية والسياسية. ولا ينبغي ربط هذه الحقوق بوعود مؤقتة أو بحسن نية قائد ما؛ بل يجب ضمانها في الدستور والقوانين والمؤسسات.
وكان اتفاق 10 آذار/مارس 2025 بين أحمد الشرع ومظلوم عبدي فرصة للانتقال من الصراع العسكري إلى الحوار السياسي. أما حلّ «قسد» واكتمال عملية دمج قواتها في الجيش السوري في 25 آب/أغسطس 2026، فهو مرحلة جديدة من هذه العملية؛ لكنه لا يعني نهاية القضية الكوردية. فحلّ قوة عسكرية شيء، وحلّ قضية حقوق وهوية شعب قومي شيء آخر. وإذا توحّدت الأسلحة، لكن لم تتساو الحقوق، فلن تحلّ المشكلة؛ وإنما ستنتقل من الميدان العسكري إلى ساحة الدستور والسياسة.
إن وحدة الأراضي السورية أمر ضروري، لكن الوحدة الوطنية في سوريا لا تبنى بالقوة ولا بالمركزية المفرطة. فالدولة القوية ليست تلك التي تجمع كل السلطات في دمشق، بل تلك التي تحمي حقوق جميع المكونات، وتجعل من الاختلافات مصدرا للثراء، لا ذريعة للقمع. سوريا بحاجة إلى دولة واحدة، لا إلى فرض هوية واحدة.
إن التغيّرات في سوريا لها تأثير مباشر في العراق؛ لأن أمن البلدين مرتبط بعضهما ببعض من خلال الحدود، والتركيبة الاجتماعية، ومخاطر الإرهاب. وإذا اتجهت سوريا الجديدة نحو دولة عادلة ومستقرة، فإنها تستطيع الحد من خطر عودة داعش، وتهريب الأسلحة، وموجة جديدة من النزوح، وفتح أبواب التجارة والتعاون الإقليمي. أما إذا تعمّقت الانقسامات القومية والمذهبية، فإن موجات الاضطراب لن تتوقف عند حدود سوريا، بل ستنتقل إلى العراق.
كما أن طريقة معالجة القضية الكوردية في سوريا ستكون لها آثار سياسية ونفسية على العلاقة بين إقليم كوردستان وبغداد. فالاعتراف بالتعددية والحقوق الدستورية يمكن أن يشجّع العراق على تعزيز تجربته الفيدرالية؛ بينما يؤدي القمع والمركزية المفرطة إلى زيادة الضغوط والخلافات في المنطقة. ولذلك، فإن مستقبل سوريا بالنسبة إلى العراق ليس مجرد قضية تتعلق بدولة جارة، بل هو جزء من أمنه الوطني وتوازنه السياسي.
كما تنظر القوى الدولية والإقليمية إلى مستقبل سوريا وفقا لمصالحها الخاصة. فالولايات المتحدة الأمريكية وتركيا وإيران وإسرائيل وروسيا والدول العربية، ليست أيٌّ منها جهة خيرية تتحرك من دون مصالح. ففي السياسة الدولية لا توجد تحالفات دائمة؛ بل توجد مصالح دائمة. ولذلك، لا ينبغي للكورد أن يربطوا مصيرهم بوعود قوة خارجية واحدة. فالوحدة الداخلية، والحوار الكوردي-الكوردي، والتوصل إلى اتفاق دستوري مع دمشق، هي أقوى دعامة لحقوق الكورد.
ويمكن لإقليم كوردستان أن يكون مساهما في هذه العملية من خلال الوساطة ونقل تجربته. والدرس المستفاد من علاقة الإقليم ببغداد هو أن الحق الذي لا تكون له جذور في الدستور والمؤسسات يصبح عرضة للخطر مع كل تغيير في موازين القوى؛ كما أن السلطة المحلية، إذا لم تحمى بالوحدة والشفافية وحسن الإدارة، تضعف من الداخل.
إن نجاح سوريا الجديدة لا يقاس بمن سيطر على دمشق، بل بما إذا كان جميع السوريين يرون أنفسهم في دستور الدولة ومؤسساتها أم لا. فالدكتاتورية تسقط بالقوة، لكن الديمقراطية تبنى بالتوافق والثقة والعدالة. وإذا لم يشعر الكورد وسائر المكونات في سوريا الجديدة بأنهم شركاء وأصحاب وطن، فإن البعث يكون قد سقط، لكن عقلية البعث ستظل قائمة.