×

  سوريا و الملف الکردي

  من «الدفاع عن سوريا» إلى «بناء سوريا»..



قسد تطوي مرحلة عسكرية استمرت 11 عاما وتبدأ مرحلة جديدة

انتقلت مهمة قسد من قوة تأسست قبل نحو 11 عاما في ذروة الثورة السورية لمواجهة داعش، من “مرحلة الدفاع عن سوريا” إلى “مرحلة بناء سوريا”، بعد أن مرت بمراحل التأسيس والتوسع العسكري والتحالف مع المجتمع الدولي ومواجهة الهجمات التركية، ثم التفاوض مع دمشق، وصولا إلى الاندماج ضمن ألوية الجيش السوري.

منذ بدء الثورة السورية عام 2011، ودخول البلاد مرحلة متشابكة من الانقسام السياسي والعسكري، وتوسع التدخلات الإقليمية والدولية وتعدد القوى المسلحة وتباين أجنداتها، أدى ذلك إلى تفكك المشهد الميداني واتساع رقعة الصراع، بالتزامن مع تراجع الشعارات السياسية الأولى للثورة السورية، وتصاعد العنف والدمار وانتشار التنظيمات المتطرفة، وفي مقدمتها مرتزقة داعش، التي توسعت في مناطق واسعة من سوريا والعراق بين عامي 2013 و2015.

وفي خضم هذا المشهد، ظهر في شمال وشرق سوريا مشروع عسكري قائم على فكرة “التعدد المكوناتي” والعمل المشترك بين فصائل كردية وعربية وسريانية، وصولا إلى الإعلان عن تشكيل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في 10 تشرين الأول 2015.

 

التأسيس..10 تشرين الأول 2015

في 10 تشرين الأول 2015، أعلنت ثماني فصائل عسكرية، خلال مؤتمر صحفي، تشكيل قوات سوريا الديمقراطية، بعد سلسلة اجتماعات بين قوى عسكرية كردية وعربية وسريانية هدفت إلى توحيد الجهود العسكرية في مواجهة مرتزقة داعش وباقي التهديدات.

وجاء الإعلان في وقت كان فيه نفوذ داعش يتوسع في سوريا والعراق، خصوصا خلال عامي 2014 و2015، بينما كانت الفصائل السورية تعاني من الانقسام وتعدد الولاءات، بالتوازي مع تصاعد التدخلات الإقليمية والدولية في الملف السوري.

وأكدت القوات منذ لحظة إعلانها أن هدفها يتمثل في بناء سوريا ديمقراطية تقوم على المساواة والعدالة، من دون إقصاء أي مكون.

وضمت اجتماعات التأسيس خلال عام 2015 كلا من وحدات حماية الشعب ((YPG، ووحدات حماية المرأة (YPJ)، وقوات الصناديد، وتجمع ألوية الجزيرة، والتحالف العربي السوري، والمجلس العسكري السرياني، وجيش الثوار، وغرفة عمليات بركان الفرات.

وأفضت هذه الاجتماعات إلى تشكيل مظلة عسكرية موحدة هدفها تنسيق الجهود الميدانية ومواجهة مرتزقة داعش، في ظل ما وصف آنذاك بـ “الفراغ الأمني” في شمال وشرق سوريا بعد طرد قوات النظام البعثي.

 

النظام الداخلي والهيكل العسكري

في 25 كانون الثاني 2016، عقد أول اجتماع للمجلس العسكري لقوات سوريا الديمقراطية، وتم خلاله إقرار النظام الداخلي وتشكيل المجلس العسكري بوصفه هيئة عليا.

وفي 26 كانون الأول 2016، أقرت قوات سوريا الديمقراطية نظامها الداخلي، الذي وضع الأسس التنظيمية والهيكلية للقوات وحدد آليات القيادة والإدارة العسكرية.

ومع تطور القوات، جرى تشكيل وحدات متخصصة، شملت القوات الخاصة عام 2018، وقوات مكافحة الإرهاب عام 2018، وقوات التدخل السريع عام 2019، والاستخبارات العسكرية عام 2019، وإزالة الألغام عام 2020، وقوات التدخل الجوي عام 2024.

كما أنشأت قوات سوريا الديمقراطية، بحسب بياناتها، عشرات الأكاديمية العسكرية بين عامي 2017 و2025، بهدف تأهيل المقاتلين فكريا وعسكريا وتطوير قدراتهم القتالية، فيما وصل عدد المقاتلين الذين مروا بهذه الأكاديميات إلى أكثر من 100 ألف مقاتل ومقاتلة، وفق تصريحات قيادات في قوات سوريا الديمقراطية لوكالة أنباء هاوار.

 

البداية العسكرية ضد داعش

بعد أسابيع من تأسيسها، أطلقت قوات سوريا الديمقراطية في 30 تشرين الاول عام 2015 أولى عملياتها العسكرية ضد مرتزقة داعش في ريف الحسكة الجنوبي، ولا سيما في منطقة الهول.

وخاضت القوات معركة تحرير سد تشرين بتاريخ 26 كانون الأول من العام ذاته، التي شكلت نقطة تحول استراتيجية في مسار العمليات العسكرية شمال سوريا.

وخلال عام 2016، توسعت العمليات العسكرية إلى ريف كوباني الجنوبي وريف منبج.

 

2016..معركة منبج

في بداية حزيران 2016، بدأت قوات سوريا الديمقراطية معركة منبج ضد مرتزقة داعش، وانتهت بتحرير المدينة، التي عدّت من أهم العمليات العسكرية لقطع خطوط إمداد داعش باتجاه الحدود التركية.

 

2017–2018..معركة الرقة

بين عامي 2017 و2018، قادت قوات سوريا الديمقراطية، بدعم من التحالف الدولي، عملية تحرير الرقة، التي كانت تمثل مركز ثقل رئيسيا لمرتزقة داعش في سوريا.

 

2018–2019..معارك دير الزور

خلال عامي 2018 و2019، خاضت قوات سوريا الديمقراطية معارك في ريف دير الزور الشرقي والشمالي، وانتهت العمليات بإعلان القضاء على آخر جيوب مرتزقة داعش في المنطقة بتاريخ الـ 23 من آذار عام 2019.

وفي عام 2019، انتهت العمليات العسكرية الكبرى ضد داعش، لتدخل قوات سوريا الديمقراطية مرحلة جديدة تمثلت بصورة أساسية في مكافحة خلايا مرتزقة داعش النائمة.

 

الجغرافيا العسكرية

في ذروة انتشارها، غطت قوات سوريا الديمقراطية مناطق قدرت بنحو 30% من مساحة سوريا، وتوزعت مناطق انتشارها على الجزيرة والفرات ودير الزور.

وشملت مجالسها العسكرية “الرقة، ومنبج، والطبقة، وكوباني، وقامشلو، والحسكة، والهول، والشدادي، وسري كانيه، وعامودا، وديرك”.

وفي عام 2026، عادت القوات التي قدمت نحو 13 ألف شهيد وأصيب أكثر من 24 من مقاتليه، إلى المناطق الكردية بعد التطورات العسكرية التي شهدتها البلاد وهجمات فصائل الحكومة الانتقالية السورية والفصائل المدعومة من تركيا.

 

عفرين..أولى الهجمات التركية

في 20 كانون الثاني 2018، بدأت تركيا ومرتزقتها هجوما على عفرين شمال غرب سوريا، واستمرت العملية حتى 18 آذار 2018، وانتهت باحتلال المدينة وريفها.

وأدت العملية إلى موجات نزوح واسعة للسكان، رافقتها تغييرات ديموغرافية وأمنية في المنطقة.

 

سري كانيه وكري سبي..هجوم 2019

في 9 تشرين الأول 2019، بدأت تركيا ومرتزقتها هجوما على سري كانيه كري سبي/تل أبيض، وانتهت العملية بانسحاب قوات سوريا الديمقراطية من المدينتين بعد نحو 10 أيام من الاشتباكات، أعقبتها اتفاقات تهدئة وإعادة انتشار في بعض المناطق الحدودية، مع تغييرات كبيرة في خريطة السيطرة شمال شرق سوريا.

 

منبج..تصعيد 2024

خلال عام 2024، شهدت منبج تصعيدا عسكريا متقطعا، تمثل في القصف والاستهدافات المتكررة والمناوشات على خطوط التماس بين تركيا ومرتزقتها وقوات سوريا الديمقراطية.

ورغم عدم حدوث تغيير شامل في السيطرة الميدانية، بقيت المنطقة من أبرز نقاط التوتر في ريف حلب الشرقي، حتى كانون الثاني من العام الجاري، مع انسحاب قوات سوريا الديمقراطية منها بموجب اتفاق وبرعاية دولية لوقف إطلاق النار.

 

سد تشرين..هجمات متواصلة

خلال عامي 2024 و2025، تعرض محيط سد تشرين لسلسلة من الهجمات شملت القصف المدفعي والجوي وهجمات بالطائرات المسيّرة، في إطار تصعيد عسكري متكرر على خطوط التماس.

وارتبطت هذه الهجمات بمحاولات الضغط على مواقع استراتيجية على نهر الفرات، وأدت إلى خسائر بشرية ومادية في المنطقة المحيطة بالسد، قبل انسحاب قوات سوريا الديمقراطية في الاتفاق الدولي نفسه لوقف إطلاق النار في كانون الثاني من العام الجاري.

 

الهجمات الجوية على شمال وشرق سوريا

منذ تأسيس قوات سوريا الديمقراطية عام 2015 وحتى عام 2025، تعرضت مناطق شمال وشرق سوريا التي تنتشر فيها القوات لسلسلة من الهجمات الجوية والمدفعية، شملت استهدافات متكررة بالطائرات التركية المسيّرة والمقاتلة.

وتركزت الضربات على مواقع عسكرية وبنى تحتية ومراكز خدمية، خصوصا في مناطق الجزيرة والفرات ودير الزور، ما أدى إلى تصاعد التوتر الأمني واستمرار الاستنزاف العسكري في المنطقة رغم انتهاء المعارك الكبرى ضد داعش، رصدتها وكالة أنباء هاوار ووثقتها.

 

التحولات السياسية بعد 2024

دخلت سوريا عام 2024 مرحلة سياسية جديدة بعد سقوط النظام البعثي، وهو ما فتح ملف إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية ومستقبل القوى المسلحة الموجودة في البلاد.

وخلال عامي 2025 و2026، بدأت محادثات سياسية وعسكرية واتفاقات أمنية أولية بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة الانتقالية السورية، كان من بينها اتفاق 10 آذار المؤلف من ثمانية بنود رئيسة.

لكن هذا المسار تعثر لاحقا مع بدء تصعيد عسكري من جانب الحكومة الانتقالية وتركيا على مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية منذ مطلع العام الجاري.

وتطورت الأحداث إلى مرحلة من الحرب، قبل أن يستأنف المسار لاحقا ويفضي إلى اتفاق جديد، عقب انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من الطبقة والرقة ودير الزور والشدادي والهول، بالتزامن مع تسليم قوات سوريا الديمقراطية نحو 4 آلاف مرتزق معتقلين من مرتزقة داعش إلى التحالف الدولي ونقلهم إلى العراق.

 

اتفاق 29 كانون الثاني 2026

في 29 كانون الثاني 2026، جرى توقيع اتفاق جديد بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة الانتقالية السورية.

ونص الاتفاق على وقف إطلاق النار، وبدء عملية إعادة تموضع للقوى العسكرية وقوى الأمن الداخلي في الجزيرة وكوباني، إلى جانب دمج المؤسسات المدنية وتثبيت الموظفين في مواقعهم.

كما شمل الاتفاق ضمان عودة المهجرين إلى مناطقهم، في إطار مساع تهدف إلى توحيد الأراضي السورية وتعزيز الاستقرار.

وفي سياق تنفيذ الاتفاق، جرى وقف إطلاق النار وإنهاء التصعيد العسكري، وجرت عمليات لتبادل الأسرى بين الجانبين، إضافة إلى إعادة مهجري عفرين إلى مناطقهم الأصلية، فيما يجري العمل حاليا على التحضير لإعادة كامل مهجري سري كانيه والشهباء إلى ديارهم.

كما دخلت قوى تابعة لوزارة الداخلية إلى مدن قامشلو والحسكة وكوباني ضمن ترتيبات أمنية حينها، وبموجب ترتيبات تطبيق الاتفاق، جرى تكليف محافظ الحسكة من قبل قوات سوريا الديمقراطية، بالتوازي مع العمل على تشكيل ثلاثة ألوية عسكرية لقسد في محافظة الحسكة، ولواء عسكري في كوباني.

وشهدت المرحلة كذلك تعيين عدد من الشخصيات في مناصب ضمن التفاهمات الجديدة، من بينها اختيار القيادي في قوات سوريا الديمقراطية سمير أوسو معاونا لوزارة الدفاع عن المنطقة الشرقية في الحكومة الانتقالية، واختيار جيا كوباني نائبا لقائد الفرقة 60، إضافة إلى تعيين محمود خليل “سيامند عفرين” نائبا للقائد العام لقوى الأمن الداخلي في محافظة الحسكة.

كما تضمن المسار دمج المؤسسات الإدارية والخدمية بين الجانبين ضمن مديريات تابعة لوزارة الحكومة في الجزيرة وكوباني، بعضها شغل ترأسه شخصيات من الإدارة الذاتية وأخرى عينتها الحكومة.

 

الاعتراف بالهوية الكردية

في السياق السياسي، صدر المرسوم رقم 13 عن أحمد الشرع، ونص على الاعتراف بالهوية الكردية كجزء من الهوية السورية، والاعتراف بالحقوق الثقافية للكرد في البلاد، الا أن الكرد لم يكونوا راضين بشكل تام عن هذا الإجراء وطالبوا بضرورة أن تكون اللغة الكردية رسمية في البلاد وللتعليم.

وانعكس ذلك لاحقا على بدء العمل بإعادة الجنسية للمواطنين الكرد المجردين منها، اعتبارا من 6 نيسان من العام نفسه.

 

المرحلة الأخيرة..تفاهمات حول مستقبل قسد والملف الكردي

مع تقدم تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني، بدأت دمشق وقوات سوريا الديمقراطية بحث التفاصيل السياسية والعسكرية والأمنية والإدارية للمرحلة التالية.

وبحسب المعلومات الواردة، طرحت دمشق على القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي تولي منصب مستشار يتولى مسؤولية الملف الكردي في الرئاسة السورية، مع تشديدها على أن يكون ضمن فريق الرئاسة.

كما أفادت المعلومات بأن إلهام أحمد قد تتولى منصبا رفيع المستوى ضمن الحكومة الانتقالية السورية.

وفي الملف التعليمي، تشير المعلومات إلى التوصل إلى اتفاق بشأن اعتماد اللغة الكردية في مجال التعليم، من خلال ترجمة 5 إلى 6 مواد من مواد المنهاج إلى اللغة الكردية إلى جانب اللغة العربية.

كما أشارت مصادر أخرى إلى الاتفاق على دمج وحدات حماية المرأة ضمن وزارة الداخلية.

وتشمل الترتيبات المتداولة كذلك توزيع المهام ضمن المؤسسات الحكومية والأمنية، واستكمال البنود المتبقية من اتفاق 29 كانون الثاني، ولا سيما بعد إعلان مظلوم عبدي الانتقال إلى “مرحلة جديدة” عقب استكمال الدمج العسكري والأمني والإداري.

لكن المعطيات حول المهام لمظلوم عبدي، والمهام التي قد تتولاها إلهام أحمد، ودمج وحدات حماية المرأة، ووضع اللغة الكردية في التعليم، لم يصدر بشأنها حتى الآن تأكيد رسمي من الحكومة الانتقالية السورية أو الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية، باستثناء تأكيد مظلوم عبدي أمس أن التعليم باللغة الكردية “حق سعى إليه شعبنا منذ عقود، وسنعمل على تنفيذ قرار التعليم باللغة الكردية خلال العام الحالي، لمسنا موقفا منفتحا من الرئيس الشرع بشأن التعليم باللغة الأم، وسنبني على قرار التعليم باللغة الكردية في المستقبل القريب”.

وبحسب المعلومات الواردة، من المرجح أن تصدر الحكومة الانتقالية السورية بيانا أو سلسلة قرارات تكشف بصورة رسمية عن نتائج اللقاءات التي شهدتها دمشق، والتفاهمات التي تم التوصل إليها بشأن الملف الكردي، ووضع اللغة الكردية، إلى جانب طبيعة المناصب والمهام التي ستتولاها الشخصيات والقيادات الكردية ضمن الدولة، ولا سيما بعد إعلان مظلوم عبدي أمس انتهاء مهام قوات سوريا الديمقراطية والدخول في مرحلة بناء سوريا.

 

25 آب 2026..إعلان انتهاء مهمة قسد

وفي ليلة أمس 25 آب الجاري، وبعد سلسلة لقاءات سياسية وعسكرية وأمنية في العاصمة دمشق، أعلن القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي انتهاء مهمة قوات سوريا الديمقراطية، كقوة عسكرية مستقلة، بعد استكمال عمليات دمج قواتها ضمن ألوية الجيش السوري.

وقال عبدي إن سوريا دخلت مرحلة جديدة عنوانها السلام والمشاركة في بناء سوريا الجديدة، معلنا الانتقال من المرحلة العسكرية إلى مرحلة البناء.

وقال إن المطلوب أن يكون هذا اليوم بداية انتقال حقيقي “من ساحات المعارك إلى ساحات البناء، ومن زمن السلاح إلى زمن السلام، ومن مرحلة الدفاع عن سوريا إلى مرحلة بناء سوريا”.

ويأتي هذا الإعلان في وقت تتجه فيه الترتيبات بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية إلى الانتقال من مرحلة التفاوض العسكري والأمني إلى مرحلة جديدة تقوم على دمج القوات والمؤسسات ضمن الدولة السورية، بالتوازي مع معالجة الملفات السياسية والإدارية والثقافية التي بقيت عالقة خلال السنوات الماضية.


01/09/2026