×

  بحوث و دراسات

  مضيق هرمز من رنين هاتف الخال ولي إلى اهتزاز السوق العالمية



*عماد أحمد

*ترجمة : نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كوردستاني نوى

كان الخال ولي موظفا في بلدية خانقين خلال سبعينيات القرن الماضي. وبعد نكسة عام 1975، كان واحدا من آلاف العائلات الكوردية في خانقين التي اجتاحتها موجة «الترحيل والتهجير» السوداء والقاسية التي انتهجتها سلطة البعث، فأرسلت قسرا إلى السليمانية.

وفي هذه المدينة المضيافة، استقر مع عائلته؛ زوجته وبناته الثلاثة الصغيرات، وشرعوا في بناء حياة جديدة فوق أنقاض الماضي.

منذ فترة طويلة، أحيل الخال ولي إلى التقاعد، لكن مرور السنوات لم يتمكن من قطع الصلة بيننا. فمنذ الانتفاضة، ظللنا على تواصل في السراء والضراء؛ علاقة لم يحفظها منصب أو وظيفة، وإنما الوفاء والذكريات.

 

مكالمة هاتفية منه ومواساتي له

نحو الساعة الحادية عشرة من قبل ظهر يوم السبت الماضي، رن هاتفي. كان المتصل الخال ولي. وبعد السلام وتبادل السؤال عن الأحوال، قال بصوت كانت علامات القلق واضحة فيه:

ـ لماذا اشتعلت السوق هكذا؟ لقد ارتفعت أسعار السلع والمواد الغذائية إلى الضعف والثلاثة أضعاف. وأنتم تعرفون كيف هو وضع رواتب المتقاعدين؛ فنحن لا نستلم  سوى ربع منها مرة كل بضعة أشهر. يقولون إن السبب هو مشكلة «مضيق هرمز». إذا لم يكن في ذلك إزعاج، ألا تشرح لي ما هو مضيق هرمز؟

طمأنته، وشرحت له ببساطة واختصار أمر مضيق هرمز، ذلك الممر الجغرافي الصغير الذي يفوق تأثيره بكثير حدود موقعه على الخريطة. لقد طرح سؤال الخال ولي البسيط أعمق تعريف للأزمة: أين يقع مضيق هرمز، وأين  هي مائدة المتقاعد الكوردي؟ وكيف يمكن لتهديد السفن الحربية في الخليج أن يرفع أسعار الأرز والزيت والشاي والسكر والأدوية في السليمانية؟

 

مضيق هرمز مرتبط بمائدة الفقراء

في تلك اللحظة شعرت بأن هرمز ليس مجرد اسم لمضيق بحري، بل هو سلسلة غير مرئية تربط قرارات القادة بالخبز الموضوع على موائد الناس. وهنا يتضح معنى ذلك التعبير: "وما أدراك ما هرمز!"

يقع مضيق هرمز بين جنوب إيران والجزر والسواحل العمانية، ويربط الخليج ببحر عمان وبحر العرب والمحيط الهندي، وهو البوابة البحرية الوحيدة للخليج باتجاه الأسواق العالمية، ويبلغ عرضه في أضيق نقطة نحو 21 ميلا.

 

ضيق هرمز واتساع نطاق الأزمة

لقد جعل هذا الضيق الجغرافي عددا كبيرا من ناقلات النفط والسفن التجارية في العالم يمر عبر ممر محدود للغاية؛ لذلك فإن أي حادث عسكري، أو الاستيلاء على سفينة، أو لغم بحري، أو حتى تهديد سياسي، يمكن أن يؤدي إلى إضعاف حركة الملاحة ورفع تكاليف التأمين والنقل. كما أن سوق الطاقة ترفع الأسعار بمجرد استشعار رائحة الخطر، حتى قبل أن يغلق المضيق بصورة كاملة.

ولم تبدأ أهمية هذا المضيق باكتشاف النفط، بل كان على مدى قرون ممرا تجاريا بين الهند وإيران والمناطق العربية والغرب. وكانت السفن تنقل عبره التوابل والأقمشة واللؤلؤ ومختلف السلع. كما حاول البرتغاليون في القرن السادس عشر السيطرة عليه، لأنهم كانوا يدركون أن من يسيطر على هذه البوابة يستطيع التحكم بجزء كبير من التجارة بين الشرق والغرب.

 

من ممر تجاري إلى شريان للاقتصاد العالمي

مع اكتشاف النفط والغاز، تحول هرمز من ممر تجاري إلى شريان رئيسي للاقتصاد العالمي. وقبل الأزمة الجديدة، كان نحو 20 مليون برميل من النفط والمنتجات النفطية يمر يوميا عبر المضيق؛ أي ما يقارب خمس الاستهلاك العالمي. كما يمر عبر الطريق نفسه نحو خمس التجارة العالمية للغاز الطبيعي السائل، ولا سيما صادرات قطر.

وتعتمد السعودية والعراق والكويت والإمارات وقطر والبحرين وإيران، بدرجات متفاوتة، على هذا المضيق. وأكثر من 80% من النفط والغاز العابر عبر هرمز يتجه إلى الأسواق الآسيوية، ولا سيما الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية، التي تعد من أبرز المشترين. وعلى الرغم من وجود بعض خطوط أنابيب النفط التي تتجاوز هرمز، فإن قدرتها محدودة ولا تستطيع أن تحل محل الكميات الهائلة من النفط والغاز التي تمر عبر المضيق.

 

عبء الأزمة يقع على عاتق المواطن

لا تكمن أهمية هرمز في عدد براميل النفط التي تمر عبره فحسب، بل في تلك السلسلة الطويلة التي تربط الخليج بالأسواق، والأسواق ببيوت الناس،فعندما يتم احتجاز سفينة، لا يتوقف الأمر عند حمولتها وحدها؛ بل تضطرب سلسلة الإمداد، وترتفع تكاليف التأمين والنقل، وفي النهاية يقع العبء على عاتق المواطن.

الخال ولي يعيش في السليمانية، ويبعد آلاف الكيلومترات عن هرمز؛ لكن أسعار غذائه وأدويته مرتبطة بمدى قدرة ناقلات النفط على العبور بأمان وسلاسة عبر ذلك المضيق!

 

الوجه الحقيقي للعولمة

هذا هو الوجه الحقيقي للعولمة: تنشأ الأزمة في مكان، ويدفع ثمنها الناس في مكان آخر.

سؤال الخال ولي ووجه آخر للإجابة،المتقاعد الذي لا يستلم  سوى جزء من راتبه مرة كل بضعة أشهر، لا يملك القدرة على تحمل ارتفاع الأسعار إلى الضعف أو الثلاثة أضعاف.

بالنسبة إليه، هرمز ليس موضوعا نظريا أو مجرد كلمة على الخريطة؛ بل يعني تقلص محتويات سلة غذائه، وتأجيل شراء الدواء، وإعادة حساب قيمة كل دينار قبل إنفاقه.

لكن لا ينبغي تبرير كل ارتفاع في الأسعار بمضيق هرمز. فالأزمة الخارجية قد تؤدي إلى زيادة التكاليف، لكن بعض التجار يستغلون أيضا حالة الخوف والغموض في السوق، ويرفعون الأسعار بما يتجاوز المستوى الحقيقي.

وهنا لا يقتصر دور الحكومة على شرح الأزمة؛ بل عليها أن تراقب الأسعار، وتمنع الاحتكار، وتوفر مخزونا استراتيجيا من المواد الغذائية والأدوية، وتحمي المتقاعدين وذوي الدخل المحدود من آثار الأزمة.

قالت لي مكالمة الخال ولي: "أحيانا تكون أفضل بداية للتحليل السياسي ليست في الغرف المغلقة، ولا في تقارير مراكز الدراسات الاستراتيجية، بل في سؤال بسيط يطرحه مواطن، فيقول: "ما هو مضيق هرمز، ولماذا اشتعلت السوق؟"

 

الدعاء والتضرع على هامش الأزمة

الجواب هو أن هرمز جغرافيا صغيرة، لكن ظلها امتد فوق الاقتصاد العالمي. تبدأ الحرب في البحر، لكن ثمنها يدفع من جيب الخال ولي وكل وكل متقاعد وكل ذي دخل محدود، ولذلك فإن إغلاق هذا المضيق لا يغلق طريق السفن فحسب؛ بل يغلق طريق الخبز والدواء والطمأنينة أمام ملايين البشر.

وفي الختام، ومن أجل السلام الشامل وحماية قوت الفقراء، لا يبقى على اللسان سوى هذا الدعاء:

"اللهم أنزل ماء باردا على هذا الحريق الملتهب، قبل أن يخنق دخانه أنفاس الفقراء."


06/09/2026