×

  رؤى حول العراق

  كيف يستعيد العراق عافيته؟



*زهير كاظم عبود

 

الحلم الذي كان في مخيلة كل مواطن داخل أو خارج العراق بعد نهاية حقبة الدكتاتورية أن يعود العراق للعراقيين، بلدا معافى تغمره المحبة والسلام، ينعم أهله بخيراته.

مع مضي مدة ربع قرن على رحيل تلك الحقبة التي اضرت بالعراق شعبا ووطنا، يستوجب أن نتجاوز النظام التوافقي (المحاصصة)، الذي كرس الانقسام ونحن بأمس الحاجة للوحدة والتلاحم، وأن تكون الدولة فضاء جامعا للعراقيين، وأن تكون المواطنة الأساس، الذي تبني عليه الدولة كيانها في التمثيل السياسي والمناصب التنفيذية، حيث نقوم بإصلاح قانون الانتخابات وقانون الأحزاب الوطنية، وأن نعمل بصدق على استقلالية القضاء وعدم التدخل في شؤونه أو التأثير عليه.

ولا يمكن تحقيق السلام الداخلي ما لم يتم حصر السلاح بيد الدولة، وأن تنضوي جميع الفصائل المسلحة رسميا ضمن تشكيلات الجيش والشرطة تحت أمرة القيادات العسكرية والقائد العام للقوات المسلحة، وأن تكون قطاعات الأمن والاستخبارات والمخابرات على أساس الكفاءة المهنية، بعيدا عن الولاء الحزبي، وأن نسعى لإعادة بناء الهوية الوطنية الجامعة عبر مناهج تعليمية، ومعالجة جذور التطرف والعنف الاجتماعي.

ولأن العراق اعتمد اعتمادا يكاد أن يكون كليا على النفط، فإن الدولة ستصبح رهينة لتقلبات الأسعار، ومع تفشي ظاهرة الفساد في جميع المفاصل فإن سعي الحكومة والقضاء بالتصدي لهذه الظاهرة المريضة عبر أجهزة رقابية تتمتع بالاستقلالية والشفافية، وأن تتنوع مصادر الدخل عبر الزراعة وإعادة بناء الصناعة والاستثمار في القطاع الخاص، وتسعى الحكومة لتحسين قطاعات الكهرباء والماء والصحة والتعليم، ضمن استثمار حقيقي يحقق نتائج ملموسة.

خلال هذه الفترة الزمنية المهمة في تاريخ العراق الحديث تتم استعادة القرار الوطني المستقل، بعد انتهاء التواجد الأجنبي والأمريكي، ولهذا فإن الإصلاح الاقتصادي الذي أشارت له المادة ٢٥ من الدستور لا يتحقق دون استقلال قضائي ومصالحة مجتمعية. 

ولا يمكن بناء سلام مجتمعي حقيقي دون آليات للعدالة الانتقالية، التي تنهي العمليات الانتقامية وتطرح مشروع المصالحة الوطنية بشكل حقيقي وهادف، وأن تكون الهوية العراقية الجامعة فوق كل الهويات والانتماءات الفرعية الأخرى.

لا يستعيد العراق عافيته بزيادة الرواتب أو بناء الطرق والجسور، بل يكون ضمن إعادة بناء دولة القانون والمؤسسات، والدستور نفسه جعل سيادة القانون أساسا للحكم، وألا تكون مكافحة الفساد انتقائية ترتبط بالخصومات السياسية، وأن يتم تطبيق العقوبات المقترنة بالظروف المشددة عندما تتوفر ظروفها القانونية، والعمل بشكل سريع وجاد لاستعادة الأموال العامة المنهوبة من خارج العراق، وأن يتم الالتفات إلىتضخم المؤسسات والدوائر المتداخلة معها، وأن يتم ربط بقاء المسؤول في منصبة بنتائج قابلة للقياس والمحاسبة.

وأمام كل حكومة يتم اختيارها أن تلتفت إلى ملف الكهرباء والماء والصرف الصحي والطرق والنقل والسكك الحديدية والمدارس والمستشفيات والزراعة والصناعة والبنية الرقمية، وان تتحول إيرادات النفط من مصدر للأنفاق إلى أداة لبناء اقتصاد متين، وفي نفس الوقت يجب تقليل مسالة الاعتماد على الإيرادات النفطية تدريجيا، من خلال اقتصاد ممنهج وفق أسس اقتصادية حديثة، وإنتاج يوفر وظائف وفرص عمل وايرادات غير نفطية.

المشكلة في جوهرها ليست نقص القوانين، المشكلة هي الفجوة بين النص والتطبيق، ولهذا فإن إنقاذ العراق يحتاج إلىقاعدة بسيطة هي أن من يحكم يجب أن يخضع للقانون، ومن يدير المال العام يجب أن يكون قابلا للمحاسبة، ومن يفشل في إدارة مؤسسته يجب أن يغادرها، ومن ينجح يجب أن يكافأ، والمواطن لا يحتاج إلى خطاب سياسي ليعيد الثقة بالدولة.

ما دام القانون يطبق على الجميع والمال العام محميا، وكل يؤدي عمله بانتظام حينها نستطيع أن نقول أن العراق بدأ في استعادة عافيته.


06/09/2026