×

  رؤى حول العراق

  مراجعات لعلاقة المجتمع بالدولة في العراق



*جواد علي كسار

يذهب بعض الباحثين في تتبع انبثاق الدولة الحديثة في العراق، إلى أن هذه النشأة وقعت تحت تأثير الفعل الخارجي، مستدلا على أن التأسيس الأول وحدوث النظام والسلطة عام 1921م، تم بملكٍ جيء به من خارج العراق، ليتكرر الأمر نفسه مع المنعطف الثاني عندما جاء التغيير عام 1958م، من خارج نطاق الفعل الاجتماعي والسياسي تحديدا من قبل العسكر، عبر انقلابات الجيش في الأعوام 1958 و1963 و1968م وما استبطنها من متغيرات فرعية في النظام السياسي، ولدت هي الأخرى من صراع العسكر، كما حدث مع تصفية عبد السلام عارف للبعثيين بعد أشهر من انقلاب 1963م، وإزاحة صدام حسين لأحمد حسن البكر عام 1979م، وهكذا.

أما التغيير الذي حصل عام 2003م، فهو يقدم لأصحاب هذه الفرضية أو الأنموذج التفسيري، دليلا حاسما على تراجع الفعل الاجتماعي والسياسي الداخلي لبناء الدولة في العراق، وتقدم العامل الخارجي.

 

السيرة المتضادة

مثلت الفكرة أعلاه واحدا من مفاتيح ثلاثة اقترحها رئيس تحرير مجلة "لمحات" لملف تحليلي - نقدي طويل امتد على مدار (237) صفحة، صدر بعنوان: "المجتمع والدولة في العراق.. من التأسيس إلى الصراع" (لمحات، العدد 9، وزارة الثقافة، دار الشؤون الثقافية، بغداد، حزيران 2026م).

بصرف النظر عن الخلط الواقع بين العلل الذاتية لحدوث الدولة العراقية وقيامها عام 1921م، وتأثر هذا المسار حدوثا وبقاء واستمرارا بعوامل أخر متعددة يمكن أن يكون من بينها مؤثرات خارجية؛ بصرف النظر عن ذلك، واصل علاء حميد إدريس بناء تصوره لواقع المجتمع والدولة في العراق، بمفتاح ثانٍ من المؤكد أنه أكثر أهمية ودقة من الأول، تمثل بما أطلق عليه: "السيرة المتضادة بين المجتمع والدولة" هذا التضاد الذي كشف عن نفسه، بوجود: "نظام سياسي حديث، ونظام اجتماعي تقليدي"، مع ما ترتب على هذا التضاد من تشييد علاقة متوترة بينهما: "قامت على إزاحة أو هيمنة أحدهما على الآخر". فمن جهة أعاقت البِنى الاجتماعية التقليدية (العشيرة، الطائفة، القومية) من قبول الدولة ونظامها السياسي الحديث، إلا بشروطها. ومن جهة أخرى أخفقت الدولة في استيعاب مجتمعها وهضمه واحتوائه طوعيا، ما فتح المجال إلى مشكلة جديدة.

يضع المفتاح الثالث من افتتاحية الملف يده على هذه المشكلة الجديدة، بتجليين اثنين؛ الأول إدراكي والآخر لا شعوري، أسهم كلاهما في دوام مشكلة المجتمع في علاقته مع الدولة في العراق. تمثل الجانب الإدراكي بعنوان أساسي، هو "الشرعية" عندما اعتقدت أغلبية القاعدة الاجتماعية بعدم شرعية الدولة، وأنها لا تمثلها بالمعيار الديني المذهبي، كما أنها لا تعكس تمثيلها على المستوى الواقعي، المرتبط بتحقيق مصالح هذه الأكثرية وعيشها اللائق الكريم.

أما في الجانب اللاشعوري فقد تحولت: "سيرة الدولة في المخيال الاجتماعي العراقي، إلى أنها قائمة على معنى الضد من المجتمع" ومن ثم كان الأساس في علاقة التقابل والتضاد هذه، أن القاعدة العريضة في المجتمع العراقي، لم يمتلأ إدراكها العقلي ولا شعورها الوجداني، بأن الدولة القائمة هي دولتها حقا وبالفعل (مجلة لمحات، ص 4 - 5، إذ تتوقف الافتتاحية في حدود الوصف والتحليل، دون أن ترسم الحلول، التي ربما أحالت تكييفاتها المرجوة، إلى محتوى الملف).

 

الشبكة التنظيرية الخماسية

مهما كان واقع الدولة في العراق والعالم العربي وعموم العالم الإسلامي، ومهما بلغت توصيفاته من السوء والفشل والقتامة؛ فقد شهد الواقع على خط التنظير والمعالجات التحليلية النظرية والمفاهيمية تطورا مشهودا على هذا الصعيد. لا أريد أن استغرق في الشواهد والتفاصيل، بل أبقى في حدود الملف الذي بين أيدينا وحسب.

لقد اختار البحث الأول التركيز على إشكالية العلاقة بين المجتمع والدولة في العراق الحديث، مركزا على ما أسماها: "معضلة بناء الشرعية بعد 2003م". لقد أخذت هذه الإشكالية وتمركزها العراقي، بيد الباحث إبراهيم العبادي إلى شبكة خماسية من النظريات، توزعت على المحاور التالية:

1ـ الالتباس المفاهيمي وأزمة "التمثل"؛ عبد الله العروي أنموذجا.

2ـ "تكون الدولة" وهشاشة البناء تحت الإكراه؛ أدهم صولي أنموذجا.

3ـ "دولة المكونات" وأزمة الشرعية؛ عبد الإله بلقزيز أنموذجا.

4ـ سوسيولوجيا التناشز وازدواجية الشخصية؛ علي الوردي أنموذجا.

5ـ آفاق التحول ومعضلة المجتمع المدني؛ أنموذجا مشتركا بين عزمي بشارة وفالح عبد الجبار.

 

العروي وسلطانية الدولة

يقدم عبد الله العروي (معاصر، ولد: 1933م) تصورا عن تطور مفهوم الدولة في أوروبا يقوم على أطوارٍ ثلاثة، هي المفهوم الهيغلي للدولة، والمفهوم الماركسي، وأخيرا المفهوم الذي قدمه ماكس فيبر، إذ يلخص ذلك بالقول: "فكرة الدولة الهيغلية الناتجة عن فصل المصلحة العامة عن المصلحة الخاصة، والدولة التأريخية الماركسية الناتجة عن نشأة الملكية الخاصة، والدولة الحديثة الفيبرية المبنية على عملية العقلنة" (مفهوم الدولة، ص 86).

يأخذ العبادي ما ذهب إليه العروي من أن الدولة لم تتحول في الذهنية الجمعية إلى فكرة حقوقية مجردة، بل بقيت مرتبطة بأدوات الجباية والإكراه المادي، وهو يسجل: "أن الدولة في الوجدان العربي لا تزال تقترن بمعاني القهر والجباية، ولم تتحول بعد إلى فكرة قانونية مجردة تعبر عن الإرادة العامة، بل ظلت في نظر الرعية أداة في يد فئة للتسلط وجمع الجبايات" لينعكس ذلك على الحالة العراقية، وكيف راح المواطن العراقي يحصن نفسه ضد الدولة ويتعامل معها كـ"سلطة قاهرة" (لمحات، ص 7).

لقد أحدثت علاقة التوتر والسلبية هذه بين الطرفين، خللا في التكوين النفسي والاجتماعي دفع الفرد العراقي إلى أن يعيش قطيعة بين مفهوم الوطن والدولة، كان من تبعاته أن هذا الإنسان لم يعد يشعر بالذنب الأخلاقي إزاء تدمير ممتلكات الدولة أو التهرب من الالتزامات تجاهها في أوقات الأزمة، لأنه يرى ذلك ببساطة استردادا لحقٍ مسلوب من سلطة غاصبة، لا اعتداء على ملكية عامة (المصدر، ص 8).

من المؤكد أن بقايا بعض التصورات الإسلامية والمذهبية، وعجز الدولة العراقية نفسها عن بناء هوية جامعة لمواطنيها على أساس المواطنة المتساوية، وهشاشة البِنى السياسية والاجتماعية والثقافية، وضعف التنمية الجامعة وشيوع الأمية، وخيط من التبعيات يضعف ويقوى؛ هي كلها أسباب وراء هذه العلاقة السلبية المتوترة بين المجتمع والدولة في العراق.

 

"صولي" والسيادة المخترقة

مع أدهم صولي مؤلف كتاب: "الدولة العربية: معضلات التشكل المتأخر" ينتقل العبادي إلى رؤية تفيد، بأن الدولة العراقية عانت من أزمة "التكون القسري المتأخر" بفعل الاحتلال المباشر وإعادة الهيكلة الفوقية للمؤسسات، بعيدا عن الجذور الاجتماعية العميقة، ما أدى إلى غلبة العشيرة والطائفة وتحولهما إلى ملاذ آمن وبديل للفرد.

على خط آخر أسهمت عملية المحاصصة الطائفية والحزبية والقومية كآلية لتوزيع السلطة؛ بإنتاج "سوسيولوجيا الغنيمة"، وتحول الدولة العراقية من شخصية اعتبارية حامية للقانون، إلى "خزينة مشاعة"، ساعد في تكريس ذلك الطابع الريعي الأحادي لاقتصاد البلد (المصدر، ص 8).

 

هناك نسق في التحليل السياسي العربي غالبا ما ينتمي إلى اليسار بوجهيه الاشتراكي والشيوعي، وإلى القوميين العرب بوجهيهم البعثي والناصري، يرى ولم يزل في تجارب عبد الناصر والقذافي وصدام حسين وأضرابهم، نماذج لدول مكتملة الوطنية ومتوفرة على معايير الاستقلال بأجمعها، وأنها كانت تمثل الأنموذج التقدمي للدولة والهوية والمسار، في مقابل أنموذج الدول الرجعية.

 

القراءة المعكوسة دلاليا

أصيب هؤلاء المولعون بهذه الأنظمة الهزيلة ورجالها بصدمة مع انكسار الناصرية وتلاشي القومية العربية، ثم ما لبثت أن ضربت هذه الصدمة صميم عقولهم مع انهيار نظام صدام حسين، وقد شحذوا أدواتهم المنهجية والنظرية وسخروها دفاعا عن هذه الأنظمة البائسة، وكانت نقطة ارتكازهم الأقوى التلاعب بدالات العلة والمعلول، وقلب مواقعها.

عندما تقرأ لهؤلاء تظن أن تاريخ العراق السياسي بدأ عام 2003م، وبدلا من أن يكون النظام السابق المملوء بالهزائم والفشل والانكسارات، الفاسد دستوريا وشرعيا، ووطنيا وهوياتيا، واقتصاديا وعسكريا وسياسيا هو المسؤول، عن كارثة السقوط والغزو، وهو علة ما حصل، يظهر لك العكس بحسب تنظيرات هؤلاء وكتاباتهم، وهم يقلبون العلة إلى المعلول، غالبا باستعمال وقائع صحيحة ويستعينون بتوصيفات يساعد عليها الواقع العراقي الحاضر مع الأسف.

وإلا ألم يمارس النظام الصدامي الساقط، ما أطلق عليه صولي بـ"التكون القسري"، ولجأ إلى المؤسسات الظاهرية المهتزة؟ وألم يسقط في العسكرة وريع الخزينة أو الخزينة المشاعة؟ لا أقصد مطلقا تبرئة الواقع السياسي القائم في العراق الآن، أو تنزيه النظام بالمطلق، فضلا عن الدفاع عن واقع التردي الظاهر بالبنى والمؤسسات التحتية، وطبيعة الخدمات الأساسية، بالإضافة إلى بقية إشكالات الدولة وسياساتها العامة. لكن أشك أن يكون سبب ذلك هو الإزاحة الأامريكية لنظام صدام والتكون القسري، وما شابه من المصطلحات والنعوت، ولا أثق كثيرا بهذه التحليلات المعلبة الجاهزة وأمثالها، حتى برغم الألقاب الأكاديمية لأصحابها، والمراكز البحثية التي تصدر عنها.

 

"بلقزيز" ودولة المكونات

حقيقة الحال، أشعر بالنفع والفائدة من قراءة الباحث المغربي عبد الإله بلقزيز (معاصر، ولد: 1959م) منذ أن تعرفت عليه عبر بحوثه في مجلة "الوحدة" المغربية في النصف الثاني من ثمانينيات القرن المنصرم، وغيرها من الدوريات العربية المختصة. كما سعدت بقراءة كتبه منذ إصداراتها الأولى، مثلما هو الحال مع كتابه: "إشكالية المرجع في الفكر العربي المعاصر"، بلوغا إلى "نقد الخطاب القومي" وغيرها، وصولا إلى كتبه الثلاثة عن الدولة: "الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر" و"من الدولة الوطنية إلى الدولة الطائفية" و"الدولة والمجتمع: جدليات التوحيد والانقسام في الاجتماع العربي المعاصر".

ينتخب العبادي في المحور الثالث من الشبكة النظرية التي قدمها، تفسير لبلقزيز يذهب فيه إلى أن التجربة السياسية والدستورية في العراق بعد عام 2003م، قدمت أنموذجا عمليا، لعملية: "تفكيك الدولة الوطنية وتحويلها إلى دولة مكونات طائفية وعرقية"، وأن الدستور بدلا من أن يقوم على أساس "الفرد – المواطن" اتجه بالاندماج مع مسار العملية السياسية نفسها؛ إلى إعلاء شأن "الجماعة – المكون"، ما أدى عمليا إلى بروز ظاهرة: "الإقطاعيات السياسية والمغانم الفئوية" في التعامل مع وزارات الدولة ومؤسساتها (المصدر، ص 9 - 10).

لقد أدى ذلك إلى انقلاب أخلاقي عندما تحول الفساد من مجرد انحراف سلوكي أو قلة نزاهة، إلى آلية دفاع عن "الحصة" وأسلوبا لشرعنة الحصول على المزيد من "الغنائم". بتعبير بلقزيز: "حين تصبح الدولة حصة أو غنيمة موزعة بين النخب الطائفية، يفقد المواطن احترامه للمجال العام، ويصبح الفساد ليس مجرد انحراف سلوكي، بل هو آلية دفاعية ووسيلة لانتزاع الحصة من دولة لا يراها المواطن تمثله أو تضمن مستقبله" (المصدر، ص 10).

كلام سليم في نفسه وتفسير لا غبار عليه في ذاته. لكن ما أراه أن هذه العلاقة المختلة بين المجتمع العراقي ودولته، لم تنشأ على نحوٍ مفاجئ وطارئ مع إسقاط نظام صدام عام 2003م، ولم يكن الدستور هو السبب فيها كعلة تامة أو حتى ناقصة. لقد كان لهذا الواقع المتأزم وجوده الفاعل العميق قبل ذلك وعلى مدار عقود طويلة، من خلل العلاقة بين الأغلبية المجتمعية مع النظم المتعاقبة على الدولة. وفي إبان تداعيات حرب تدمير العراق بداية عام 1991م وما تلاها من حصار، تفككت الدولة أو ما كان قائما منها فعلا، وتغلغل الفساد، وسادت الطائفية والمناطقية على نحوٍ أشد، ولم يبقَ من الدولة العراقية إلا صور باهتة كانت الهزة العسكرية الأامريكية، كافية لإزاحتها والقضاء عليها في غضون أربعة أسابيع فقط.

مرة أخرى نواجه منطق التلاعب بالدلالات، وتحويل النتيجة إلى سبب، وبالعكس. فبدلا من أن يكون اهتراء النظام وعجز الدولة وفشلها، هو السبب في ما حصل للعراق ودولته ونظامه عام 2003م، بادرنا ليس فقط إلى استبدال العلة بالمعلول، بل وإلى تجميد الوقائع، وإلغاء تقادم العلة وتأثيراتها بالقفز على تأريخ النظام الساقط ومحاولة نسيانه، أو بتلميع ماضيه الداثر.

أما عن الدستور فلا أجد أن علة الوضع العراقي الحاضر تعود إلى مؤداه، حتى نحوله إلى "الوحش" المسؤول عن أخطاء الممارسة السياسية. أجل، يمكن التحفظ على بعض اتجاهات العملية السياسية ومساراتها، وعلى مجموعة من ممارساتها ومواقفها وشعاراتها، وقد كان ينبغي للاتجاهات الكبرى التي سيطرت على هذه العملية أن تخرج من نطاق ردود الأفعال، وتكف عن تحويل ما هو مؤقت إلى ما هو دائم.

ولكن مع ذلك فلا يمكن وضع اليد على أسباب هذه الأخطاء من دون الأخذ بنظر الاعتبار، المواقف المناوئة والتدخلية لجميع دول الإقليم العربي دون استثناء قط، معها إيران وتركيا؛ هذه الأطراف لم تكتفِ بالشحن السلبي ضد العراق، بل بادرت إلى إشعال ساحته بالفتن والقتل والإرهاب وسط بيئة اجتماعية منفعلة وأجواء مستعدة؛ في الظاهر ثأرا للنظام الساقط وقاعدته الاجتماعية، وفي الحقيقة دفاعا عن نفسها ووجودها، وقد راحت تخشى أن تدور عليها الدوائر، ويصل إليها التغيير.

 

مدرسة "نهاية العراق"!

ما قدمته للآن اقتصر على افتتاحية الملف ونصف الدراسة الأولى ( 4 - 10) وبقيت رحلة تحليلية نقدية ممتدة على نحو (227) صفحة أخرى، أتركها أمام القارئ، لأختم بملاحظتين:

 

الأولى:

 إذا كان يمكن لرئيس التحرير أن يعتذر بأن كلمته الافتتاحية تمثل إضاءة أولى على الملف وإشكالياته الكبرى، ومن ثم ليس من شأنها أن تستبق الملف بتحديد موقف ما، فلا أعرف طبيعة الدوافع التي أملت على صديقنا الباحث إبراهيم العبادي أن يترك النظريات التي استعرضها، معلقة في فضاء اللاحسم وعدم المناقشة؟ هل فعل ذلك لكي يشعرنا بعمق محنتنا، عبر استعراض أبرز النظريات الحافة بالموضوع في بحث افتتاحي اتسم بدقة أدوات صاحبه، وكشف عن أسلوبٍ موحٍ وثقافة واسعة وعدة محكمة، كانت كافية لترسم لنا صورة بائسة لواقع ما نعاني منه إنسانا ومجتمعا ودولة؟!

 

الثانية:

 بشأن الملاحظة الأخرى فلست أكتم أبدا بهجتي الأولية واستبشاري بصدور الملف، وقد كنت أترقبه يوما بعد آخر. وربما أيضا كان فرحا أعمق لمشاركتي البحثية فيه، عبر نقدٍ صريح لتعارض الرؤية الإسلامية بشقها الحركي التغييري (مقابل الإصلاحي) وأنها لن تقدم لنا منجزا ملموسا لإقامة دولة وطنية عصرية وقوية، وهي تبحث عن الحل في مكانٍ آخر؛ في الدولة الإسلامية أو الكيان السياسي العابر للحدود (لمحات، ص 75 - 87).

لكن بعد تلك البهجة وهذا الاستبشار حولت القراءة الهادئة الأمر، إلى شعور معمق بالحزن وإحساس أكبر منه بالفاجعة، لاسيما مع ما بدا لي - وقد أكون خاطئا - أن بعض البحوث والمعالجات تظهر وكأنها مصممة لتكريس حالة اليأس والإحباط، دون تلمس أي ضوء ولو باهتا في آخر النفق!لست أنكر أبدا عمق المشكلة التي نعاني منها وتعقيدها وتراكب أبعادها، بين السياسة والاقتصاد والأيديولوجيا؛ وبين الداخل والخارج، والمجتمع والدولة، والأمن والسياسة الإقليمية وهكذا. لكني في المقابل لست أبدا من أنصار مدرسة "نهاية العراق" على حد عنوان كتاب بيتر غالبريث، ولا أؤمن قط بضعفه "الأبدي"، وأن مشكلاته "أزلية"، وقد كان من حسن الحظ أني لمحت بعض معالم هذا الأمل، في الرؤى الإيجابية لبعض أطروحات الملف ودراساته وبحوثه.


06/09/2026