×

  سوريا و الملف الکردي

  ​ثقافة التخوين والحلول الصفرية: كيف نهدم وعينا المجتمعي بأيدينا؟



*هورين حسن

تمر المجتمعات في لحظات التحول التاريخي الكبرى والمنعطفات الجيوسياسية المفاجئة بصدمات وجودية حادة، تفقد الكثير من النخب والجماهير توازنهم التحليلي والعاطفي على حد سواء.

هذا القلق الجمعي المبرر غالباً ما يفرز حالة من الاستقطاب الحاد والذهول، خاصة عندما تصطدم الآمال العريضة والشعارات المثالية بـجدار الواقعية السياسية المفروضة على الأرض نتيجة لتغير موازين القوى.

ومع هذه التحولات العاصفة، تنحرف الفضاءات التفاعلية ومنصات التواصل الاجتماعي عن دورها المفترض كمساحات لبناء الوعي وإدارة الحوار، لتتحول إلى ساحات مفتوحة للجلد الرقمي، والتخوين، والتهجم الشخصي الممنهج على كل من يحاول تقديم قراءة مغايرة، هادئة أو متوازنة للأحداث.

إن النقد السياسي هو ظاهرة صحيّة بلا شك، ودليل على حيوية أي مجتمع يتطلع إلى المستقبل، ولكن عندما يتحول هذا النقد من مقارعة الحجة بالحجة إلى اغتيال الشخصية والاستهزاء، فإنه يفقد قيمته المعرفية ويتحول إلى أداة للهدم والتدمير الذاتي للنسيج المجتمعي.

ومن أجل العبور بالوعي العام في هذه الأوقات الحساسة، لا بد من تفكيك هذه الظاهرة النفسية والاجتماعية، ووضع خريطة طريق واضحة لكيفية ممارسة النقد الموضوعي دون السقوط في مستنقع التجريح والابتذال، وذلك عبر محاور بنيوية أساسية:

 

1- الفصل بين الأطروحة وصاحبها: شرط أول لبناء النقاش العقلاني

إن المعضلة الأولى التي تواجه الحوار اليوم هي الانزلاق نحو شتم صاحب الفكرة بدلاً من تفكيك ومناقشة أطروحته.

عندما يطرح كاتب أو باحث قراءة تحلل حدثاً سياسياً أو تحولاً استراتيجياً من زاوية واقعية وبراغماتية، فإن الرد الشرعي والمهني يكون بمناقشة المعطيات، والأرقام، والبدائل المتاحة التي يرتكز عليها.

لا يستقيم فكرياً التشكيك في وطنية الكاتب أو الطعن في نواياه لمجرد أنه يرى المشهد من زاوية مختلفة. الاختلاف في التقدير السياسي حق، لكن احترام الكرامة الإنسانية والفكرية للمخالف هو شرط أساسي لضمان بقاء أي حوار مثمر.

 

2-رفاهية إطلاق الأحكام خلف الشاشات وأعباء القرار على الأرض

يغيب عن الكثير من متابعي المشهد السياسي حقيقة جوهرية في علم صناعة القرار؛ وهي أن الجلوس خلف الشاشات أو في صالونات الثقافة يمنح الشخص رفاهية التنظير المبدئي، والتمسك بالشعارات المثالية والحلول الصفرية (كل شيء أو لا شيء).

في المقابل، فإن من يقع في موقع المسؤولية التنفيذية أو العسكرية على الأرض لا يمتلك هذه الرفاهية مطلقاً؛ بل يتعامل مع حسابات معقدة، وتوازنات قوى إقليمية ودولية شديدة الحساسية، ترتبط مباشرة بأرواح البشر، والسلم الأهلي، وحماية المجتمعات من مواجهات عسكرية حتمية غير متكافئة.

النقد الموضوعي هو الذي يحاول فهم الممكن والمتاح ويضع نفسه في السياق الحقيقي لصانع القرار قبل إطلاق الأحكام الأخلاقية الجزافية.

 

3-هندسة السلم الأهلي: لماذا يعد قبول الاختلاف حتمية وجودية؟

عانت منطقتنا عقوداً طويلة من فكر الرأي الواحد والتوجه الشمولي، ودفعنا جميعاً أثماناً باهظة جراء إلغاء الآخر المخالف.

واليوم، ونحن نتطلع إلى بناء مجتمعات ناضجة وقائمة على التعددية والمؤسساتية، لا يمكننا استخدام ذات الأدوات الإقصائية القديمة لبناء مستقبل جديد.

إن تخوين المخالفين في الرأي لمجرّد أنهم يرون في الواقعية والبراغماتية السياسية طوق نجاة وحفاظاً على المكون الاجتماعي والمكتسبات العامة هو تمزيق مجاني للنسيج الاجتماعي.

إن هدم الجسور الداخلية في وقت الأزمات يضعف المجتمع بأكمله ويجعله مكشوفاً أمام التحديات الخارجية.

 

4- غرف الصدى الافتراضية: مخاطر الانسياق خلف موجات التهكم الجماعي

تدار الكثير من حملات السخرية والاستهزاء على الفضاء الأزرق عبر موجات عاطفية غير مدروسة، وتغذيها في كثير من الأحيان حسابات موجهة (ذباب إلكتروني) أو جهات تهدف أساساً إلى خلق الفتنة الداخلية، ونشر الإحباط، وزرع اليأس والتهكم لتجريد المجتمعات من أي أمل في المستقبل.

الانسياق وراء هذه الموجات دون تفكير نقدي مستقل، ودون فحص علمي للحقائق وتحليل هادئ للمآلات، يجعل من الشخص العادي أداة طيعة لتنفيذ أجندات تضر بمجتمعه من حيث لا يدري، متحولاً من ناقد إلى جزء من جوقة السخرية الهدامة.

5- التنفيس العاطفي المؤقت مقابل الوعي الاستراتيجي البنّاء

قبل صياغة أي موقف، أو تعليق، أو مشاركة في حملة استهزاء جماعية، يبرز السؤال الجوهري والمحرك للمسؤولية: هل هذا الطرح يقدم حلاً بديلاً؟ هل يخدم المصلحة العامة؟ أم أنه مجرد تفريغ عاطفي لشحنة غضب وإحباط شخصي مؤقت؟

الكلمة في أوقات الأزمات والمنعطفات التاريخية كالشظية؛ إما أن تقتل الأمل وتفرق الصفوف وتزيد حالة التشرذم، أو أن تكون لبنة تفتح آفاقاً للحوار العقلاني المتبادل الذي يقود المجتمع نحو النضج السياسي والوعي الاستراتيجي.

ختاما

المنعطفات التاريخية الكبرى لا تُقاس بمشاعر اللحظة الراهنة وانفعالاتها العابرة، بل بمآلاتها الاستراتيجية وقدرة المجتمعات على الصمود حيةً فوق أرضها؛ ولسنا هنا بحاجة إلى التوافق على رأي واحد، بل نحن في أمسّ الحاجة إلى التوافق على أدب الاختلاف وحماية الوعي المجتمعي من الانزلاق نحو التخوين والشخصنة.

إن صياغة الغد لا تتم بالأصابع المشحونة بالغضب خلف الشاشات، بل بالعقول الباردة القادرة على قراءة الواقع، والانتقال من مربعالتنفيس العاطفي الهدام إلى مربع المسؤولية الوطنية البنّاءة.

المواقف والمنعطفات السياسية ستأخذ مجراها الذي تفرضه موازين القوى، والخرائط والتحالفات في تبدل مستمر، ولكن ما سيبقى فعلياً هو تلاحمنا الداخلي وقيمنا الأخلاقية؛ فالشعوب الواعية هي التي تبقى، وكرامة الإنسان وحرية تفكيره هما حجر الأساس لكل نضال حقيقي يتطلع نحو المستقبل.

 


21/09/2026