×

  بیانات و خطابات

  عالم متشرذم واختبارات القوة الكبيرة الأربعة في المستقبل



كلمة الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيرش في اجتماع الجمعية العامة

 

موقع الامم المتحدة/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان

 

السيد الرئيس،

 صاحب السعادة رئيس الجمعية العامة،

 أصحاب السعادة،

حضرة السيدات والسادة،

إن التصدعات في عالمنا أخذت في الاتساع، وباتت الشقوق أخاديد. فعلى مدى العقد المنصرم، اندلعت حروب تسببت في عواقب مدمرة، واستمرت بوحشية بغيضة، واستهدف المدنيون، وانتهكت الحقوق، وديست بالأقدام، واستخدم الجوع كسلاح، وضرب بالقانون عرض الحائط، وقتل العاملون في المجال الإنساني، وتعمقت الانقسامات الجيوسياسية، واشتدت التفاوتات، وتآكلت الثقة.

أما أزمة المناخ، فتحولت من تحذير بعيد الأمد إلى واقع نعيشه يوميا، وتطور الذكاء الاصطناعي بسرعة فاجأت حتى من ابتكروه.

وهذه ليست أزمات منفصلة، إنها فصول من القصة نفسها. قصة القوة: من يمتلكها؟ من يحرم منها؟ كيف تستخدم؟ وكيف تتغير؟

 

أصحاب السعادة،

يعاد تشكيل القوة بثلاث طرق أساسية:

أولا، فيما بين الدول، ظهرت مراكز جديدة للنفوذ الاقتصادي والسياسي والتكنولوجي.

وثانيا، نشهد انتقالا غير عادي للقوة من الحكومات إلى حفنة من الشركات الخاصة والأفراد، ويمتد نفوذهم الآن ليشمل السياسة والاقتصاد وتدفق المعلومات وتطور التكنولوجيا والحيز المدني الذي تعتمد عليه المجتمعات.

وثالثا، يسلم البشر بشكل متزايد القوة إلى الآلات، بينما يخرج وكلاء الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، وتنتقل الأسلحة الفتاكة ذاتية التشغيل من عالم الخيال العلمي إلى الواقع العسكري.

ومع ذلك، لا تزال مؤسساتنا ونظم الحوكمة العالمية تعكس موازين القوى والمصالح التي كانت سائدة في حقبة ولت إلى حد كبير.

وهنا يكمن التحدي الحاسم الذي يواجهنا.

ففي الوقت الذي تواجه فيه البشرية مجموعة غير مسبوقة من التهديدات، التي تراكمت بغير غير مسبوق، وهي تهديدات متزامنة، تتعرض آلياتنا للعمل الجماعي لضغوط متزايدة.

من الواضح أننا نمضي نحو عالم متعدد الأقطاب، وهذا التحول لا رجعة فيه، لكن ثمة طرقا شتى لتحديد شكل تعدد الأقطاب.

إحدى الاحتمالات هي التوصل إلى عالم يتسم بالتشرذم، وبمنطق الصفقات، عالم تتصاعد فيه التوترات، ويتفاقم فيه انعدام الثقة، ويتسم بتصدع الأسواق، وضعف المؤسسات، ويتسم بتقلص التعاون، والحسابات الصفرية.

ومن نواحي عديدة، هذا هو المسار الذي نسير فيه اليوم.

لكن ثمة مسار آخر، مسار نحو التعددية القطبية المترابطة، عالم قائم على الترابط، وتدعمه شبكة كثيفة من الروابط الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والتكنولوجية، عالم تتعايش فيه مراكز نفوذ متعددة ضمن إطار مشترك للقانون الدولي وقواعد مشتركة.

ويمكن لعالم من هذا القبيل أن يساعدنا على تجنب نزعات الهيمنة وما أسميته الانقسام الكبير، انقسام العالم إلى كتلتين متنافستين، لكن لكل منهما نظم اقتصادية وتكنولوجية وأمنية منفصلة وعلينا أن نتفادى ذلك.

ويدرك العالم المترابط أنه لا توجد قوة واحدة قادرة على حل التحديات الراهنة بمفردها.

وبطبيعة الحال، ستظل المنافسة سمة دائمة من سمات العلاقات الدولية، لكن المنافسة لا تعني المواجهة، ويمكن للمنافسة السليمة أن تحفز الابتكار، وتعزز القدرة على الصمود، وتوسع الفرص المتاحة، لكن فقط عندما تعمل ضمن أطر تحافظ على الاستقرار وتيسر التعاون حيثما يكون التعاون أمرا لا غنى عنه.

إن بناء مثل هذا المستقبل يبدأ بإدراك، لا سيما من القوى العظمى، لحقيقة أن قوتها ليست بالعظمة التي تظن، فللقوة حدودوقد أوضحت أحداث السنوات الأخيرة ذلك بشكل لا لبس فيه.

فلا يمكن للقوة العسكرية وحدها ضمان السلام، ولا يمكن للقوة الاقتصادية وحدها ضمان الاستقرار، ولا يمكن للقوة التكنولوجية وحدها ضمان الأمن.

ويمكن لعالم مترابط متعدد الأقطاب أن يهيئ الظروف اللازمة لحل المشكلات العالمية بطريقة أكثر توازنا وتمثيلا.

ولكنه يتطلب نظاما متعدد الأطراف يتمحور حول الأمم المتحدة، ويكون متوازنا وتمثيليا، ومؤسسات قوية وفعالة تعكس الواقع والوزن النسبي المتغير تدريجيا للبلدان والاقتصادات في عالم اليوم، وليس موازين القوى التي كانت سائدة قبل ثمانين عاما.

ولحسن الحظ، نحن لا ننطلق من الصفر.

لدينا بالفعل أساس ملزم، وهو ميثاق الأمم المتحدة، والمبادئ التي تضفي عليه الحياة. نشدد على أسبقية القانون الدولي، وصون كرامة الإنسان، والسعي إلى تحقيق العدالة بجميع أبعادها.

تشكل هذه المبادئ العمود الفقري لممارسة السلطة بشكل فعال وشرعي ومسؤول في القرن الحادي والعشرين.

 

أصحاب السعادة،

يتلخص الأمر بما يلي: هل سنتحرك للتأكد من أن السلطة تخضع للقانون أم القوة؟ التعاون أم الإكراه؟ هل ستمارس القوة انطلاقا من روح المسؤولية تجاه الشباب والأجيال المقبلة؟ أم من اللامبالاة بمصيرهما؟

لأن التحديات الحاسمة التي يواجهها عصرنا لا تنفصل عن مسألة السلطة.

وسيعتمد ذلك على تعزيز الاستقرار، أم أننا عفوا؟ هل سننزلق إلى المزيد من الانقسام وعدم الاستقرار؟ أم سنتجه نحو التعاون والعدالة والأمن الجماعي؟

 

واستشرافا للمستقبل، سيتحدد مستقبلنا بناء على الطريقة التي نتعامل بها مع أربعة اختبارات كبيرة للقوة:

القوة في الحرب والسلام، والقوة التي تتركز في أيديها الثروة وتفاقم أوجه عدم المساواة، والقوة التي تؤجج فوضى المناخ والحرب على الطبيعة، والقوة التي أطلقها الذكاء الاصطناعي.

 

-أول اختبار كبير للقوة في القرن الحادي والعشرين: اختبار السلام والأمن

السلام لا يقتصر بأي حال على مجرد غياب الصراع، إنه يتمثل في وجود ضوابط تلجم القوة بالقانون.

إنه الاعتراف، على النحو المنصوص عليه في ميثاق الأمم المتحدة، بأن القوة لا يمكن أن تكون صاحبة كلمة الفصل في تحديد من حياته ومستقبله وحقوقه مجدية.

واليوم يخضع هذا المبدأ لضغوط شديدة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، تتوالى الصراعات وتتفاقم.

وما يسمى بوقف إطلاق النار لم يكن أكثر من مجرد نيران أقل حدة، في ظل استمرار المدنيين في دفع الثمن.لقد طفح الكيل، وإني أناشد القيادات في هذه القاعة الاستفادة إلى أقصى حد من هذا الأسبوع رفيع المستوى من أجل خفض التصعيد والنهوض بالحوار.

لنبعث جميعا برسالة واضحة من داخل هذه القاعة: يجب أن يتوقف القتال، وأن تتدفق المساعدات الإنسانية، وتستعاد بالكامل الحقوق والحريات، حرية الملاحة وفقا للقانون الدولي.

وفي خضم الاضطرابات التي تجتاح المنطقة، لا يجب يجب أن نشدد على الحالة الكارثية في الأرض الفلسطينية المحتلة، وألا تغيب عن بالنا.

لقد مر ما يقرب من ثلاث سنوات على الهجمات الإرهابية البشعة التي شنتها حركة حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، وما تلا ذلك كان هجوما شرسا على الفلسطينيين في غزة، بلغ فيه القتل والدمار نطاقا لم أر مثله قط طوال سنوات خدمتي كأمين عام.

وقد أصدرت محكمة العدل الدولية تدابير تحفظية ملزمة قانونا في القضية المعنونة، أقتبس: "تطبيق اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها في قطاع غزة". نهاية الاقتباس.

وفي فتوى صادرة العام الماضي، أشارت المحكمة بوضوح إلى أنه ينبغي السماح للأمم المتحدة بتنفيذ ولايتها في غزة، وضمان حماية موظفين وعاملين في مجال تقديم المساعدة الإنسانية.

ويجب على جميع الأطراف أن تمتثل للقانون الدولي ولأوامر المحكمة.

وفي الوقت نفسه، فإن أعمال العنف والتهجير وتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية المحتلة تقوض مسار السلام، وتثير شبح التطهير العرقي.

وتوسيع المستوطنات من قبل السلطات الإسرائيلية، لا يمكننا أن نسمح لحل الدولتين بأن يختفي أمام أعيننا.

 

أوكرانيا

وفي أوكرانيا، أدى الغزو الروسي الشامل إلى إخضاع بلد ذي سيادة لحرب وحشية في انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة.ولا يزال المدنيون يقتلون بعيدا عن خطوط المواجهة، أساسا في أوكرانيا، ولكن أيضا مؤخرا في أجزاء من روسيا.

تعرضت المنازل ونظم الطاقة وشبكات المياه ووسائل النقل لهجمات متكررة، مما يشكل تهديدا لسلاسل إمدادات الغذاء والطاقة على الصعيد العالمي.

 

السودان

وفي السودان، تحولت حرب من أجل الحصول على القوة الغاشمة، من أجل القوة، عفوا، تحولت هذه الحرب الغاشمة، وبتأجيج من جهات فاعلة خارجية، إلى حرب على المدنيين.

فقد نزح الملايين، وانتشر الجوع، وتقوم المسيرات بقصف المستشفيات والمنازل، ويتصاعد العنف الجنسي والهجمات ذات الدوافع العرقية، بينما يتمزق بلد ويدير العالم ظهره.

ميانمار

وفي ميانمار تواجه أزمة أخرى، تواجه خطر التواري عن أنظار المجتمع الدولي في ظل تصاعد العنف والنزوح الجماعي وتفشي الجريمة العابرة للحدود.

تظهر هذه النزاعات وغيرها الكثير ما يحدث عندما تخرج القوة عن نطاق السيطرة، وتتجاوز القوة الدبلوماسية، وترتفع الميزانيات العسكرية بشكل حاد، وتختفي المساءلة.

فالاختبار أمامنا هو معرفة ما إذا كانت السلطة ستمارس في إطار القانون أم خارج نطاقه ويجب أن ننجح في ذلك الاختبار ويجب الدفاع عن الميثاق دون معايير مزدوجة، ولابد من حماية المدنيين دون استثناء، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وحماية العاملين في المجال الإنساني دون تقصير، والنهوض بعدم الانتشار، ونزع السلاح النوويين دون تأخير، والمطالبة بالمساءلة دون خوف أو محاباة.

كما يتعين علينا إصلاح مجلس الأمن، بحيث يجسد عالم اليوم، مع ما تتطلبه التحديات الحالية من شرعية وفعالية، فقد أنشئ مجلس الأمن في أعقاب الحرب العالمية الثانية، لكن العالم تغير تغيرا جذريا منذ ذلك الحين، وهو تغير لا يزال بعيدا كل البعد عن شكل مجلس الأمن.

وأبرز مثال على ذلك هي القارة الإفريقية فعندما تأسست الأمم المتحدة كانت إفريقيا بمعظمها لا تزال تحت الحكم الاستعماري وحتى اليوم لا تزال إفريقيا تفتقر إلى مقعد دائم في المجلس.

يفتقد مجلس الأمن في القرن الحادي والعشرين إلى تمثيل إفريقي دائم وهذا وضع مجحف ولا يمكن تبريره، لا بد من تغيير هذا الوضع.

 

الاختبار الثاني: عدم المساواة

 

أصحاب السعادة،

يتمثل ثاني اختبار القوة باختبار عدم المساواة.

وغالبا ما تعتبر مسألة عدم المساواة على أنها مشكلة اقتصادية، إلا أن المشكلة تكمن في القوة، قوة التحكم في الفرص والموارد والصوت، وإسماع الصوت.

ولم يسبق للبشرية أن امتلكت هذا القدر من الثروة والمعرفة والقدرات التكنولوجية، ومع ذلك، لا يزال التقدم بعيد المنال لمليارات الأشخاص فهم يرون الازدهار من حولهم، لكن ليس لأنفسهم، ويقال لهم إن العولمة توسع آفاقهم، لكنهم يعانون الإقصاء، ويعادون بأن التكنولوجيا ستفتح آفاقا جديدة، لكن الكثيرين يخشون أن تسلبهم سبل عيشهم وفي الوقت نفسه، لا يزال مليارات الناس يعيشون محرومين من الضروريات التي تنص عليها أهداف التنمية المستدامة: لكل فرد الغذاء والمياه النظيفة والتعليم والعمل اللائق والرعاية الصحية والكرامة.

 

أصحاب السعادة،

لا ينبغي حرمان أي بلد من مستقبل مستدام لأنه يقف في الجانب الخطأ في نظام مالي شديد التفاوت ومع ذلك، فإن الكثيرين في جميع أنحاء العالم النامي يئنون تحت عبء الديون التي لا يمكن تحملها، وترهقهم كوارث لم تكن لهم يد تذكر في التسبب فيها، ويحرمون من الحصول على تمويل ميسور التكلفة.

ولهذا السبب خلقنا فضاءات سياسية جديدة للنهوض بإصلاح الهيكل المالي الدولي.

لا يتعلق الأمر بنقاش تقني، بل هي مسألة تمثيل وإنصاف وتقاسم السلطة ولتخفيف عبء الديون، من الأساسي تخفيف عبء الديون في الوقت المناسب وبشكل فعال وعادل، ولكفالة وجود مصارف إنمائية متعددة الأطراف تكون أكبر حجما وأكثر جرأة وأفضل تجهيزا، أو تكون قادرة لتوفير تمويل طويل الأجل بأسعار معقولة على نطاق واسع، وللاستفادة بشكل كبير من التمويل الخاص، ولتعد حقوق السحب الخاصة بالنفع على البلدان التي هي في أمس الحاجة إليها.

لا يمكن لأي نقاش بشأن عدم المساواة أن يتجاهل أكثر أشكالها شيوعا: عدم المساواة بين المرأة والرجل، ففي كل مكان، لا تزال النساء والفتيات يواجهن التمييز والعنف والإقصاء وسوء المعاملة، وفي جميع أنحاء العالم يلحظ تراجعا لحقوقهن وإسكات أصواتهن وتحويل أجسادهن إلى ساحات معارك، والتعامل مع حريتهن كورقة مساومة هذا إنه لأمر مشين وإهدار فادح لإمكانات البشرية، فالسلام يكون أكثر دواما عندما تشارك المرأة حول طاولة السلام، وتتسم الاقتصادات بدينامية أكبر عندما تتاح للمرأة فرص متكافئة، وتصبح المجتمعات أقدر على الصمود عندما تتمكن الفتيات من التعلم والقيادة والعيش دون خوف، وتزداد المؤسسات فعالية عندما تتقاسم السلطة على قدم المساواة.

وخلال العقد الأخير بلغنا معلما بارزا وأنا فخور بإبلاغكم اليوم بأن الأمم المتحدة حققت التكافؤ بين الجنسين لأول مرة في التاريخ في جميع وظائف القيادة العليا وفي جميع المقار وعلى صعيد كافة الموظفين الفنيين.

وقد حدث ذلك لأننا أزلنا الحواجز، وتحدينا الافتراضات، ورفضنا قبول فكرة أن السلطة يجب أن تظل على ما كانت عليه دائما.

وفي كل خطوة لم نتنازل أبدا عن الجودة والكفاءة فالمساواة ليست حلما، إنها قرار.

وإذا كان بإمكان الأمم المتحدة أن تتغير، فإن الحكومات تستطيع ذلك أيضا، كذلك البرلمانات ومؤسسات الأعمال وعمليات السلام.

ويمكن لهذه الجمعية العامة أن تفعل ذلك أيضا.

 

الاختبار الثالث: أزمة المناخ

أصحاب السعادة،

يتمثل ثالث اختبار كبير للقوة في أزمة المناخ ومن نواح عديدة تعد هذه الأزمة الأشد اختلالا على الإطلاق في ميزان القوى بين الأجيال يستنزف جيل واحد مستقبل الجيل الذي يليه.

تستفيد مجموعة من الوضع، في حين أن الأقل مسؤولية عن الأزمة هم أول من يعاني وأشدهم معاناة.

قبل ثلاث سنوات، في جبال نيبال، نبهت إلى المخاطر الناجمة عن التسارع في ذوبان الأنهار الجليدية، محذرا من أن أسطح العالم آخذة في الانهيار.

وقد استخف البعض بذلك واعتبروه مبالغة في تقدير الأخطار، لكن كما أظهرت الأحداث المأساوية، فإن الآثار تظهر في وقت أبكر، وتضرب بقوة أكبر، وتنتشر على نطاق أوسع مما توقعه الكثيرون ونواجه الآن تجاوزا شبه مؤكد لحد الواحد فاصلة خمسة درجة مئوية.

تؤثر ظاهرة نينيو الحادة بشكل كبير ومباشر على البشرية.

والأخطار حقيقية، ولكن كذلك الأمر بالنسبة للأمل.

لقد أدى العقد الماضي إلى أحد أكثر التحولات الواعدة في ميزان القوى في عصرنا هذا وشهدنا صعود الطاقة النظيفة فالشمس ليست ملكا لأحد.

لا يمكن فرض حظر الريح، ويمكن للابتكار أن يأتي من أماكن عديدة.

تشكل هذه التطورات عملية إعادة توازن جذرية في علاقات القوة، وأصبحت مصادر الطاقة المتجددة الآن أرخص مصدر للكهرباء الجديدة في معظم أنحاء العالم، وهي المسار الأكثر قابلية للتطبيق لتحقيق الأمن من حيث الطاقة والاستقلال في مجال الطاقة والنمو المستدام.

إن مستقبلا خاليا من الوقود الأحفوري بات يلوح في الأفق، لكن السؤال هو: كيف سيتجسد؟

هل سيكون انتقالا عادلا ومنظما وقائما على التعاون الدولي؟ أم انتقالا فوضويا ومكلفا يترك الشعوب والبلدان وراءه؟

وأدعو اليوم كل حكومة إلى اعتماد خطة وطنية للتحول عن استخدام الوقود الأحفوري، تتماشى مع هدف حصر ارتفاع درجة الحرارة في حدود واحد فاصلة خمسة درجة مئوية، مع جداول زمنية واضحة، وتوفير الحماية للعمال والمجتمعات المتضررة.

وإننا نعلم أن أصحاب المصالح في قطاع الوقود الأحفوري لن يتنحوا من تلقاء أنفسهم.

فعلى مدى عقود، تعاملت شركات النفط الكبرى مع الغلاف الجوي وكأنه مجرى للصرف الصحي، واستفادت ماديا من عواقب ذلك.

ومنذ غزو روسيا لأوكرانيا، جنت خمس شركات نفطية غربية كبرى أرباحا بلغت قيمتها ما يقرب من نصف تريليون دولار.وفي الوقت نفسه، يدفع الناس العاديون مبالغ أكبر مقابل الطاقة والغذاء والتأمين وقد شهدنا هذا النوع من إساءة استخدام السلطة من قبل.

عندما أصبحت أضرار شركات التبغ الكبرى أمرا لا يمكن إنكاره، تحركت الحكومات.

وتتطلب أزمة المناخ نفس القدر من العزم ويجب على أولئك الذين تسببوا في أكبر قدر من التلوث وحققوا أكبر قدر من الأرباح أن يبذلوا جهودا أكبر بكثير لإصلاح الأضرار التي تسببوا فيها  ويجب على الملوثين أن يدفعوا ثمن تلويثهم.

وإلى القادة والمدن والمجتمع المدني والمواطنين الذين يعملون من أجل محاسبتهم، أقول لهم: أنتم تقفون على الجانب السليم من التاريخ، فاستمروا.ويجب على الحكومات أن تواصل جهودها على جميع الجبهات لوضع حد لانحسار الغابات، والاستثمار في الشبكات والتخزين، والحد من انبعاثات الميثان.

بيد أن هذه الإجراءات ليست كافية.

إننا بحاجة إلى العدالة المناخية، مع التركيز على التكيف والتمويل.

ويجب على البلدان المتقدمة الوفاء بالتزاماتها، وعليها زيادة تمويل إجراءات التكيف ثلاث مرات، وجعل صندوق الخسائر والأضرار يعمل على نطاق واسع.

كما يجب علينا أن نضمن ألا يؤدي استخراج المعادن الحرجة إلى مفاقمة أوجه انعدام الإنصاف الموروثة من الماضي.

ويجب أن تحتفظ البلدان المنتجة والمجتمعات المتضررة بحصة أكبر بكثير من القيمة المولدة من مواردها.

كفى نهبا. كفى استغلالا.

 

الاختبار الرابع: التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي

 

أصحاب السعادة،

أما الاختبار الرابع للقوة فهو اختبار التكنولوجيا، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي.فعلى مدى قرون، كانت القوة مستمدة من الأرض، ثم الصناعة، ثم التمويل، واليوم أصبحت القوة تنبع بشكل متزايد من البيانات والقدرات الحاسوبية والخوارزميات.

وهذه القوة الجديدة شديدة التركيز، إنها تتقدم بسرعة غير عادية، وتسير بخطى سريعة تتجاوز قدرتنا على فهم كامل عواقبهاوفي عام ألفين وسبعة عشر، لم يكن الذكاء الاصطناعي يحظى إلا بقدر ضئيل جدا من اهتمام العالم ومع ذلك، فقد حذرت في أول خطاب لي بمناسبة افتتاح الجمعية العامة قائلا، أقتبس:"إن الذكاء الاصطناعي عامل تغيير جذري قادر على تعزيز التنمية وتغيير حياة الناس بشكل مذهل، لكن قد يكون له أيضا تأثير هائل على أسواق العمل، بل وعلى الأمن العالمي ونسيج المجتمعات ذاتها."نهاية الاقتباس.

وها نحن هنا بعد مرور ما يقرب من عقد من الزمن.

الذكاء الاصطناعي هو بالفعل عامل تغيير جذري، ويحمل في طياته إمكانات هائلة لتطوير الطب، وتسريع الاكتشافات العلمية، وتوسيع الفرص المتاحة، وتحسين حياة الناس ولكن الخطر لا يكمن في التكنولوجيا.

الخطر يكمن في التكنولوجيا في غياب المساءلة والقدرة في، أو يكمن في غياب الرقابة.

علينا أن نتخذ القرارات.

الخطر يكمن في اتخاذ القرارات في غياب الشفافية، ولا يمكن التقليل من شأن هذا الخطر.

والمطورون أنفسهم الذين يبنون هذه النظم باتوا يضيقون نقوس الخطر.

إن الواجب الأول للحكومة هو حماية شعبها، ويجب على الحكومات أن تتحمل مسؤولياتها.

والحكومات التي تمتلك أكبر قدرات في مجال الذكاء الاصطناعي تتحمل أكبر مسؤولية تجاه البشرية لإقامة، علينا أن نقيم قنوات للحوار والشفافية والثقة والتعاون، ليس على الرغم من التنافس الجيوسياسي، بل بسببه.

وفي لحظة حاسمة خلال الحرب الباردة، أدرك الخصمان الاستراتيجيان الحاجة إلى إدارة المخاطر الوجودية المشتركة، فوضعا آليات للحد من سوء الفهم وإدارة تصاعد الموقف، ومنع وقوع الكارثة.

ويتطلب الذكاء، أنا أتحدث عن التسليح، التسلح النووي، أما اليوم فيتطلب الذكاء الاصطناعي نفس القدر من الوضوح في الهدف والشعور بالإلحاح.

يجب على الدول التي تقود هذه الثورة التكنولوجية مشاركة المعلومات بشأن المخاطر الناشئة المتعلقة بالسلامة.

ينبغي التعاون في مجال الاختبار والتقييم، والعمل على وضع ضمانات مشتركة تحمينا جميعا.

ولكن بما أن هذا الأمر يؤثر علينا جميعا، فالتنسيق العالمي أمر لا غنى عنه.

وهناك مكان واحد فقط يتمتع فيه كل بلد بصوت في تشكيل مستقبلنا المشترك، وهذا المكان هو الأمم المتحدة.

من خلال التعاهد الرقمي العالمي، اتفقتم لأول مرة على مبادئ عالمية عالمية، على مبادئ عالمية لحوكمة الذكاء الاصطناعي.

ومن خلال الحوار العالمي بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي، أنشأنا منصة تتيح للحكومات والعلماء وقيادات القطاع والمجتمع المدني العمل معا.

ومن خلال الفريق العلمي الدولي المستقل المعني بالذكاء الاصطناعي، قمنا بحشد الخبرات العالمية لضمان أن تستند السياسات إلى الأدلة.

ويوم أمس بالتحديد، أصدر الفريق العلمي المعني بالذكاء الاصطناعي موجزا مواضيعيا بشأن سلامة الذكاء الاصطناعي والمخاطر الناجمة عن فقدان السيطرة البشرية.

 

وانطلاقا من هذه الجهود، يتعين علينا اتخاذ الخطوات التالية:

أولا، العمل على تهيئة الظروف اللازمة لضمان تطوير الذكاء الاصطناعي بوتيرة مسؤولة، والضمانات الإضافية اللازمة للتصدي للمخاطر.

ثانيا، ينبغي أن نعمل على وضع إطار متعدد الأطراف لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي، مدعوما برقابة موثوقة ومستقلة.

علينا أن نتأكد من عدم تخلف أي دولة عن الركب ويجب أن يتم تشكيل الذكاء الاصطناعي من قبل البشرية وبتعاون معها ولصالح البشرية جمعاء.

وإذ نواجه التحديات المقبلة، فلنتمسك بمبدأين أساسيين لا ينبغي لنا أن نتراجع عنهما.فلنقل بصوت واحد: يجب ألا يصبح الأطفال قط موضع اختبار لنظم غير خاضعة للتنظيم والناقد العزم على ألا تترك قرارات الحياة والموت أبدا للآلات فلا يجب أن يكون للروبوتات القاتلة مكان في مستقبلنا.

 

القوة ومستقبل الأمم المتحدة

 

أصحاب السعادة،

 

السلام والأمن، وعدم المساواة، والمناخ، والذكاء الاصطناعي.

هذه هي اختبارات القوة الكبيرة الأربعة في المستقبل، وهي مرتبطة ببعضها البعض، وعلينا أن نواجهها.

فالحروب تؤدي إلى تفاقم عدم المساواة، وتدمر التنمية، وتسرع انتشار الجوع.

ويحدد عدم المساواة من يمتلك موارد لمواجهة الصدمات المناخية وغيرها، ومن يبقى عرضة لها.

وأزمة المناخ تؤجج عدم الاستقرار، وتفضي إلى النزوح.

والذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في التغلب على كل هذه التحديات، أو قد يؤدي إلى تفاقمها.

في جميع الاختبارات الأربعة تكمن القضية الحاسمة، وهي تكمن في القوة: السلطان على القوة والمال والطاقة والتكنولوجيا والقواعد والمستقبلولهذا السبب فإن ميثاق الأمم المتحدة وعمل الأمم المتحدة يكتسيان أهمية أكبر من أي وقت مضى.

وتوجد الأمم المتحدة وجدت لأن السلطة تحتاج إلى قواعد، ولأن البشرية بحاجة إلى مكان تخضع فيه السلطة للمبادئ.

ولا يترك الميثاق أي مجال للقراءة الانتقائية.

وأنشئ الميثاق منظمة ترتكز على ثلاث ركائز: السلام والتنمية وحقوق الإنسان.

وهذه ليست خططا متنافسة فيما بينها، إن حقيقة أنها حقيقة واحدة فلا يمكن إحلال سلام بدون تنمية، ولا تنمية بدون سلام، ولا سلام أو تنمية بدون حقوق الإنسان.

إن القول بإمكان فصل السلام عن الكرامة والفرص والحقوق هو وهم، ولا يمكن أن نقبل به لكن الدفاع عن هذه الحقيقة لا يعني الدفاع عن الوضع الراهن.

ويهدف ميثاق المستقبل ومبادرة الأمم المتحدة ثمانين إلى جعل الأمم المتحدة أكثر استجابة، وأكثر فعالية، وأكثر تماسكا، وأكثر شفافية، وأكثر تركيزا على النتائج، وأكثر انضباطا في إدارة الموارد، وأكثر حضورا في الأماكن التي يحتاجنا فيها الناس.

ولا يحتاج العالم إلى أمم متحدة أضعف.

العالم يحتاج إلى أمم متحدة تتمتع بالقوة الكافية لمواجهة العالم كما هو، وبالعزيمة الكافية لبناء عالم كما ينبغي أن يكون.

 

الخاتمة

 

أصحاب السعادة،

بعد مرور عشر سنوات، ما زلت أؤمن بأمر واحد وبقوة أكبر مما كنت عليه عند تسلمي لمهامي.

أعظم قوة ليست هي القدرة على السيطرة، إنها القدرة على بناء مستقبل صالح للجميع.

وسيتحدد مستقبلنا المشترك بناء على قدرة البشرية على إدارة القوة بحكمة، من خلال إعمال القانون قبل أن يصبح الإفلات من العقاب أمرا معتادا، ومن خلال إنهاء الحروب قبل أن تلتهم أجيالا بأكملها، ومن خلال معالجة عدم المساواة قبل أن تتصدى المجتمعات، وتشريع وتيرة، عفوا، وتسريع وتيرة العمل المناخي قبل تجاوز نقاط اللاعودة، وحوكمة الذكاء الاصطناعي قبل أن يتحكم بنا.

هذا هو التحدي الذي تواجهه هذه الجمعية العامة والأمم المتحدة والإنسانية ذاتها.

في مواجهة الكارثة العالمية التي وقعت قبل أكثر من ثمانين عاما، أنشأت الأمم المتحدة كخطوة، تعبيرا عن، أنشئت الأمم المتحدة كخطوة لمواجهة هذا التحدي.

تحدي أولئك الذين يرفضون أن يسلموا المستقبل للخوف.

تحدي المفهوم الذي يأتي بنتائج عكسية والذي مؤداه أن القوة تصنع الحق.

تحدي البلدان التي تدرك أن مستقبلنا مترابط.

تحدي الأمل.

وسأحمل في نفسي روح العزيمة والتصميم طوال كل يوم من المائة يوم المتبقية لي في منصبي.

إن الالتزام بقيم ومبادئ الأمم المتحدة لا يبدأ بولاية ولا ينتهي بولاية.

إنها أعظم من أي منصب، وتدوم إلى ما بعد أي لقب.

ولذلك، في الأول من كانون الثاني/يناير، عندما تكون ولايتي قد انتهت كأمين عام، تأكدوا من الآتي:

أينما سأكون، وكيفما كان ما سأفعله، سأظل أدافع عن قناعتي بأن السلام ممكن، وأن كرامة الإنسان هي حق عالمي، وأن قوة القانون يجب أن تسود على قانون القوة، وأن مستقبلنا المشترك يستحق أن نكافح من أجله.

وسأواصل الدفاع عن قيم ميثاق الأمم المتحدة، ولن أستسلم أبدا، أبدا.

شكرا جزيلا.


01/10/2026