×

  مام جلال ... حقائق و مواقف

  مام جلال.. الكاريزما والرمز القومي لكوردستان



هوزان عفريني :

ونحن على أبواب الذكرى السنوية لرحيل فقيد الأمة الرئيس جلال طالباني (مام جلال)، أستذكر كتابي عنه بعنوان "مام جلال الرمز القومي للكورد"، والذي يتناول تاريخ الرئيس ونضاله الممتد لعقود، بالإضافة إلى آراء عدد من الكتاب والمثقفين العرب والأتراك والفرس والأمريكان و الروس و غيرهم في شخصيته ودوره على صعيد إقليم كوردستان وأجزاء كوردستان الأربعة والعراق والمنطقة والعالم. والجدير بالذكر أن الكتاب مكتوب باللهجة الكرمانجية وبالحروف اللاتينية.

 

كاريزما القائد وحامي قضية شعبه

كان لدى الرئيس مام جلال شخصية كاريزماتية استثنائية، جعلت منه حامياً لأمن أمته. لقد حوّل قضية شعبه إلى قصة يرويها في كافة المحافل الدولية، وجعل منها قضية شرعية وعادلة. حمل رسالة البيشمركة من جبال كوردستان ووديانها وأوصلها إلى الأمم المتحدة، وعندما رُشح لمنصب رئيس جمهورية العراق الفدرالي، جعل من القضية الكوردية قضية شرعية معترفاً بها دولياً.

إنه الرجل الذي ترجّل من جبال كوردستان بلباس البيشمركة ليصبح رئيساً للجمهورية بهويته الثورية والقومية والوطنية المخلصة. مام جلال الطالب، المحامي، الناشط، الثائر، القومي، الكوردستاني، الوطني، الإنساني، صاحب الشخصية الكاريزماتية التي دخلت التاريخ. لقد دوّن اسم قضيته على صفحات التاريخ من خلال حضوره ومشاركاته وجولاته في المحافل الدولية، ولم يبخل يوماً في الدفاع عنها. وكما يقول عنه أصدقاؤه القدامى، كان صادقاً ووفياً ومخلصاً ومحبوباً. نعم، هكذا هم أبناء وطن الشمس، أبناء كوردستان.

 

الرئيس الإنسان وصمام الأمان

كان مام جلال أول رئيس عراقي كوردي يصل إلى الرئاسة بهويته الكوردية والثورية، ولم يحمل حقداً تجاه الشعوب الأخرى، بل كان يتعامل مع الجميع بروح الإنسانية والتسامح والعطاء. ومن أبرز مواقفه الإنسانية أنه رفض التوقيع على مذكرة إعدام الدكتاتور صدام حسين، رغم أن الأخير كان قد استثناه شخصياً من قرار العفو العام.

إن المناضل والبيشمركة، الرئيس السابق لجمهورية العراق الفدرالي، وسكرتير الاتحاد الوطني الكوردستاني، لم يبتعد منذ طفولته وحتى يوم رحيله عن أجواء السياسة والدبلوماسية الكوردستانية، وخدم بكل ما يملك من قوة وعزيمة في سبيل تحقيق أهداف الشعب الكوردي واحترام وحماية حقوق كافة المكونات.

 

دوره في حماية المكتسبات ونشر ثقافة التسامح

كان دور المناضل الخالد مام جلال في حماية مكتسبات ومنجزات الشعب الكوردي والمكونات الأخرى التي تعيش في كوردستان وجوارها دوراً كبيراً وتاريخياً. كان مناضلاً كوردستانياً وأممياً وإنسانياً، وكان له دور ريادي في زرع مفهوم الأخوة والسلم الأهلي بين شعوب الشرق الأوسط دون أي تفرقة.

كان يعمل دوماً على تقريب الفرقاء وتوحيد صفوفهم من أجل تحقيق الأمن والسلام وإنهاء العداوة والاقتتال الداخلي. وكان عازماً على وقف القتال الداخلي بين الأطراف الكوردية، وضغط على حزبه لإيقافه، وتنازل كثيراً في بعض الأحيان للطرف المقابل حقناً لدماء الشباب الكورد. وقد عُرف من قبل القيادات السياسية العراقية وبعض دول العالم بأنه "صمام الأمان"، حيث تعدى حضوره السياسي إقليم كوردستان وأجزاء كوردستان الأربعة ليعم الساحة العراقية والدول المجاورة.

 

مهندس العلاقات الكوردية الدولية

يُعد مام جلال زعيماً مخضرماً شارك في مساعي الشعب الكوردي لتقرير مصيره، وهو من فتح باب العلاقات الدبلوماسية بين إقليم كوردستان ودول العالم منذ بداية الستينيات وحتى يوم مرضه، لذا يُعتبر مهندس العلاقات الدبلوماسية للشعب الكوردي. كانت له علاقات جيدة مع الدول الأوروبية وأمريكا وكندا ومصر ودول الخليج، وكانت أولى انطلاقاته الدبلوماسية في فرنسا عام 1963.

وقد ربطته علاقة شخصية بالرئيس المصري جمال عبد الناصر، حيث أقنعه بفتح قسم للغة الكوردية في إذاعة القاهرة. وبعد بدء البث، تدخلت تركيا وهددت مصر، مما أجبرها على إغلاق القسم الكوردي عام 1957. كما أن له بصمات قوية في إنجاح اتفاقية 11 آذار 1970، والانتخابات الكوردستانية عام 1992، وتوحيد الخطاب السياسي الكوردي لتأسيس إقليم كوردستان الفدرالي.

وكان له دور ريادي في فتح قسم كوردي في راديو صوت أمريكا عام 1992، ودور في إعلان وقف إطلاق النار من قبل حزب العمال الكوردستاني عام 1993 ضد الدولة التركية، وسعى للتواصل بين الرئيس التركي تورغوت أوزال وزعيم الحزب عبد الله أوجلان لإحلال السلام وحل القضية الكوردية سلمياً. كما كان له دور في مساندة ثورة روجآفاي كوردستان، فعندما زار وفد المعارضة السورية بغداد عام 2012، طالب بأن يكون رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي صالح مسلم ضمن الوفد، ولا يزال الدعم والمساندة مستمرين لروجآفا.

 

مام جلال في عيون الآخرين

حسب ردود المراقبين السياسيين الكورد، "حينما يتم البحث في النضال العسكري والسياسي والدبلوماسي، والحنكة السياسية والتسامح وحماية الحقوق وقول كلمة الحق، فإن الجميع يتذكرون الخالد فقيد الأمة الرئيس جلال طالباني". لذلك يقول الجميع إن رحيل قائد مثل مام جلال ترك فراغاً لن يمتلئ، وكانت فاجعة كبيرة وخسارة للكورد وكوردستان والعراق وشعوب المنطقة برمتها.

وعن مؤسسة دراسات كوردستانية التي يترأسها الدكتور خالد يونس، صدرت الطبعة الثانية من كتابه "الزعيم الوطني الكوردستاني، جلال الطالباني قائد وفكر وعصر" في أبريل 2006. ويذكر الكاتب في الصفحة الأولى: "لم أكتب هذه الدراسة من منطلق حزبي، فأنا لست متحزباً، إنما أكتبها من منطلق إعجابي بالأستاذ مام جلال وبنبوغه وتضحياته ونضالاته".

لقد وصفته بعض الصحف العراقية العربية بأنه "محام ومناضل يجمع في شخصه حكمة الشيوخ وحماسة الشباب، وهو موهوب بطاقة جدلية قل مثيلها". وقال فيه الشاعر العراقي الكبير الراحل محمد مهدي الجواهري:

"ماذا أغني شوق جلال كشوق العين للوسن، كشوق ناءٍ غريب للدار والوطن.. شوقاً إليك وأنت النور من بصري وأنت محل الروح في البدن".

 

قرار العفو الذي استثنى مام جلال

حُكم على الرئيس الخالد مام جلال بالإعدام غيابياً. وحسب تقرير لـ DW عربية، أصدر صدام حسين عفواً عن المشاركين في انتفاضة 1988 لكنه استثنى جلال طالباني منه. ونص قرار مجلس قيادة الثورة رقم 736 لسنة 1988 على:

"ثالثاً: يستثنى من العفو الوارد بهذا القرار الخائن جلال الطالباني فقط."

وبعد سنوات، تولى مام جلال طالباني رئاسة الجمهورية وكان من صلاحياته التوقيع على أحكام الإعدام، لكنه رفض التوقيع على حكم إعدام صدام حسين، متسلحاً بكونه من الموقعين على وثيقة الاشتراكية الدولية الداعية لإلغاء عقوبة الإعدام، مما أخر تنفيذ الحكم لشهور حتى خوّل رئيس الحكومة نوري المالكي توقيعه أثناء سفره.

 

المرض والرحيل

عانى مام جلال في السنوات الأخيرة من مشاكل صحية. أُدخل إلى مدينة الحسين الطبية في الأردن في 25 فبراير 2007، وأُجريت له عملية جراحية للقلب في الولايات المتحدة في أغسطس 2008. وفي نهاية عام 2012 غادر العراق للعلاج في ألمانيا إثر جلطة دخل على إثرها في غيبوبة، ومكث هناك نحو عام ونصف حتى عاد للعراق في يوليو 2015.

لقد رحل عنا يوم 3-10-2017، في تمام الساعة الرابعة عصراً في أحد مستشفيات ألمانيا، عن عمر ناهز 84 عاماً، بعد صراع مع المرض دام خمس سنوات (2012-2017). وبعد إعلان رحيله، أعلنت حكومة إقليم كوردستان الحداد لمدة أسبوع، والحكومة العراقية ثلاثة أيام، وكذلك الإدارة الذاتية لروجآفاي كوردستان وحزب الشعوب الديمقراطي في شمال كوردستان.

وقد جاء في برقية البيت الأبيض الأمريكي: "نتذكره كوطني حقيقي وشريك كان فعالاً في نقل العراق من طغيان صدام حسين إلى الديمقراطية الدستورية".

ويقول جيلبير ميتران، نجل دانيال ميتران: "إن خسارة هذا القائد العظيم ليست للكورد فقط وإنما لجميع المناضلين الذين يحاربون في طريق تحقيق العدالة والسلام". وتقول دانيال ميتران نفسها إنها مدينة للرئيس مام جلال لأنه أنقذها من حادثة تعرضت لها عام 1992، وكانت صديقة مقربة له وعملت من أجل حقوق الكورد.

 

الخاتمة

خسر الشعب الكوردي والعراقي برحيل الرئيس مام جلال شخصية بطلة كان لها وجود دبلوماسي وسياسي قوي في الساحة الدولية. كان قائداً كوردستانياً وعراقياً وإنسانياً لامعاً ومناضلاً صلباً، وأول شخصية كوردية استطاعت أن تجمع بين الفكر القومي الكوردستاني والإنساني والدولي والوطنية العراقية الصادقة، وهو من نشر ثقافة التسامح لفتح الطريق أمام تقبل دولي لدعم وحماية حقوق الشعب الكوردي، وكان مؤمناً بالنظام الديمقراطي ومحارباً للظلم والاضطهاد والعنصرية.

جلال حسام الدين نور الله نوري طالباني، المعروف بمام جلال، المولود في 12 نوفمبر 1933، ناضل أكثر من سبعين عاماً في خدمة حرية شعبه، من محامٍ قانوني إلى بيشمركة مناضل في جبال كوردستان حارب دكتاتورية البعث، ليصبح رئيساً لمجلس الحكم بعد الإطاحة بالنظام البعثي عام 2003، ثم الرئيس السابع لجمهورية العراق الفدرالي من 2005 إلى 2014، وهو أول رئيس منتخب ديمقراطياً كوردي غير عربي، محبوب ومقبول لدى كافة شرائح الشعب.


04/10/2026