*كرديار دريعي
*مركز روجافا للدراسات الاستراتيجية
يشهد الشرق الأوسط مرحلة من أكثر مراحل التحول الجيوسياسي تعقيدا منذ نهاية الحرب الباردة. فالنظام الذي تشكل على مدى عقود لم يعد يعمل بالقواعد نفسها، في حين أن النظام البديل لم يتبلور بصورة نهائية. إنها لحظة انتقالية تتراجع فيها ملامح النظام القديم، بينما يبرز نظام أكثر تعددا للأقطاب، وتزداد فيه قدرة القوى الإقليمية على صناعة مسارات المنطقة.
في هذا السياق، ظهرت قراءات كثيرة تميل إلى تفسير الأحداث باعتبارها حلقات في خطة واحدة: إضعاف دولة ثم أخرى، واستنزاف إيران، وإعادة تشكيل العراق وسورية، واستخدام جماعات مسلحة، وإضعاف القوى الكردية أو إعادة ترتيبها، ثم الوصول في النهاية إلى إعادة رسم المنطقة. لكن هذه المقاربة، رغم قدرتها على إنتاج سردية متماسكة، تفترض درجة من التنسيق والسيطرة يصعب إثباتها. والمقاربة الأكثر صرامة هي النظر إلى الشرق الأوسط باعتباره ساحة تتفاعل فيها مشاريع متعددة ومتنافسة: مشروع تركي، وإيراني، وإسرائيلي، وعربي، وأمريكي، وروسي، وصيني، إلى جانب مشاريع الدول والقوى المحلية. وقد تنتج هذه المشاريع، رغم عدم اتفاقها، نتائج مشتركة لم يخطط لها أي طرف مسبقا. ومن هنا تأتي فكرة «لوزان الجديدة»، التي لا ينبغي فهمها باعتبارها تكرارا لمعاهدة لوزان عام 1923، بل باعتبارها استعارة سياسية عن صفقة أو مجموعة توافقات كبرى تثبت نظاما إقليميا جديدا بعد سنوات من الصراع وتبدل موازين القوى.
أولا: مشاريع مستقلة وليست فوضى ممنهجة
كانت لوزان التاريخية جزءا من عملية أوسع أعقبت الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية، وأفضت معاهدة 1923 إلى الاعتراف بالدولة التركية الجديدة، بعد سنوات من الحرب والتفاوض وإعادة تشكيل المجال السياسي في المنطقة. لكن استخدام مفهوم «لوزان» اليوم لا يعني تكرار تلك العملية حرفيا، فقد لا تكون هناك ضرورة لمؤتمر واحد أو وثيقة واحدة، بل ربما تكون «لوزان الجديدة» حزمة من الاتفاقات الأمنية والسياسية والاقتصادية والحدودية، وترتيبات تتعلق بالطاقة والممرات التجارية ومستقبل القوى المحلية، إلى جانب تفاهمات إقليمية بين القوى الكبرى والمتوسطة. أي أن «لوزان» هنا اسم لمرحلة التسوية، وليس بالضرورة اسما لمعاهدة محددة. فالشرق الأوسط يشهد حاليا تداخلا كبيرا في المشاريع والأجندات وصراعا بين قوى دولية وإقليمية، إلى جانب القوى المحلية.
وقد اعتبر البعض كل ذلك فوضى ممنهجة لإعادة ترسيم خريطة النفوذ في الشرق الأوسط. غير أن ما نراه اليوم من انسحابات أمريكية من بعض المناطق والدول، وصعود قوى وتراجع أخرى، ونشوب نزاعات مختلفة، ليس بالضرورة فوضى ناتجة عن إرادة مركزية واحدة، وإنما يمكن القول إنه نتيجة تفاعل مشاريع مستقلة ومختلفة في أهدافها. فتركيا تريد الحفاظ على أمن حدودها، وتعمل على منع نشوء ترتيبات كردية تعتبرها تهديدا لأمنها القومي، وتسعى إلى تعزيز نفوذها الاقتصادي والأمني في العراق وسورية. وإيران تريد الحفاظ على عمقها الاستراتيجي ومنع تطويقها.
أما إسرائيل فتسعى إلى ترتيبات أمنية تقلل التهديدات المحيطة بها، وتدفع باتجاه مشاريعها الاقتصادية والسياسية. وتسعى دول الخليج إلى أمن إقليمي يحميها من الحروب ويضمن استمرار الطاقة والتجارة. في المقابل، تريد الولايات المتحدة حماية مصالحها الأساسية مع تجنب تحمل كلفة تدخل عسكري دائم، بينما تسعى روسيا إلى الحفاظ على نفوذها ومواقعها، وتبحث الصين عن الطاقة والأسواق والممرات التجارية والاستقرار. أما دول المنطقة نفسها، كالعراق وسورية، فتسعى إلى استعادة أكبر قدر ممكن من السيادة والاستقلال في بيئة شديدة التنافس. وهنا تظهر المفارقة: قد ينتج عن صراع المشاريع المتعددة نظام فوضوي يشبه الخطة الواحدة، من دون أن تكون هناك خطة واحدة أصلا.
ثانيا: الفوضى ليست بالضرورة غاية؛ قد تكون مرحلة انتقالية
هنا نتجاوز السردية التآمرية التي تفترض أن كل ما يجري مخطط له من غرفة عمليات مشتركة. فليس من الضروري أن تكون القوى الكبرى قد قررت مسبقا إبقاء الشرق الأوسط في حالة حرب حتى ينهار، ثم إعادة رسمه. الأدق هو أن بعض القوى قد تستفيد من نتائج الفوضى وتحاول توظيفها لمصلحتها، من دون أن تكون قد صنعت الفوضى كلها أو تحكمت بمسارها. وهذا فرق جوهري. فالدولة قد تدخل حربا لتحقيق هدف محدود، ثم تكتشف أن الحرب غيّرت ميزان القوى بطريقة لم تكن متوقعة. وقد يستغل طرف ثالث هذا التغير، ثم يظهر طرف رابع يحاول احتواء الطرف الثالث. وبعد سنوات، تتراكم الوقائع حتى يصبح السؤال: كيف نحول هذه الوقائع إلى ترتيب مستقر؟ وهنا تبدأ مرحلة التفاوض. ويمكن اعتبار العراق إحدى عقد النظام الإقليمي الجديد، لأنه يحتل موقعا استثنائيا عند تقاطع إيران والخليج وتركيا وسورية والقضية الكردية والولايات المتحدة.
وفي الوقت نفسه، يمتلك النفط والموقع الجغرافي وإمكانات الربط التجاري. وتظهر مؤشرات عديدة على أهمية هذا الدور، ومنها تطور العلاقة التركية ـ العراقية باتجاه مزيج من الأمن والاقتصاد والطاقة والبنية التحتية، بما في ذلك مشروع طريق التنمية، الذي يشكل نقطة مركزية في الاستراتيجية التركية الإقليمية وفي التفاعل التركي ـ الإيراني. ومن هنا يمكن أن يتحول العراق من ساحة صراع بين القوى إلى جزء من صفقة إقليمية. وقد تكون المعادلة المحتملة: أمن تركيا + سيادة العراق + مصالح إيران + التجارة الخليجية + الممرات إلى أوروبا. وهذه ليست صفقة سهلة، لكنها نموذج واضح لطبيعة التوافقات التي يمكن أن تشكل النظام المقبل.
ثالثا: القضية الكردية كجزء من «الصفقة الكبرى»
القضية الكردية إحدى أكثر القضايا حساسية، لأنها تتجاوز حدود دولة واحدة، وتتداخل فيها مصالح تركيا والعراق وإقليم كردستان وسورية وإيران والولايات المتحدة والقوى الكردية المختلفة. ولذلك يصعب تصور تسوية إقليمية شاملة تتجاهل المسألة الكردية.
غير أن التسوية المحتملة ليست بالضرورة سؤالا ثنائيا من نوع: دولة كردية أم لا دولة كردية؟ بل قد تكون أكثر تعقيدا: ما مستوى الحكم المحلي؟ ما حدود القوة المسلحة؟ ما وضع الحدود؟ ما العلاقة مع الدولة المركزية؟ ما الضمانات السياسية والثقافية؟ ما دور تركيا؟ وما دور بغداد ودمشق؟ وما المقابل الذي تحصل عليه القوى الأخرى؟ وتبدو التطورات في العراق وسورية مترابطة بصورة متزايدة مع السياسة التركية تجاه المسألة الكردية، فيما تسعى أنقرة إلى نقل بعض ترتيباتها من العمل العسكري الظرفي إلى أطر أمنية واقتصادية أكثر مؤسسية.
ومن جهة أخرى، إذا كان العراق عقدة أساسية، فإن سورية تمثل مركز تقاطع. ففيها تتداخل مصالح ومشاريع تركيا وإيران وإسرائيل والولايات المتحدة وروسيا والدول العربية والحكومة السورية والقوى الكردية والمحلية. ولهذا فإن مستقبل سورية لا يمكن قراءته باعتباره شأنا سوريا داخليا فقط، لأن أي ترتيب سوري جديد سيؤثر في مصالح ومشاريع القوى التي ذكرناها. ولذلك تتحول سورية إلى إحدى الساحات التي يمكن أن تتحول فيها الوقائع العسكرية إلى ترتيبات سياسية.
رابعا: لوزان توازن المصالح والصفقات
الموضوع الأكثر سخونة حاليا في الشرق الأوسط هو المسألة الإيرانية وصراعها مع كل من إسرائيل والولايات المتحدة. غير أن المسألة الإيرانية لا تنحصر في سؤال: هل ستهزم إيران أم ستنتصر؟ بل في سؤال آخر أكثر تعقيدا: إذا حدثت تسوية مستقبلية، فما حدود النفوذ الإيراني المقبولة لدى بقية الأطراف؟ وما المقابل الذي يمكن أن تحصل عليه إيران مقابل قبولها بهذه الحدود؟ هذه هي لغة الصفقات الكبرى. من الصعب تصور أن تقبل إيران التخلي عن كل نفوذها، كما أن الولايات المتحدة وإسرائيل ودولا عربية لن تقبل استمرار نفوذ إيراني بلا حدود. وبالتالي فإن المجال الواقعي للتفاوض قد يكون في صيغة نفوذ إيراني موجود، لكنه مقيد بترتيبات أمنية وسياسية جديدة.
وهذه واحدة من أكثر العقد تعقيدا في أي نظام إقليمي مستقبلي. وفي الوقت نفسه، يتحول الخليج من ساحة للحماية إلى مركز ثقل. فهو لم يعد مجرد طرف ينتظر ما تقرره القوى الخارجية، بل يمتلك الطاقة ورأس المال والموقع الجغرافي والعلاقات الدولية والقدرة على الاستثمار. وقد أصبح الخليج مركز ثقل متزايدا في النظام الإقليمي الناشئ، مع اهتمام متزايد بإدارة النزاعات وبناء ترتيبات أمنية واقتصادية جديدة. وهذا يعني أن أي «لوزان جديدة» لن تكون ببساطة صفقة أمريكية ـ تركية ـ إيرانية، بل ستكون دول الخليج طرفا في تحديد شكل النظام نفسه.
أما الولايات المتحدة، فقد تنتقل من إدارة المنطقة إلى إدارة التوازن، وقد يكون ذلك أحد أهم التحولات في طبيعة الدور الأمريكي. ففي مراحل سابقة، كان يمكن تصور واشنطن بوصفها القوة الخارجية المركزية التي تدير معظم تفاصيل النظام. أما في نظام أكثر تعددا للأقطاب، فقد يصبح الدور الأمريكي أقرب إلى ضمان بعض التوازنات ومنع ظهور نظام يناقض المصالح الأمريكية الأساسية، مع تقليل تكلفة الانتشار المباشر.
وهذا لا يعني خروج الولايات المتحدة من المنطقة، بل انتقالها من نموذج الإدارة المباشرة إلى نموذج يقوم على الضمان والردع والتحالفات والعقوبات والوساطة والتدخل الانتقائي. وفي المقابل، أصبحت القوى الإقليمية أكثر قدرة على تحديد مسارات المنطقة، بدل اعتماد النظام بالكامل على القوى الخارجية. وإسرائيل أيضا ليست مجرد مراقب للتطورات، بل فاعل أساسي، وقد أكدت مرارا أنها تريد تغيير وجه الشرق الأوسط. لكن السؤال هو: كيف سيجري هذا التغيير؟ وهل تستطيع إسرائيل فرض التغييرات وفق رؤيتها وحدها؟ إن طبيعة الصراع وتداخل المشاريع لا تشير إلى أن طرفا واحدا قادر على تحديد شكل النظام المقبل بمفرده.
خامسا: لن تكون «لوزان الجديدة»، إن حدثت، غربية فقط
نشأت لوزان عام 1923 في سياق دولي مختلف تماما. أما الشرق الأوسط المعاصر فيتحرك داخل نظام دولي تتنافس فيه الولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا، إلى جانب القوى الإقليمية. تمتلك الصين مصالح واسعة في الطاقة والتجارة والبنية التحتية والممرات والأسواق، بينما تمتلك روسيا مصالح سياسية وأمنية، وتسعى إلى الحفاظ على قواعدها ومواقعها وعلاقاتها مع مختلف الأطراف. لذلك لن يكون السؤال فقط: ماذا تريد واشنطن؟ بل أيضا: ما النظام الذي تستطيع واشنطن وموسكو وبكين والقوى الإقليمية التعايش معه؟ وهذا يجعل «لوزان الجديدة» المحتملة أكثر تعقيدا بكثير من التسويات التي كانت القوى الأوروبية تفرضها على المنطقة في القرن العشرين.
لذلك يمكن تصور النظام المقبل على شكل مقايضات وصفقات متبادلة، بدل صفقة واحدة. فتركيا قد تربط الأمن الحدودي بالملف الكردي، والتجارة والممرات بترتيبات مع العراق وسورية والولايات المتحدة والقوى الكردية. وقد تربط إيران خفض التصعيد وضبط بعض أشكال النفوذ بالحصول على ضمانات أمنية، وتخفيف بعض الضغوط، والاعتراف بدورها الإقليمي.
أما العراق، فقد يربط التعاون الأمني والممرات والطاقة بالحصول على استثمارات وسيادة أكبر وتوازن في علاقاته الخارجية. وقد تربط القوى الكردية إعادة تعريف دورها العسكري بالحصول على ضمانات سياسية وأمنية وحقوق مؤسسية. وقد يربط الخليج الاستثمار والطاقة والتجارة بالحصول على ترتيبات أمنية إقليمية أكثر استقرارا. أما إسرائيل، فقد تربط الترتيبات الأمنية والتعاون الإقليمي بتفاهمات أوسع حول العلاقات العربية والقضية الفلسطينية والتهديد الإيراني.
وقد تربط الولايات المتحدة الضمانات الأمنية والتكنولوجيا والاعتراف الدولي بترتيبات تقلل التهديدات الإقليمية وتكاليف التدخل العسكري المباشر. كل ذلك ليس اتفاقات موجودة بالفعل، بل خريطة للموضوعات التي يمكن أن تصبح أوراق تفاوض إذا نشأت ظروف تسوية واسعة.
وطبعا، لا توجد حتمية تاريخية لحدوث «لوزان جديدة». فهناك عوامل عديدة يمكن أن تمنع الوصول إلى تسوية، منها اعتقاد أحد الأطراف أنه قادر على تحقيق المزيد بالقوة، أو انهيار دولة مركزية، أو تصاعد الحرب الإيرانية ـ الإسرائيلية أو الأمريكية ـ الإيرانية، بما قد يعيد العراق وسورية والخليج إلى دوامة أوسع. كما أن عدم التوصل إلى تسوية حول المسألة الكردية، خصوصا إذا أصبحت سورية والعراق وتركيا مسارح متداخلة للصراع، إلى جانب تضارب المشاريع الاقتصادية وعودة التنظيمات الجهادية، قد يعيق الوصول إلى أي تسوية إقليمية شاملة.
سادسا: الكرد ولوزان الجديدة:
إذا كانت منطقة الشرق الأوسط تتجه فعلا نحو إعادة ترتيب موازين القوى، فإن السؤال الكردي لن يكون هامشيا في أي تسوية إقليمية محتملة. لكن المسألة الأساسية لن تكون فقط: ماذا ستقرر القوى الكبرى بشأن الكرد؟ بل: هل سيتمكن الكرد من الانتقال من كونهم موضوعا للتفاوض بين الآخرين إلى كونهم طرفا يشارك في صياغة التفاهمات التي ستحدد شكل المنطقة؟ في لوزان عام 1923، جرى تثبيت نظام إقليمي جديد في غياب مشاركة كردية فاعلة في صياغته.
أما اليوم، فقد تغيرت الوقائع بصورة كبيرة. فالكرد يمتلكون تجارب سياسية ومؤسساتية مختلفة في العراق وسورية، وحضورا سياسيا داخل تركيا وإيران، إضافة إلى علاقات دولية وموقع جغرافي يجعل قضيتهم مرتبطة مباشرة بملفات الأمن والطاقة والممرات التجارية ومستقبل العراق وسورية وتركيا. لكن امتلاك هذه الأوراق لا يعني تلقائيا امتلاك قوة تفاوضية. فالمشكلة الأساسية تكمن في الانقسام السياسي وتعدد الرؤى والاستراتيجيات الكردية.
ولذلك فإن التحدي الأول هو بناء حد أدنى من التنسيق الكردي حول القضايا الكبرى، من دون أن يعني ذلك إلغاء الاختلافات بين القوى والأحزاب أو فرض نموذج سياسي واحد على الأجزاء الأربعة. المطلوب هو صياغة رؤية مشتركة تقوم على مبادئ أساسية: الاعتراف بالهوية والحقوق القومية والثقافية، المشاركة السياسية، ضمان الحقوق الدستورية، حماية المجتمعات الكردية، وإيجاد ترتيبات سياسية وأمنية تضمن الاستقرار. ويمكن أن تختلف الصيغ من دولة إلى أخرى وفق ظروفها، لكن وجود أرضية مشتركة سيمنح الكرد قدرة أكبر على التفاوض.
كما أن الاعتماد على قوة دولية واحدة لن يكون كافيا. فالدول الكبرى تتحرك وفق مصالحها، وقد تتغير أولوياتها وتحالفاتها. لذلك ينبغي أن تتحول العلاقات الدولية الكردية من الاعتماد إلى تعدد الشراكات، بحيث تصبح القوى الدولية والإقليمية معنية بالحفاظ على الاستقرار والتفاهم مع الكرد، بدل أن يكون الكرد مجرد ورقة تستخدمها هذه القوى عند الحاجة. وتبرز هنا أهمية الجغرافيا الكردية. فهي تقع عند تقاطع تركيا والعراق وسورية وإيران، وبالقرب من طرق الطاقة والتجارة والممرات الإقليمية. وإذا استطاع الكرد تحويل هذه الجغرافيا من مصدر للصراع إلى عنصر للربط الاقتصادي والأمني، فإن قيمتهم التفاوضية ستزداد.
لذلك فإن «لوزان الجديدة»، إذا حدثت، لن تبدأ يوم يجلس الأطراف حول طاولة واحدة، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات، عبر بناء موازين القوة والمؤسسات والتحالفات. ومن هنا فإن السؤال الكردي الحقيقي ليس: هل سيُدعى الكرد إلى لوزان الجديدة؟ بل: هل سيمتلكون من القوة السياسية والمؤسساتية والاقتصادية والدبلوماسية ما يجعل تجاوزهم مكلفا لبقية الأطراف؟ إذا تحقق ذلك، فلن يكون الكرد مجرد موضوع يجري التفاوض عليه، بل طرفا في صياغة النظام الإقليمي الجديد.
سادسا: الاستنتاجات
أولا:
لا توجد خطة واحدة تفسر كل ما يحدث في الشرق الأوسط، وإنما يكفي تعدد المصالح والصراعات لإنتاج مسار يبدو أحيانا وكأنه مخطط واحد.
ثانيا:
القوى الكبرى ليست وحدها صاحبة القرار؛ فالقوى الإقليمية، ولا سيما تركيا وإيران ودول الخليج وإسرائيل، تمتلك قدرة أكبر من السابق على تشكيل الوقائع.
ثالثا:
العراق وسورية ليسا ملفين منفصلين، بل جزء من عقدة واحدة تشمل تركيا وإيران والمسألة الكردية والخليج والولايات المتحدة.
رابعا:
القضية الكردية يمكن أن تصبح إحدى أهم أوراق التفاوض في أي تسوية إقليمية، لأنها تربط بين تركيا والعراق وسورية وإيران. ويتوقف قدرة الكرد في تجاوز كونهم مجرد موضوعللتفاوض بين القوى المختلفة الى مفاوضين وفاعلين في التفاوض عنانفسهم ومستقبلهم ، بمدى قدرتهم على إمتلاك القوة السياسية والمؤسساتية والاقتصادية والدبلوماسية والتنسيق البيني بين القوى الكردية المختلفة وامتلاك رؤية استراتيجية مشتركة ومشروعا واضحا.
خامسا:
يمكن للاقتصاد أن يصبح جزءا من الأمن. فمشاريع الممرات والطاقة والموانئ والسكك الحديدية ليست مجرد مشاريع تنموية، بل يمكن أن تكون أدوات لبناء مصالح متبادلة تجعل استمرار الحرب أكثر كلفة.
سادسا:
«لوزان الجديدة» ـ بالمعنى الذي نعطيه للمصطلح هنا ـ لن تكون بالضرورة إعادة رسم للحدود، بل قد تكون إعادة تعريف لمن يملك النفوذ، ومن يضمن الأمن، ومن يمر عبر أي طريق، ومن يسيطر على الطاقة، ومن يستطيع استخدام القوة وأين.
سابعا:
لا يمكن معرفة شكل التسوية مسبقا، لأن شكلها سيتحدد جزئيا بنتائج الصراعات التي لم تنته بعد.
الختام
السؤال التقليدي: «من يقف خلف ما يحدث في الشرق الأوسط؟» ليس السؤال الأكثر إنتاجا سياسيا. السؤال الأعمق هو: كيف تتفاعل المشاريع المتنافسة بحيث تنتج في النهاية نظاما جديدا؟ ومن سيكون قد جمع ما يكفي من أوراق القوة عندما تبدأ مرحلة التفاوض؟ فالشرق الأوسط ليس أمام مؤامرة واحدة، ولا أمام فوضى عشوائية بالكامل. إنه أقرب إلى عملية تنافسية طويلة، يحاول خلالها كل لاعب تحسين موقعه، بينما تتغير البيئة نفسها تحت أقدام الجميع. وقد تكون النتيجة النهائية صفقة كبرى، لكن هذه الصفقة، إن حدثت، لن تكون بالضرورة شيئا قررته القوى الكبرى منذ البداية.
قد تكون نتيجة تراكمية للصراعات والتفاهمات والوقائع التي صنعتها الأطراف نفسها. وهنا تصبح عبارة «لوزان الجديدة» أكثر دقة: ليست خطة لإعادة رسم الشرق الأوسط، بل احتمال لمرحلة يصبح فيها تثبيت ميزان القوى الجديد أكثر فائدة من الاستمرار في محاولة تغييره بالقوة. وعند تلك النقطة، لن يكون السؤال: من ربح الشرق الأوسط كله؟ لأن أحدا، على الأرجح، لن يحصل على كل شيء. سيكون السؤال: من يملك أوراقا كافية ليحوّل مكاسبه إلى اتفاق؟ ومن اضطر إلى تحويل خسائره إلى تنازلات؟ ومن بقي خارج الطاولة لأن الوقائع الجديدة تجاوزته؟ وهنا تحديدا قد تبدأ «لوزان» الحقيقية للقرن الحادي والعشرين: ليس بتقسيم المنطقة من جديد، وإنما بترسيم حدود القوة والنفوذ والمصالح بين القوى التي ستخرج من هذه المرحلة وهي ما تزال قادرة على فرض نفسها على طاولة التفاوض.