×

  جميع المواضيع

  مقومات الاعتراف بالدولة



*د. قاسم داود

 

القاعدة تقول.. اذا لم يعترف مواطنوا الدولة بالدولة وشرعيتها وحدودها ودستورها ومصالح شعبها وسقوف سيادتها وان تكون كاملة السيادة غير منقوصة في نظر قواها السياسية وتياراتها الاجتماعية في ظل وجود عقد اجتماعي دستوري ينظم العلاقة ويشرف على ترسيخ صيغها في الحياة الوطنية فان تلك الدولة ستبقى حبرا على ورق!.

اتذكر الفترة التي تشكلت فيها لجنة كتابة الدستور العراقي وتشرفت في ان اكون احد اعضائها في الــ 2005 ان كافة القوى السياسية والمكونات القومية والمذهبية توقفت مطولا عند شكل الدولة ومضمونها الدستوري – الفكري والاجتماعي وتابعت الموضوع السياسي بعناية شديدة فجاء الشكل والمضمون بعد نقاشات موضوعية وقرار بالمضي بهذه الصيغة الوطنية وفي ظل ارادة سياسية مصممة على انجاز المحتوى الوطني للدستور الى صيغة اخذت بالاعتبار قوة الدولة العراقية الجديدة عبر قوة ورصانة النص الدستوري الذي اكد بما لايدع مجالا لمريب وحدة العراق بجميع طوائفه وقومياته ومذاهبه ومشاربه الاجتماعية والانسانية عبر ظهور المحتوى الجديد القائم على الاتحاد الفيدرالي الضامن لاستمرار الهوية قاعدة اساسية في تاسيس الدولة وحماية الكيان الوطني.

كان يفترض ان يكون العراق بعد ربع قرن من قيام الدولة الفيدرالية الديمقراطية الدستورية اكثر اندكاكا بمفهوم الدولة الحديثة فلا مليشيات مسلحة ولاسلاح منفلت ولا احزاب سياسية تتصرف بالنيابة عن الدولة والحكومة ورئيس الدولة ولافساد مالي وسوء ادارة وان تكون الدولة الادارية العامة بديلا عن الدولة السياسية التي يقودها مجموعة من رؤساء الأحزاب وهم لايدركون حجم المخاطر ولا اليات الادارة الحديثة للبلدان بل هم الجزء الاهم في تطوير ذهنية العمل بمنطق المليشيا فضلا عن تورطهم بملفات فساد وما ينشر في وسائل الاعلام ومواقع التواصل الاجتماعي يوميا في اطار حملة الحكومة على الفساد سبب كافٍ للتورط والضلوع في عمليات سرقة الدولة!.

اعتقد جازما ان الدولة العراقية تتعرض منذ تشكيل التحالفات السياسية بعد انتخابات 2006 - 2007 ومجيء الحكومة الاولى والثانية الى عدوان واضح شمل التعدي على الدستور والتقليل من شانه ومكانته ودوره بدليل حديث السيد المالكي عن فلسفة التنقيص والتقليل من هيبة الدستور وغارات مباشرة على طابع المؤسسة والوزارة وشكل الدولة العراقية التي يصر فريق في الاطار التنسيقي على اسقاط هيبتها واخضاعها لمزاجه "الثوري" ورؤيته الايديولوجية المرتبطة بمحور مايسمى مقاومة العدوان الاسرائيلي – الامريكي فيما هم يعرفون جيدا انهم غير قادرين على الوقوف ضد هذه الموجة العاتية بسبب قلة الخبرة وعدم القدرة العسكرية في مواجهة ما تتعرض له المنطقة والاهم من ذلك والاخطر انهم منذ 7 اكتوبر والى الساعة التي نكتب فيها هذا الراي لم يتوفروا على الحرص الوطني الذي يجنب العراق ضربات اسرائيلية للمنشاءات والمرافق العسكرية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية العراقية فيما لو تم اتخاذ قرار مدعوم من قبل واشنطن بمهاجمة العراق.. هؤلاء مغامرون همهم كيف يوسعون دائرة الحرب مع اسرائيل تنفيذا لرغبة الجارة الايديولوجية مع ان الجارة ابلغتهم اكثر من مرة ان المعركة الجارية في مضيق هرمز معركتها ولاتريد لاي من الاطراف المتعاطفة معها التورط في حرب توسع دائرة الماساة ولاتجلب الا الخراب والتدمير على العراقيين!.

ان منطق الدولة في العراق يجب ان يترافق مع اجراءات واقعية تمنع خرق السيادة في الداخل عبر تجريد السلاح ووضع حد للحماس الثوري بترويض قواعد الاتصال مع الجار المستهدف امريكيا وان الاولوية عند كل البشر في كل الدنيا هي للمصالح الوطنية وتحصين السيادة من الانتهاك واذا تم انتهاك سيادة العراق فان القيمة التي انبنى عليها الوطن ستسقط في مستنقع التدمير والتجاوز وستتحول بغداد في ظل سياسة العقاب المتحفز للولايات المتحدة إلى اطلال وستبوء كل الجهود التي تبذلها الدولة العراقية وحكومتها الحالية بالفشل اذا لم تستطع الارتفاع لمستوى الدولة وستحل اللعنة على السياسة العراقية وعندها ستنمي المليشيات تجارة السلاح والحركة والاستهداف والاعتياش على الازمات وستتراجع الدولة لتصبح كيانا هزيلا لا احد يسال عنه او يهتم لامره في الخارج والى خيمة في الداخل لا احد من مواطنيها يلجأ اليها او يحتمي بسقفها المهلهل!.

في هذه اللحظة الفارقة من حياة الدولة العراقية لامجال من التنصل عن المسؤولية التاريخية انطلاقا من التنزيل القراني "وقفوهم انهم مسؤولون" واول المسؤولين عن المآلات السيئة واللحظات الصعبة والتدمير وغياب السيادة الوطنية هو الاطار وسياساته وقادته ونمط الفكر السياسي الذي يحملونه وطبيعة المعالجات الهشة التي استخدمها بمجمل امراض السياسة العراقية وادارة شؤون الناس في الداخل والخارج.

على النخب الوطنية والتيارات الاجتماعية العراقية التي تعتقد باهمية الاولويات الراهنة وقيمة الدولة واثر التحديات الحالية على السيادة والامة والامن والاستقرار وعبور مضائق الازمات والاشكاليات الحالية وهي ازمات واشكاليات خطيرة تمس امن المواطن وكيانه وهويته ان يتطلعوا بالحوار والنقاش والفعل السياسي المباشر الى المستوى الذي يؤهلهم تاكيد ما ينبغي تاكيده في المرحلة المقبلة عبر التاثير في مجرى السياسة العراقية وانتاج صيغة سياسية وطنية حاكمة بديلة عن الاطار الحالي فيها كل تنوعات الطيف الوطني على ان يؤدي الاطار الجديد مسؤولياته الوطنية من دون خلفيات عقائدية اذ يكفي العراق ما تحمله من تحديات وماسي بسبب الحروب العقائدية وحروب النيابة!.

منطق الدولة يفرض مسؤولية التسليم بالدولة سقفا للمصالح وهوية للمواطن وسيادة تحمي الكيان من الخرق والاضعاف ولابديل عن الدولة الا الدولة القوية القادرة!.

*صحيفة"المدى"


08/10/2026