×

  الرئاسات

  مام جلال.. من أفضل الأمثلة ​لحل النزاعات الصعبة بأفضل الطرق



 

كلمة رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داوود أوغلو في مراسيم ذكرى رحيل الرئيس مام جلال

بغداد -3 اكتوبر 2026

 

بسم الله الرحمن الرحيم.

 السيد رئيس الجمهورية،

 السيد رئيس مجلس النواب العراقي السيد الحلبوسي

، السادة الحضور الكرام،

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 أنا سعيد وفخور بوجودي هنا. وسوف أتكلم من قلبي، من صميم قلبي، عن سبب سعادتي بوجودي هنا.

 كانت آخر زيارة لي إلى بغداد في عام 2014، وكانت هناك مشكلة كبيرة اقتصادية وأمنية. والآن، وبعد سنوات، جئت إلى هنا، والحمد لله، بغداد على الطريق الصحيح، وهي تعيش عصرا ذهبيا لها، مثل عصر بغداد الذهبي في العصر العباسي.

 وأود أن أهنئ جميع إخوتي الكرام هنا، رؤساء الوزراء السابقين والحاليين، والقادة الدينيين، وقادة الأحزاب، وجميع الموجودين اليوم. أهنئكم على هذا النجاح.

 وهذا ليس فقط نجاحكم أنتم، وإنما أنا أيضا فخور بكوني موجودا مع السيد الحلبوسي.

 العراق هو موطني الثاني وانا فخور جدا بأنني المتكلم الوحيد من خارج العراق، وكنت أفكر: لماذا أنا؟ وبعد ذلك فكرت، لربما إخوتي وأخواتي في العراق يعلمون بأنني عراقي مثلهم، أنا بغدادي مثلهم، وأنتم كلكم أيضا إسطنبوليون.

 في منطقتنا هذه، لا يوجد نجاح دون أن يكون هناك نجاح للآخرين وفي كل هذه الأحداث التي حدثت، سيكون هنالك إما نجاح لكي تكون منطقة ذات ازدهار اقتصادي وازدهار سوي، أو نفشل سويا.

 وأنا فخور بوجودي هنا اليوم، وأشكركم جدا، أيها السادة ورؤساء الأحزاب والإخوة والأخوات الكرام.

 وأنا أرى كل هذه الوجوه المألوفة.

 

 لماذا مام جلال؟

 وكيف يمكن أن أتحدث بشأنه؟

وكيف يمكن أن أتكلم عنه كشخص، كرئيس سابق وقائد للعراق وقائد لإقليم كردستان؟

 علاقتنا لم تكن علاقة رسمية، كانت علاقة من القلب إلى القلب.

 وكل العراقيين يعلمون جيدا أننا كنا نحاول أن نتشارك سويا، وأن نبحث عن الأمور المشتركة.

 بالنسبة لنا، كانت مهمتنا  توحيد المواقف و الآراء.

 هناك قادة يحاولون أن يكونوا مميزين، ويحاولون أن تكون لديهم الغلبة، وهناك قادة يقومون بتوحيد الشعوب.

 مام جلال هو شخص جاء لنا من الجبال، وجاء إلى القصر الرئاسي في بغداد، وخلال فترة رئاسته حاول أن يوحد العراق ويوحد وجهات النظر  وحتى مع غيابه، فقد قام اليوم بتوحيد جميع العراقيين سويا.

 شكرا جزيلا لكم لحضوركم سنة وشيعة، كردا وعربا، مسيحيين وتركمانا، كلكم جميعا عراقيون، ونحن كلنا أيضا جيران  ولا أتذكر المبادئ التي لدينا مع جيراننا كإخوة وحتى لو لدينا بعض المشاكل، لكن علينا أن نحاول أن نظهر للعالم بأنه ليس هناك مشاكل بيننا.

 ونود أن تكون تلك النية هي الديمقراطية بالنسبة لنا.

 بالنسبة لشخص التقيته عدة مرات، فإنني أنظر إلى حياته وما قام به.

هو ليس فقط سياسيا يعيش في قصور فخمة، بل هو شخص جاء إلى الرئاسة بمسؤولية، مسؤولية مواجهة العنف، وحاول أن يقوم بتوحيد العراقيين، وتوحيد الكرد، وتوحيد العراق بشكل عام.

 ما هي أسرار نجاحه؟

 هناك بعض الأمور والمبادئ الأساسية واحدة منها الأمور النفسية؛ فقد كان شخصا قادرا على التحاور والحوار مع أي شخص.

 عندما تلتقي شخصا، يمكن خلال خمس دقائق أن يكون إما عدوا أو صديقا.

 لم أرَ مام جلال شخصا غاضبا كان دائما مبتسما. عندما تلتقيه، دائما ما يكون إنسانا مبتسما، سهل الكلام.

 كان شخصا لطيفا، وكان إنسانا يحتضنك بالعناق. لم يكن شخصا يقوم بأفعال غاضبة، بل كان إنسانا سهل التعامل.

 وسأعطيكم واحدة من ذكرياتي معه.

 هذه الأمور نفسية. لقد التقيته عدة مرات، وكان الجميع يعلم أنه عندما آتي إلى بغداد، من الصباح إلى نصف الليل، كنت ألتقي جميع القادة  الكثير منكم يتذكر أن هذا نوع من الفنون. هذه الطاقة يجب أن تكون متفاهمة مع الطرف الآخر.

 وهذه هي الطريقة النفسية التي كان يتبعها مام جلال وهو إنسان حازم أيضا وكان يقول:يجب عليك أن تكون حازما إذا كنت تود أن تكون قائدا، ولكن إذا كنت حازما جدا دون أي مرونة ودون أي براغماتية، فلن يمكنك تحقيق أي شيء  يجب أن نكون مرنين.

 مام جلال كان حازما، ولكنه كان أيضا مرنا، وكان براغماتيا جدا ويغتنم الفرص عند حدوثها.

 وكان شخصا استراتيجيا جدا ويقول: المهم هو الهدف، وما الذي نود أن نحققه.

 مام جلال كان شخصا ذا نتائج.

 والآن دعوني أقول لكم، وأنا أعتذر، ربما يكون كلامي طويلا بعد كل هذه الكلمات، لكنني لا أريد فقط أن أتكلم هنا عن مام جلال، بل دعونا نذكر بعض الأمثلة.

 في عام 2007 كنت موجودا في بغداد، وكانت لدينا علاقات جيدة مع الرئيس، وكذلك، كما تعلمون، حزب العمال الكردستاني، الذي كانت توجد دائما مشكلات معه في تركيا وقد  قتلوا 12 جنديا تركيا، وكانت هناك أزمة كبيرة وكان هناك أيضا سجال كبير حول الدستور، وكانت هناك بعض التحفظات بين الدولة التركية وبعض الأحزاب الكردستانية في العراق، وكذلك كانت هناك بعض العمليات في العراق.

 في عام 2008 بدأت قواتنا العسكرية عمليات في ذلك المكان، وتلقيت أخبارا بأن البيشمركة والجنود الأتراك على وشك أن يتقاتلوا.

 كنت في دمشق للتوسط في الأزمة اللبنانية، وتلقيت تلك الأخبار، فاتصلت بالرئيس وقلت له إن الوضع متوتر جدا ويجب علينا فعل شيء في كردستان وقد تم استقبالي من قبل الرئيس جلال طالباني، ولا زلت أتذكر إلى الآن.

 نحن نحب بعضنا، ونحن معجبون ببعضنا الآخر، ولكن هناك مشكلة يجب علينا أن نواجهها و هي المشاكل الصعبة وكان الأشخاص يسمونني «بروف».

قال مام جلال لي: ليست هذه المشاكل علينا أن نحلها الآن، علينا أن نأكل أولا.

 وعندما بدأ بالأكل، كانت كل حركاته كأنها سمفونية جلسنا على طاولة كبيرة، وكل ما كان يفعله كان نوعا من الفن.

 كان الطعام العراقي جميلا ولطيفا، وكان عقلي مشغولا بتلك المشاكل، وكان ينظر إليّ بابتسامة ويقول لي: «كل أولا».

 وبعد ذلك استغرقت وجبة العشاء حوالي ساعتين، وقد دعا أيضا نيجيرفان بارزاني من أربيل، وكان في غرفة أخرى.

 وتكلمت مع الرئيس وقلت له: مام جلال، أنت تعرفني، نحن ليست لدينا بأي شكل من الأشكال نية لقلب الشعب الكردي ضد الشعب العراقي، وهذه النية خط أحمر بالنسبة لنا.

 لا نود أن نؤذي الشعب العراقي، ولا نود أن نرسل جيوشنا إلى العراق، ولكن يجب علينا أن نتفاهم بشأن جنودنا الذين قتلوا واستشهدوا على أيدي بعض الأشخاص من حزب العمال الكردستاني.

 كيف يمكننا حل هذه المشكلة؟

 وقلت إن هناك بعض الدوائر التي يمكن أن تبدأ وتنتهي، ولا نريد أن ندخل في التفاصيل، لكن يمكن أن نتكلم ككرد وأتراك، وبين العرب والكرد.

 يجب أن نوحد عقولنا، ونوحد قلوبنا.

 كيف يمكن فعل ذلك؟

 يجب أن يكون لدينا موقف قوي ضد حزب العمال الكردستاني، ولربما يمكننا فعل هذه الأمور، أرجوك أبقهم سويا: عربا، كردا، تركمانا نريد أن تكون لدينا وقفة موحدة.

قلت للسيد مام جلال: العراق هو شرق أوسط مصغر، وكركوك هي عراق مصغر. أرجوك أبقهم سويا: عربا، كردا، تركمانا وقفة عراقية تركية موحدة ودعونا ندعوكم إلى تركيا.

 وقال: نعم، أنت محق.

 وقد اقترح أن تكون هناك نسبة متوازنة بين العرب والكرد والتركمان والمسيحيين أيضا في كركوك.

 وهذه كانت البراغماتية: فهم السؤال وقام بحله.

 لم يقل إن كركوك تخص بعض الأشخاص فقط.

 وبعد ذلك قلت له: أرجوك تعال إلى تركيا.

 وفي ذلك الوقت كان بعض الأشخاص ينشرون الدعاية التركية ضد الكرد.

 وبعد أسبوع واحد قلت في بغداد: إذا حللنا هذه المشكلة، فإن العلاقات التركية العراقية ستكون علاقات نموذجية في الشرق الأوسط، وسوف تكون لدينا علاقات مثل فرنسا وألمانيا، وستكون لدينا قوة وشراكة في أقصر وقت.

 بعد ذلك ذهبنا إلى تركيا، وقد انسحبت القوات من الحدود العراقية، وانسحبت البيشمركة من تلك المناطق.

 وقد أصبحنا شركاء، وكانت البيشمركة والقوات التركية تقاتل سويا ضد داعش.

 لماذا؟

 بسبب هذه النتائج التي حدثت في زمن الرئيس الراحل. والآن، بعد أن ذهبنا وزرنا بغداد، التقينا السيد نوري المالكي. وأنا متأكد أنكم تتذكرون أنه كان لدينا اجتماع جيد في عام 2009 عندما أصبحت وزيرا للشؤون الخارجية.

 وكانت لدينا الهيئة العليا للعلاقات في العراق، وحوالي 48 اتفاقية وُقعت في يوم واحد مع 14 وزيرا.

 

 ما هو دور مام جلال؟

 لقد فتح تلك البوابة، وقام بتخفيض مستوى التوترات بين العراق وتركيا، وكانت لديه علاقات تركية عراقية على المستوى الشخصي.

 كنت سأقوم بالتخلي عن منصبي بسبب تلك المشكلة، لكنني أجلت هذا الأمر، وبعد ذلك بقيت في مصر، ثم صرت رئيسا للوزراء في بلدي.

 هذا هو ما نود أن يكون موجودا اليوم.

 إذا أردنا أن نقاتل شخصا، يمكن أن نجد مئات الآلاف من الأسباب، ولكن لكي نقوم بإيجاد السلام، يجب علينا أن نتعلم كيف نبتسم.

 يجب علينا أن نتعلم كيف نعانق إخوتنا من الجنسيات الأخرى: ككرد وأتراك، وككرد وعرب، وكتركمان.

 لقرون كنا معا، وإلى يوم القيامة، إن شاء الله، فإننا سوف نكون معا كتفا بكتف ويدا بيد  كردا وعربا وأتراكا سويا.

 والآن لدينا هذه الأمور في المنطقة، ويجب أن تكون هناك قيادة لحل هذا النوع من حل المشاكل، والقدرة على حل المشاكل بهذه الطريقة الإيجابية، وفهم بعضنا البعض ومام جلال في هذا الموضوع كان من أفضل الأمثلة  وقد كان يحل النزاعات الصعبة بأفضل الطرق، حيث كانت الظروف مواتية لبعض الصراعات.

ومن البداية، كما رأيتم في الفيديو، لو كان حيا اليوم، وأنا متأكد من أنه سيكون سعيدا برؤية أن كل العراقيين سويا يتذكرونه، وأنا متأكد من أنه يرى هذه الأمور التي نفعلها اليوم لإحياء ذكراه من الآخرة، من الجنة.

 وكذلك إلى اليوم هناك "مسيرة الحل" في تركيا، والأمور سوف تحل، وسيكون سعيدا بتلك الأمور. وقد التقيت العام الماضي فخامة رئيس الجمهورية المحترم،

 

السادة الاكارم

الآن في كركوك هناك أمن وسلام مع الحكومة المحلية العربية والكردية والتركمانية. ونحن اليوم كلنا إخوة.

 إن شاء الله سوف نقوم باستحضار تلك الخبرات الجيدة والمنافع من التعاليم.

 رحم الله مام جلال.

 والفاتحة على روح مام جلال.


08/10/2026