كلمة رئيس مجلس الوزراء السابق محمد شياع السوداني في مراسيم الذكرى التاسعة لرحيل الرئيس مام جلال
بغداد -3 اكتوبر 2026
بسم الله الرحمن الرحيم.
السيدات والسادة الحضور الكرام، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
نجتمع اليوم لنحيي الذكرى التاسعة لرحيل رئيس الجمهورية الأسبق، القائد والمناضل جزء من مسيرة سياسية طويلة شهدت تحولات كبيرة في تاريخ بلدنا، وكان مؤمنا بأن العراق لا يمكن أن يستقر إلا بمشاركة جميع أبنائه، وأن اختلاف مكوناته وتنوعها يجب أن يكون مصدر قوة، وأن تبقى المصلحة الوطنية هي الأساس مام جلال طالباني.
نستذكر اليوم شخصية وطنية وسياسية كان لها حضورها في تاريخ العراق الحديث، وفي مراحل مهمة من نضاله ضد الدكتاتورية، وفي الانتقال إلى العراق الديمقراطي الاتحادي الدستوري.
لقد كان مام جلال جزءا من مسيرة سياسية طويلة شهدت تحولات كبيرة في تاريخ بلدنا، وكان مؤمنا بأن العراق لا يمكن أن يستقر إلا بمشاركة جميع أبنائه، وأن اختلاف مكوناته وتنوعها يجب أن يكون مصدر قوة، وأن تبقى المصلحة الوطنية هي الأساس في العمل السياسي.
ومن هذا الفهم كان الحوار بالنسبة إليه وسيلة لإدارة الاختلاف، والشراكة طريقا لحماية العراق، والدستور إطارا ينظم العلاقة بين أبنائه ومؤسساته.
ونحن نستذكر هذه المعاني اليوم، فإن العراق يقف أمام محطة مهمة في مسيرة دولته تتصل مباشرة بسيادته وقراره الوطني، فالعراق، بعد سنوات طويلة من مواجهة الإرهاب والتحديات الأمنية، وصل إلى مرحلة أصبح فيها قادرا على تولي مسؤولياته الأمنية والعسكرية بصورة كاملة، مع انتهاء مهمة التحالف الدولي وانسحاب قواته من الأراضي العراقية، وبدء مرحلة جديدة في علاقات العراق مع دول التحالف تقوم على التعاون الثنائي وتبادل الخبرات والمصالح المشتركة، فالسيادة لا تختصر في ما عملنا عليه عندما كنا في موقع المسؤولية، وخضنا في ذلك وقتا من الحوارات والمسارات التفاوضية للوصول إلى اتفاق يحدد نهاية المهمة العسكرية للتحالف والانتقال إلى مرحلة جديدة وجود العسكري أو غيابه، وإنما تعني قدرة الدولة على حماية أرضها وصيانة قرارها الوطني وإدارة علاقاتها بما يحفظ مصالح شعبها، من خلال مؤسساتها الدستورية والقانونية.
وهذه المرحلة لم تبدأ اليوم، وإنما جاءت نتيجة مسار عملنا عليه عندما كنا في موقع المسؤولية، وخضنا في ذلك وقتا من الحوارات والمسارات التفاوضية للوصول إلى اتفاق يحدد نهاية المهمة العسكرية للتحالف والانتقال إلى مرحلة جديدة من العلاقات تقوم على التعاون والشراكة بعيدا عن وجود قوات قتالية على الأراضي العراقية.
كما أن هذه المرحلة هي ثمرة تضحيات كبيرة قدمها العراقيون في مواجهة الإرهاب، من قواتنا المسلحة بكل تشكيلاتها، ومن أبناء شعبنا الذين وقفوا في مواجهة تنظيم داعش.
وهي كذلك ثمرة سنوات من العمل على بناء قدرات مؤسساتنا الأمنية والعسكرية وتطويرها.
وإذا كان العراقيون قد خاضوا معركة الدفاع عن بلدهم في مواجهة الإرهاب، فإن مسؤوليتنا اليوم هي أن نحافظ على ما تحقق، وأن نرسخ دولة قوية بمؤسساتها، قادرة على حماية أمنها وسيادتها، وتوفير الاستقرار لمواطنيها، والمضي في بناء اقتصادها وتحقيق التنمية.
وهي قيم نجدها حاضرة في تجربة مام جلال، الذي كان يرى أن قوة العراق تبدأ من وحدة أبنائه ومن قدرتهم على إدارة اختلافاتهم تحت سقف الدولة والدستور.
ومن الوفاء لإرث مام جلال أن نستذكر أيضا الدور الذي يواصل نجله السيد بافل طالباني القيام به من خلال تمسكه بالنهج الذي آمن به والده، وبقيم الحوار والشراكة والتعايش، والعمل على حماية مصالح العراق وتعزيز الاستقرار فيه.
لقد أثبتت السنوات أن إرث مام جلال لم يكن مرتبطا بشخصه فحسب، وإنما كان نهجا سياسيا وفكرا في إدارة الاختلاف وبناء الشراكات، وهو ما يستمر اليوم من خلال الأجيال التي حملت هذه الرؤية وتعمل على ترسيخها بما يخدم العراق وشعبه.
إن العراق الذي نريده اليوم هو عراق الدولة؛ الدولة التي تجمع أبناءها وتحمي حقوقهم وتحافظ على تنوعهم، ويكون القرار فيها نابعا من مؤسساتها الدستورية، وتقوم علاقاتها مع محيطها والعالم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
لقد ناضل مام جلال مع أبناء جيله من أجل عراق يقوم على الدستور والتعددية والشراكة، واليوم فإن مسؤوليتنا أن نحافظ على هذا العراق، وأن نعزز دولته، ونحمي سيادته، ونواصل بناء مؤسساته بما يحقق لشعبنا الأمن والاستقرار والتنمية.
رحم الله مام جلال طالباني،
ورحم شهداء العراق جميعا، وكل من أسهم في الدفاع عن هذا البلد وبناء دولته.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.