×

  بیانات و خطابات

  مام جلال..مكانة عزيزة في قلوب العراقيين، وحضور مؤثر في أصعب مراحل تاريخهم



كلمة رئيس تيار الحكمة الوطني السيد عمار الحكيم في مراسيم الذكرى التاسعة لرحيل الرئيس مام جلال

بغداد -3 اكتوبر 2026

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الطاهرين وصحبه المنتجبين.

 فخامة رئيس الجمهورية المحترم،

 سيادة رئيس مجلس النواب المحترم،

 أصحاب الدولة والسيادة والمعالي والسعادة،

 أصحاب السماحة والفضيلة والنيافة،

 السيدات والسادة الحضور،

السلام عليكم جميعا ورحمة الله وبركاته.

 نجتمع اليوم في مناسبة وطنية عزيزة تحمل في وجدان العراقيين أكثر من معنى. نستذكر فيها مرور تسعة أعوام على رحيل شخصية وطنية كبيرة، ألا وهو الرئيس الراحل مام جلال طالباني.

 نجتمع على الوفاء لرجل كانت له مكانة عزيزة في قلوب العراقيين، وحضور مؤثر في أصعب مراحل تاريخهم.

 وأتقدم بالتحية إلى أسرته الكريمة، ولا سيما الأخوين العزيزين الأستاذ بافل طالباني والأستاذ قوباد طالباني، وإلى إخواني في الاتحاد الوطني الكردستاني، وإلى رفاقه ومحبيه والقائمين على إحياء هذه الذكرى.

 كما تتزامن ذكراه مع اليوم الوطني العراقي، اليوم الذي نستحضر فيه العراق وطنا وهوية ومستقبلا ومسؤولية.

 وحين نستذكر الرئيس مام جلال، فإننا لا نستذكر رئيسا أسبق لجمهورية العراق فحسب، ولا زعيما كرديا كبيرا ترك بصمته في تاريخ شعبه، وإنما نستذكر شخصية عراقية وطنية امتلكت قدرة استثنائية على التواصل مع المختلفين والمتباعدين، وتقريب مواقفهم من خلال البحث عن المساحات المشتركة في أشد اللحظات تعقيدا.

 

 أيها الإخوة والأخوات،

 كان مام جلال يعرف قيمة الحوار، ويحرص على إبقاء أبوابه مفتوحة بين المختلفين، وكانت له قدرة على الإصغاء وفهم مخاوف الشركاء والبحث عن مشتركات تعيدهم إلى طاولة واحدة  وقد منحته هذه الروح مكانة وثقة ساعدتاه على تقريب المواقف في أوقات التوتر.

 ومن هنا نستحضر وصف المرجع الأعلى الإمام السيد السيستاني لمام جلال بأنه «صمام أمان العراق».

 إنها شهادة في قدرته على جمع الكلمة وصون العلاقة بين الشركاء، ونستحضر معها مسؤوليتنا عن استلهام هذه الحكمة في حماية وحدة البلاد واستقرارها.

 ولنا مع مام جلال تاريخ نعتز به ونحفظه بوفاء. فقد جمعته بشهيد المحراب الخالد سماحة آية الله السيد محمد باقر الحكيم، قدس سره، مسيرة نضال مشتركة ضد الدكتاتورية، ثم تواصلت علاقته بوالدنا الراحل عزيز العراق سماحة السيد عبد العزيز الحكيم، رحمه الله، في مرحلة تأسيس العراق الجديد، واستمرت هذه الصلة الوثيقة معنا حتى رحيله.

 لقد حمل مام جلال قضية شعبه الكردي بإخلاص، وواجه الدكتاتورية بإرادة صلبة، وعاش آلام المظلومين وتطلعاتهم إلى الحرية، وجمع بين الدفاع عن الحقوق الكردية والعمل من أجل العراق كله، حريصا على حقوق أبنائه ومؤمنا بقدرتهم على بناء وطن يجمعهم.

 وفي تجربته درس ينبغي أن يبقى حاضرا أمامنا: إن الاعتزاز بالهوية الكردية والانتماء الوطني العراقي يتكاملان في حماية الحقوق وخدمة الإنسان. فقوة العراق تبدأ من شعور كل مكون بأنه شريك أصيل، ومن ثقة كل مواطن بأن دولته تحفظ مكانته وكرامته.

 كما كان مام جلال يعرف أن العراق لا يدار بكسر الإرادات، ولا يستقر بغلبة طرف على آخر، وأن قوة العراق تكمن في قدرة أبنائه على تحويل تنوعهم إلى مصدر قوة، واختلافهم إلى حوار، وشراكتهم إلى ضمانة للجميع.

 

 أيها الحضور الكريم،

 إن استذكار هذه المعاني في واقعنا اليوم يكتسب أهمية مضاعفة، لأن العراق يعيش في قلب منطقة تشهد تحولات عميقة ومتسارعة، والعالم من حولنا يعيد تشكيل موازين القوى والمصالح والتحالفات.

 وفي مثل هذه المراحل لا تكفي إدارة الدولة بأدوات الأمس، ولا يجوز أن تتحول سياسة العراق إلى ردود أفعال تجاه صراعات الآخرين.

 نريد عراقا صديقا للجميع، متوازنا في علاقاته، واضحا في مصالحه، مستقلا في قراره، يبني علاقاته الإقليمية والدولية على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.

 وفي الوقت ذاته، فإن استقلال القرار والتوازن في العلاقات يحتاجان إلى دولة مقتدرة. ومن هنا تأتي أهمية استكمال بناء قدراتنا الوطنية، وتعزيز قدرات قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية، ومعالجة مشكلة السلاح خارج إطار الدولة بالحوار والتفاهم، وترسيخ مبدأ أن قرار الحرب والسلم والقرارات السيادية الكبرى هي مسؤولية مؤسسات الدولة الدستورية.

 فلا سيادة مكتملة مع تعدد مراكز القرار، ولا دولة مقتدرة من دون مرجعية دستورية واحدة في القضايا السيادية.

 فالدولة القوية هي الدولة التي تمتلك من عناصر القوة ما يحمي قرارها ويمنع الآخرين من فرض خياراتهم عليها.

 

 أيها الإخوة والأخوات،

 إن حماية التجربة السياسية العراقية لا تتحقق بالدفاع عنها بالكلمات، وإنما بتطويرها وإصلاحها.

 لقد مضى على تجربتنا السياسية أكثر من عقدين، وهي مدة كافية لأن نراجع أنفسنا بشجاعة: أين نجحنا؟ وأين أخفقنا؟ وما الذي ينبغي تغييره؟

 فالمراجعة ليست اعترافا بالفشل، وإنما دليل ثقة بالنظام وقدرته على تصحيح نفسه.

 إن المتغيرات المحيطة بنا لا تنتظر أحدا، واستمرار الأدوات القديمة في إدارة التحديات الجديدة قد يضع الدولة والتجربة السياسية أمام مخاطر لا نريدها للعراق.

 ولهذا فإن الإصلاح المنشود هو السبيل إلى حماية النظام السياسي وتعزيز شرعيته وقدرته على الاستمرار والاستجابة لتطلعات العراقيين.

 ومن ركائز هذه الحماية أيضا بناء اقتصاد عراقي قوي ومتنوع، فالاعتماد شبه الأحادي على النفط يمثل مكمن ضعف استراتيجي لا ينبغي أن يستمر.

 والعراق يمتلك من الموارد البشرية والطبيعية والموقع الجغرافي والإمكانات ما يؤهله لتنويع مصادر دخله القومي، وتطوير الزراعة والصناعة والسياحة والاستثمار والتكنولوجيا الحديثة، وإعطاء القطاع الخاص دوره الحقيقي في التنمية وتوفير فرص العمل.

 وننظر بأهمية إلى البرامج الاقتصادية التي تعمل عليها الحكومة في هذا الاتجاه، وخاصة الإجراءات العملية الهادفة إلى الإصلاح المالي وتنشيط القطاعات غير النفطية، ونأمل أن تتحول أهدافها إلى فرص ملموسة يلمسها المواطن في حياته ومستقبله.

 

 أيها الحضور الكريم،

في ذكرى مام جلال لا يمكن أن نتحدث عن العراق من دون الحديث عن العلاقة بين بغداد وإقليم كردستان.

 إن ما نشهده اليوم من مستوى متقدم من الحوار والتنسيق بين الحكومة الاتحادية وحكومة الإقليم يمثل مسارا ينبغي البناء عليه وتطويره، والانتقال به من معالجة المشكلات الآنية إلى تأسيس علاقة مستقرة وطويلة الأمد.

 إن بغداد وأربيل لا تملكان ترف القطيعة، ولا مصلحة لأي منهما في إضعاف الآخر.

 الدستور والشراكة والحقوق والواجبات المتبادلة والمصلحة الوطنية المشتركة هي الأساس السليم لإدارة هذه العلاقة، وهو النهج الذي آمن به مام جلال طويلا.

 عراق قوي بكردستانه، وكردستان آمنة ومستقرة بعراق قوي ومستقر، فكل تقدم يتحقق بين بغداد وأربيل هو تقدم للعراق، وكل استقرار في كردستان هو استقرار للعراق، كما أن قوة بغداد واستقرار مؤسسات الدولة الاتحادية ضمانة لجميع العراقيين.

 وفي يوم العراق الوطني، علينا أن نعيد الاعتبار لمعنى الوطنية نفسها، الوطنية ليست شعارا نرفعه في المناسبات فقط. الوطنية مسؤولية. الوطنية أن نقدم مصلحة العراق عندما تتعارض المصالح، وأن نصون سيادته، ونبني مؤسساته، ونحفظ ثرواته، ونحترم تنوع أبنائه، ونختلف تحت سقف الدولة، ونحتكم إلى الدستور، ونترك للأجيال القادمة دولة أقوى مما تسلمناها.

 كان مام جلال يعرف طبيعة العراق، يعرف تعقيداته وتنوعه وحساسياته، لكنه كان يؤمن دائما بأن مساحة اللقاء بين العراقيين أكبر من مساحة الاختلاف، وكان يمتلك تلك القدرة النادرة على إبقاء الأبواب مفتوحة حتى في أصعب الأزمات.

 ولعل من الوفاء في ذكرى مام جلال ما قاله فيه شاعر العرب الأكبر محمد مهدي الجواهري، الذي كان مام جلال أحد أبرز رواة شعره ومحبيه، حين خاطبه قائلا:

«شوقا جلال كشوق العين للوسن

كشوق ناءٍ غريب الدار للوطن».

 وها نحن اليوم نستذكر جلالا والوطن معا، ونستذكر معه تلك الروح العراقية التي آمنت بأن مساحة اللقاء بين العراقيين أكبر من مساحة الاختلاف، وأن الوطن يتسع للجميع.

 وهذه ربما إحدى أهم رسائل مام جلال لنا اليوم: أن نختلف ولكن لا نقطع جسور الحوار، وأن نتنافس ولكن لا نكسر شراكتنا الوطنية، وأن ندافع عن حقوق مكوناتنا ولكن من داخل العراق ومن أجل العراق.

 وأن ندرك، خصوصا في هذه اللحظة الإقليمية والدولية الحساسة، أن العراق أكبر من خلافاتنا، وأن حماية دولته ومستقبل أبنائه مسؤولية تتقدم على كل الحسابات الأخرى.

 وتلك هي الوطنية التي آمن بها مام جلال، وذلك هو العراق الذي يستحق منا أن نحميه ونبنيه معا.

 ستبقى لمام جلال مكانته في قلوبنا، وسيبقى ما تركه من حكمة في جمع العراقيين مسؤولية نحملها.

 فلنحفظ هذا الإرث بتقوية شراكتنا، وإدامة الحوار بيننا، والعمل من أجل عراق يطمئن فيه جميع أبنائه إلى حاضرهم ومستقبلهم.

 رحم الله الرئيس مام جلال طالباني،

ورحم الله شهداء العراق جميعا، وحفظ الله العراق وشعبه من كل مكروه وسوء.

 إنه نعم المولى ونعم النصير.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


08/10/2026