*شورش درويش
*المركز الكردي للدراسات
وفق خطٍ بياني متعرج، لكن متسارع هذه المرة، جرى تنفيذ عملية الاندماج وفقا لبنود اتفاقية كانون الثاني/يناير 2026 لا سيما الشق العسكري والأمني عبر إدماج مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية وأجهزة إنفاذ القانون التابعة للإدارة الذاتية في إهاب مؤسستي الأمن العام والأمن الداخلي.
وبناء على ما تراءى فرصة لتعويض القصور الذي لحق بتنفيذ اتفاقية العاشر من آذار 2025 بدا تنفيذ الاتفاقية واعدا وتكلل يوم 25 آب/ أغسطس بإعلان قائد قسد، مظلوم عبدي، حل ودمج قواته رسميا، والتخلي تاليا عن لقبه وبزته العسكرية في سبيل الذهاب خطوة أسرع باتجاه الاندماج لئلا تتهدم العملية السياسية، إن جاز تسميتها بذلك.
غير أن الاندماج، الذي بدا الخيار الأسلم مقارنة بخيارات الحسم العسكري، تعرض لجملة استفزازات واهتزازات لكنها لم تحُل دون المضي في تنفيذه.
ويمكن للمراقب لدقائق الأوضاع في محافظة الحسكة وكوباني أن يلحظ تلك الاهتزازات، مثل: تعرض جمهرة من المقيمين في رأس العين/سرى كانيه، من غير أبنائها، للكرد العائدين إلى بيوتهم، ثم نصب “خيم الحرب”، التي جرى تفكيكها لاحقا، وإطلاق من نصبوها وعيدهم تجاه الكرد، ثم حادثة اغتيال مقاتل كان في صفوف قسد قبل أن يصبح من مرتبات وزارة الدفاع السورية وما استجرته تلك الحادثة من غضبة كردية شعبية عمت المناطق الكردية، ثم ما حصل أخيرا في الحسكة خلال الأيام الماضية انطلاقا من حي غويران حين أراد مصدرو الاحتجاجات مزج سيرة أيام “الجُمع” بمنطق الفزعات والهبات، وإكساء كل ذلك شعارات ملتبسة حول وجوب إعلاء علم الجمهورية والحديث عن السيادة وسوى ذلك من بلاغات ورطانة قوموية تقدم على أنها وصفة للوطنية، حتى يُصار إلى ترويجها وتوزيعها على بقية المحافظات لتكبر القصة التي باتت اليوم في عهدة إعلامَي الحكومة الرسمي، والموازي (صناع المحتوى المحسوبون على السلطة)، ومن المعلوم أنه في غياب تصريحات رسميي دمشق إزاء ما يجري في الحسكة، فإن الصمت دلالة على الرضا، وهو الأمر الذي يشد من أزر المحتجين ويخيف في مقابل ذلك الشارع الكردي الذي يخشى أن تتحول الأحداث إلى مقدمة لإبطال الاندماج والتراجع عما جرى تحقيقه، وبلوغ صيغة “شارع مقابل شارع” المُهلكة.
ثمة قابلية مفتوحة لأن تتنامى الأحداث وتكبر لتصبح فتنة قومية؛ فمن الذاكرة الكردية القريبة، يمكن استحضار مخاوف كردية سابقة حيث يمكن لما يجري أن يكبر ليصبح أشبه ببوغروم “فرهود” عام 2004 (أحدث ملعب القامشلي والانتفاضة الكردية) أو ربما أسوأ من ذلك، خاصة أن المدن ذات البيئة الإثنية المختلطة كانت مسرحا لعمليات النهب بتأييد من أجهزة نظام بشار الأسد الذي سعى إلى شن حملة “تأديب” وقمع طاولت آلاف العائلات الكردية.
إلى اللحظة، لا يبدو أن هناك سببا وجيها لسلوك المحتجين واستنفارهم ومطاردتهم لأشباح قسد والإدارة الذاتية المندمجتين، بل إنه يمكن مضاعفة الشكوك حول أسباب الاحتجاج بالقول إن الجزء الأكبر من عملية الاندماج قد تم، وأن ملف التعيينات في الوظائف العمومية ما زال ساريا ويجري العمل عليه وفق قواعد التراضي بين فريقي الاندماج، خاصة وأن جلد هذا الدب المسمى “الوظائف الحكومية” في المحافظة لا يستحق عناء تخاصم الأفرقاء، ولا إبطال الاندماج طالما أن المناصب الأساسية والسيادية في دمشق مقتصرة على فريق السلطة وائتلافها السابق على الاندماج.
ولأجل تحليل ما يجري يمكن النظر إلى الحدث من زاويتين مختلفتين تحمل الأولى سوء ظن بالدولة/السلطة، والأخرى تحاول تجنب هذه النظرة إلى حيث تفسير ما يجري ببعده التاريخي والاجتماعي بعيدا عن تسييس الحدث:
وفق النظرة الأولى، يمكن الحديث عن انقسام داخل بيت السلطة لجهة تفضيل قسم متضرر من عملية الاندماج “استعادة” الحسكة بدون قواعد تعاقدية مؤسسة مع الشركاء الكرد وتصوره أن هذا يمنحه مساحة للسطوة والتحكم بمقدرات المحافظة، خاصة وأن عقلية الإقطاع “التيمار” العسكري والاقتصادي لا تزال تتحكم بقسم ممن ائتلفوا داخل هذه السلطة، وإذا كان الحال كذلك فإن وجود مثل هذا الانقسام يعني أن السلطة المركزية تنجر إلى حيث السياسات اليومية التي تتسبب بها كتلتها الافتراضية على اختلاف ولاءاتهم السابقة، وللتدليل على مثل هذا الافتراض فإن تبني وتشذيب الإعلام الرسمي/الحكومي للاحتجاجات يكشف عن وجود “تأييد” داخل بيت السلطة لها.
إلى ذلك يمكن التوسع في وجهة النظر هذه والقول بأن ما يجري يُطبخ أساسا في مطابخ السلطة، عبر سلسلة من حلقات التذاكي والانقلاب على الاندماج من أسفل، أي من خلال الاحتجاجات والتلويح بالفوضى، الأمر الذي سيجعل من هشاشة الأوضاع في مركز المحافظة مقدمة لبسط سيطرة طرف بلون واحد على مصير المنطقة رغما عن الحالة التعددية ورفضا لمنطق الشراكة.
إزاء ذلك، تقوم وجهة النظر المغايرة في تفسير الأحداث بأن الدولة/السلطة تسعى للإبقاء على خطوط الاندماج وفق الترتيبات القائمة، وذلك بالنظر إلى ما باتت تحوزه من مقدرات المحافظة (حقول نفظ ومعابر وزراعة وضرائب…)، ومعطوفا على ذلك انتهاء حالة التعددية العسكرية التي كانت تثير حفيظتها، وبالتالي فإن ما ظهر خلال الأيام الماضية هو نبت ذاتي ولدته أصوات شوفينية تسعى، وفق التحليل النفسي، إلى اختيار أعداء جدد (الكرد) يمكن إخضاعهم عبر سلسلة من الاحتجاجات وعمليات الفرهود والتخويف. طيف واسع من هذه الأصوات كان سبق له أن تدرب على الخطابات المعادية للكرد في مختبرات حزب البعث بشقيه السوري والعراقي، كما لم يسبق له أن قطع مع حالة الشوفينية القومية حتى وإن تدثر بشعارات المواطنة أو الأعلام الوطنية، ذلك أن المواطنة بحسب الشوفيني تعني مسارا إجباريا في اتجاه واحد يقوم على نزع هوية الآخر وإخضاعه بالإكراه.
من المنطقي القول بأن ما يجري لا يخدم سوريا واستقرارها وسلمها الأهلي، وأن الاندماج الذي حظي بدعم أميركي وعربي وإقليمي وأصبح أحد قصص نجاح الإدارة الأميركية في المنطقة التي تموج بالحروب والمشكلات والتناقضات، يتعرض لانتكاسة علنية في الحسكة.
ومن الجدير بالذكر أن صيغة الاندماج جنبت الكرد حروبا طويلة ومكلفة وبالمثل منحت دمشق سمعة خارجية بأنها قادرة، وإن نادرا، على إيجاد الحلول الوسط لمشاكلها الداخلية. بيد أن ما يمكن رؤيته منطقيا وحلا سهلا يمكن أن تبدده رؤى بعض من في يدهم مقاليد السلطة، ذلك أن المنطق لا يفوز دائما في سوريا على ما اختبرناه خلال عقود من تاريخها، فالبلد تدار أحيانا بالأهواء والأمزجة بدلا من الحسابات والسياسات الرشيدة.