×

  جميع المواضيع

  خانقين..هديرُ صفارة الماضي، وسؤالُ الحاضر



*عماد أحمد

ترجمة: نرمين عثمان محمد / عن صحيفة كوردستاني نوى

بعض الصور لا تتكلم، لكنها لا تترك لك مجالاً لتظل صامتاً، صورة قديمة لقطار خانقين أعادتني إلى سنوات الطفولة، إلى تلك الأيام التي كنت فيها أنظر إلى العالم من نافذة القطار، وكنت أظن أنه كلما طال الطريق، اتسعت الحياة أكثر.

قبل مدة قصيرة، أرسل لي صديقي القديم والرزين، السيد (شێردڵ حەوێزی) عبر تطبيق واتساب، صورة قديمة تعود لعشرينيات القرن الماضي تتعلق بإنشاء خط قطار خانقين، ومع الصورة، كتب رسالة قصيرة ومليئة بالمغزى: (صباح الخير، القطار والنفظخانة تحتاج أيضاً  للكتابة عنها).

وأنا بدوري أبديت موافقتي بإشارة، وفي نفسي قلت: متى ما توفر لدي الوقت والفرصة، سأنفذ طلب السيد ٍشێردڵ، لكن الصورة ظلت ماثلة أمام عيني ،وكأن صافرة القطار ترددت من بعيد، في أعماق ذكرياتي.

السيد شێڕدڵ ينتمي إلى إحدى العائلات العريقة في مدينة (  کۆیە)، وإلى جانب خبرته العسكرية، فهو رجل مثقف وذو خبرة في المجال الدبلوماسي،وكان في الجبل والمدينة موضع ثقة الرئيس مام جلال في مناسبات عديدة، رافقته في أسفاره ضمن وفود الاتحاد الوطني الكوردستاني  إلى خارج البلاد، على حد علمي، وبعد إنهاء الكلية العسكرية العراقية، خدم لفترة ضابطاً في ضواحي خانقين، وغالباً ما يتحدث عن جمال خانقين وتطورها في ذلك العصر، لدرجة أنني أشعر أن تلك المدينة قد حفرت مكانة لها في قلبه أيضاً، وكانت إحدى علامات ذلك التقدم وجود المحطة وخط القطار، الخط الذي كان يربط خانقين بالمدن الأخرى ويضع الحياة في حراك مستمر،كان الناس يسافرون، وتُنقل البضائع، وتنتعش الأسواق. وكانت صفارة القطار وأنباء الوصول والوداع والرحيل أصواتاً مألوفة لأهالي المدينة.

هذا الخط الحديدي كان الإنجليز قد أنشأوه لأغراض عسكرية منذ الحرب العالمية الأولى، ثُم جلب للمدينة فوائد تجارية واقتصادية وربط خانقين بباقي مدن العراق.

رحلتان قمت بهما عبر ذلك الخط في ستينيات القرن الماضي لا تزالان محفورتين في ذاكرتي حتى اليوم، الأولى كانت مع والدي وعائلتنا إلى بغداد لزيارة الإمام الكاظم (ع)، والثانية -بدون والدي- لزيارة الإمام زين العابدين (ع) في داقوق قرب كركوك.

وما يبقى راسخاً في قلبي من تلك الأسفار ليس مكان الوصول فحسب،بل الطريق بحد ذاته، صوت العجلات وصفارة القطار ورائحة الدخان االخارجة من الساحبة ، وتلك النافذة التي كان طفل خانقيني ينظر من خلالها إلى العالم،لم يكن ذلك الطفل يعلم أن يوماً سيأتي يُقطع فيه الخط وتكتفي الصفارة بالتردد في الذاكرة وحدها!

أمام تلك الصورة، أتساءل مع نفسي: مدينة كانت تمتلك قطاراً في السابق، لماذا يتعين عليها اليوم أن تنتظر أبسط الاحتياجات؟ ماذا حل بمدينة خانقين حتى باتت مجبرة -بدل المضي نحو الأمام- على البحث عن الفرص التي كانت تمتلكها يوماً ما؟

إن تصغير هذه المدينة الكوردستانية العريقة وتهميشها بدأ منذ عهد نظام صدام حسين ، فنقل مصفى الوند إلى بيجي، ومعقل صناعة البراميل من خانقين إلى الدورة ببغداد، وتخريب خط القطار، وقطع البساتين وتجفيفها، وإضعاف منفذ المنذرية الحدودي؛ كل واحد منها ترك جندباً أو جرحاً في جسد المدينة، المصنع الذي يُنقَل، يفقد فيه العامل عمله وتضطر عائلة للرحيل من أجل رغيف خبز الغد. والبستان الذي يجف، يفقد فيه الفلاح ثمرة جهود سنين طويلة، والطريق الذي يُقطع، يقلل من فرص التنقل والتجارة. وبهذه الطريقة، تضعف المدينة تدريجياً،إلى أن يرى شابها خلاصه في الرحيل، كان مفترضاً أن يكون سقوط البعث نهاية لتلك الظلم ويفتح باباً جديداً أمام خانقين، لكن المدينة لا تزال تواجه التهميش بنمط وشكل آخر، وخصوصاً بعد أحداث 16 أكتوبر، حيث تعمقت مخاوف الناس حيال هوية مدينتهم  ومستقبلها.

لا ينبغي أن تذكر خانقين فقط وقت الانتخابات أو عند ذروة الصراعات السياسية، فالناس الذين يعيشون هناك بحاجة كل يوم إلى الماء والكهرباء، المدارس والمستشفيات، العمل والأمان، وحماية هوية المدينة لا تنفصل بحال عن حياة حقوق أهلها، صحيح أن هذه الأشياء قد جرى ويجري تقديم بعضها، لكنها تظل قاصرة،فخانقين بأهلها الأصلاء، بمقابرها، بمزاراتها ومقابر شهدائها، ستبقى أبدية. ومخططات الأعداء، كسابقاتها، ستتحطم؛ لأن جذور هذه المدينة متأصلة في التربة وروحها في قلوب أبنائها.

على السلطات المعنية في بغداد وإقليم كوردستان، كل في نطاق مسؤولياته، أن تقدم إجابات واضحة، ماذا فعلوا لخانقين وماذا سيفعلون  لها؟ من الضروري أن تتحول تقوية منفذ المنذرية، وحماية نهر الوند، وإحياء البساتين والزراعة، وتوفير فرص العمل، إلى برنامج واضح ومحدد بزقت زميله ومقرون بالمحاسبة على النتائج، كما أن إعادة ربط شبكة القطار تستحق دراسة جادة.

إن الوفاء لخانقين يظهر جلياً حين يستطيع أهلها العيش بعزة وكرامة في مدينتهم، دون أن يضطر شبابهم لإدارة ظهورهم لوطنهم بحثاً عن لقمة العيش.

أرسل لي السيد (شێردڵ) صورة، ووضعت الصورة سؤالاً أمامي،ذلك الطفل الذي كان ينظر يوماً من نافذة القطار ما زال يسكنني، واليوم، يأمل  أن تتوفر لأطفال خانقين الفرص وأن يوقنوا بأن مدينتهم مكان صالح للحياة والازدهار.

صفارة ذلك القطار القديم تتردد في أذني، لكنها هذه المرة بمثابة نداء للمسؤولية،  فخانقين تملك الحق الكامل في حماية ماضيها، وعمارة حاضرها، وكتابة مستقبلها بأيدي أبنائها.


18/10/2026