×

  المرصد الايراني

  ​خمسة أسباب ترجح كفة ترامب في المواجهة مع إيران



مجلة "نيوزويك"الامريكية/الترجمة والتحرير: محمد شيخ عثمان

*تقرير خاص: شين كروتشر وديفيد أفير:

في أيلول/سبتمبر، لم تُحمل إيران برميلا واحدا من النفط الخام بغرض التصدير، ولا برميلا واحدا على الإطلاق، وفقا لبيانات تتبع ناقلات النفط الصادرة عن شركتي «كلبر» و«فورتكسا». وفي الشهر الجاري، هبطت العملة الإيرانية، الريال، إلى مستوى قياسي متدن، فيما استقال وزير النفط. وكان الأجدر به أن يبقى في منصبه حتى يحصل على تعويض نهاية الخدمة.

لكن أيا من هذه التطورات لم يتحقق وفق الجدول الزمني المتقلب باستمرار الذي حدده الرئيس الامريكي دونالد ترامب لتحقيق النصر. فقد انتقل الإطار الزمني الذي رسمه من بضعة أسابيع إلى أشهر، ثم إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي. وفي الثامن من تشرين الأول/أكتوبر، تعهد بعدم مهاجمة إيران قبل أن يدلي الامريكيون بأصواتهم في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر.

وفضلا عن ذلك، صمد النظام الإيراني وتماسك رغم الضغوط الشديدة. كما تبين أن قدرته على تعطيل تدفقات الطاقة عبر مضيق هرمز كانت أكبر مما قُدر لها. ولم تكن القوة الساحقة للجيشين الامريكي والإسرائيلي كافية لتحقيق نصر سريع.

كذلك، لا يبدو أن طهران مستعدة للاستسلام بهدوء. ففي أسبوع واحد خلال الشهر الماضي، تعرضت اثنتا عشرة ناقلة لهجمات في مضيق هرمز ومحيطه. كما ينقل حلفاء إيران الحوثيون الحرب إلى الرياض. لكن قراءة هذه التطورات بعناية تشير إلى سلوك قوة تشاهد أوراق الضغط التي تمتلكها وهي تتآكل، لا قوة تزداد نفوذا.

وقال خسرو أصفهاني، مدير الأبحاث في الاتحاد الوطني من أجل الديمقراطية في إيران، لمجلة «نيوزويك»: «في لعبة عض الأصابع هذه، لا يخدم الوقت الجمهورية الإسلامية إلا إذا سمحت واشنطن بذلك؛ فالنظام يراهن على قدرته على إعادة بناء قوته بوتيرة أسرع من قدرة الغرب على مواصلة اهتمامه بالمواجهة. وكلما تبنت واشنطن استراتيجية تهدف إلى إسقاط النظام في وقت أقرب، كان ذلك أفضل».

وثمة مؤشرات عدة تدل على أن ترامب بات على أعتاب النصر الذي طالما وعد به، وإن جاء بعد تأخير امتد لأشهر. وفيما يلي، تستعرض «نيوزويك» خمسة من هذه المؤشرات.

 

أولا: أداة الضغط الإيرانية الرئيسية آخذة في التراجع

 

بدأت قبضة إيران على مضيق هرمز، التي شكلت أقوى أوراقها منذ اندلاع القتال، تتراخى خلال أيلول/سبتمبر، وأصبحت طهران تقاتل لاستعادة نفوذها فيه.

وبحلول 30 أيلول/سبتمبر، بلغت صادرات النفط الخام من منطقة الخليج 18.3 مليون برميل يوميا، وفق متوسط سبعة أيام، بحسب بيانات شركة «كلبر». وتجاوز هذا الرقم متوسط الصادرات البالغ 18 مليون برميل يوميا خلال العام السابق للحرب. ويشمل هذا الإحصاء الشحنات المنقولة عبر البحر الأحمر ومسارات أخرى.

وأعلن وزير الخارجية الامريكي ماركو روبيو أن إيران «فقدت السيطرة الكاملة» على المضيق.

لكن التطورات اللاحقة جاءت بعكس ذلك. فقد بلغ عدد الهجمات على ناقلات النفط أعلى مستوياته الأسبوعية منذ بدء الحرب، خلال الأسبوع المنتهي في الخامس من تشرين الأول/أكتوبر. وفي السادس من الشهر نفسه، لم تعبر المضيق سوى سبع سفن لنقل السلع، وهو أدنى عدد منذ 23 تموز/يوليو.

وقالت «كلبر» إن كميات النفط الخام المنقولة عبر المضيق تراجعت بنسبة 27 في المئة خلال أسبوع واحد، لتصل إلى 74 في المئة من مستواها قبل الحرب. وفي 11 تشرين الأول/أكتوبر وحده، تعرضت ست سفن لضربات. كما بدأت ناقلات النفط العملاقة الفارغة بالابتعاد عن الفجيرة في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تنتظر عادة تحميل النفط الخام الذي يُنقل عبر المضيق.

ومع ذلك، استمرت صادرات النفط في المنطقة. فقد ارتفعت الصادرات من المحطات الواقعة على البحر الأحمر وخليج عُمان، التي تتيح تجاوز مضيق هرمز، إلى 6.7 ملايين برميل يوميا، أي أكثر من ضعف مستويات ما قبل الحرب. وأسهم ذلك في إبقاء إجمالي صادرات النفط الخام من الشرق الأوسط عند مستويات تقارب ما كانت عليه قبل الحرب، وفقا لتحليلات شركة «كلبر». غير أن موجة جديدة من الهجمات وضعت هذا التعافي مجددا تحت الضغط.

وقال أندرياس كريغ، المحاضر الأول في كلية الدراسات الأمنية بجامعة كينغز كوليدج لندن، لمجلة «نيوزويك»: «إن إيران لا تفقد مضيق هرمز بوصفه ورقة مساومة، لكنها تفقد قدرتها على فرض الشروط الاقتصادية للمواجهة».

من جانبها، قالت بورجو أوزجليك، الباحثة الرئيسية في شؤون أمن الشرق الأوسط لدى المعهد الملكي للخدمات المتحدة، إن «التخطيط للطوارئ بهدف إنشاء بنى تحتية بديلة تتجاوز مضيق هرمز ينتقل الآن إلى مرحلة التنفيذ الفعلي للمشروعات، وهذا بدوره ينذر بمشكلات لطهران».

وتكشف الدبلوماسية الإيرانية نفسها عما يؤلم طهران أكثر من غيره. فمن بين شروطها لإعادة فتح مضيق هرمز، إنهاء الحصار البحري الامريكي، ورفع العقوبات المفروضة على قطاعها النفطي، والإفراج عن أصولها المجمدة في الخارج.

ووصف رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، محسن رضائي، الرد الامريكي بأنه «غير كافٍ»، في 11 تشرين الأول/أكتوبر، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن واشنطن وافقت على بعض الشروط الإيرانية.

وفي أيلول/سبتمبر، عرض الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، حتى تخفيف تركيز اليورانيوم الإيراني المخصب، مستخفا بالتنازل بقوله: «إنه ليس بالأمر الكبير».

 

لكن هذه ليست مطالب دولة تفاوض من موقع القوة. فالدولة الواثقة من أوراق الضغط التي تمتلكها لا تتعجل مبادلتها بتنازلات.

 

ثانيا: إيران تقترب من أزمة اقتصادية شاملة

في الرابع من تشرين الأول/أكتوبر، بلغ سعر الدولار نحو 2.72 مليون ريال إيراني، مقارنة بنحو 2.2 مليون ريال في مطلع أيلول/سبتمبر. ولم تنجح خطة البنك المركزي لضخ ما يصل إلى ملياري دولار نقدا في السوق في وقف تدهور العملة.

ومع انخفاض قيمة الريال، ترتفع أسعار كل شيء، من الغذاء إلى الأدوية، أسبوعا بعد آخر. وأفاد إيرانيون بأنهم باتوا عاجزين عن تغطية نفقات الإيجار أو شراء الأدوية، في وقت تتلاشى فيه فرص العمل في القطاع الخاص.

ويتوقع صندوق النقد الدولي الآن أن ينكمش الاقتصاد الإيراني بنسبة 7.6 في المئة خلال العام الجاري، وهي نسبة أسوأ من توقعاته الصادرة في تموز/يوليو، التي رجحت انكماشا بنسبة 5.4 في المئة. كما أفادت هيئة الإحصاء الإيرانية بأن الناتج انخفض بنسبة 10 في المئة على أساس سنوي خلال فصل الربيع، مسجلا أكبر تراجع فصلي منذ 15 عاما.

وتشكل مبيعات النفط عادة نحو ثلث موازنة الدولة الإيرانية، كما تمثل مصدرا رئيسيا لتمويل الحرس الثوري الإسلامي. وقد قطع الحصار البحري الامريكي جزءا كبيرا من هذا الشريان المالي. وكان وزير الخزانة الامريكي سكوت بيسنت قد أعلن أن إيران ستصبح، في مطلع تشرين الأول/أكتوبر، بلا نفط في عرض البحر «للمرة الأولى في التاريخ».

وكان المشترون الصينيون يعتمدون على النفط الخام الإيراني المخزن قبالة السواحل قبل فرض الحصار. لكن لم يتبق، وفقا لمنظمة «متحدون ضد إيران النووية»، أكثر من نحو عشرة ملايين برميل في المخزونات العائمة قبالة ماليزيا، بعد أن كانت الكمية تقارب 40 مليون برميل في أواخر آب/أغسطس.

وقال كريغ: «من الواضح أن الضغط الاقتصادي يحقق نتائج، لكن ذلك لا يعني أنه سيؤدي إلى النتيجة السياسية التي تريدها واشنطن».

أما أصفهاني، فقال إن الضغوط لن تؤدي، بمفردها، إلا إلى «تنازلات تكتيكية، مثل إعادة فتح المضيق أو استئناف جولة من المحادثات، لكنها لن تحقق تنازلات استراتيجية أبدا».

وكلما طال أمد الأزمة، ازداد الضغط على نظام قتل آلاف المتظاهرين في كانون الثاني/يناير، بعدما خرجوا احتجاجا على الأوضاع الاقتصادية المتدهورة. فهل يريد النظام المجازفة بتكرار ذلك، في مجتمع أنهكته الحرب وأوصلته إلى حافة الانهيار؟

 

ثالثا: رسالة الحرس الثوري تكشف اليأس لا القوة

إن الرسالة المفتوحة التي وجهها الحرس الثوري الإيراني إلى الامريكيين ونُشرت في 29 أيلول/سبتمبر، والتي أعلن فيها الانتصار على الولايات المتحدة، ودعا الناخبين الامريكيين مباشرة إلى التصويت ضد ترامب في انتخابات التجديد النصفي، تبدو أقل شبها بإعلان نصر مما توحي به، وأكثر شبها باستغاثة طلبا للمساعدة.

وقد نُشرت الرسالة قبل خمسة أسابيع بالضبط من موعد الانتخابات النصفية، ودعت الامريكيين إلى استعادة السيطرة من السياسيين الذين يحكمونهم، وجاء فيها: «لقد حان الوقت الآن، في وقت بلغ فيه النظام السياسي الامريكي أضعف مراحله».

لكن المؤسسة العسكرية التي تؤمن فعلا بصحة ادعاءاتها بشأن الانتصار لن تحتاج إلى تجاوز ترامب والتوجه مباشرة إلى ناخبيه. فالهدف الحقيقي للرسالة هو التأثير في تركيبة الكونغرس الجديد، الذي قد يقيد صلاحيات الرئيس، وهو أفضل أمل واقعي لطهران للحصول على شروط أفضل.

وأرسل بزشكيان الإشارة نفسها من الاتجاه المقابل، إذ قال إنه يريد من واشنطن العودة إلى إطار وقف إطلاق النار الذي جرى الاتفاق عليه في حزيران/يونيو، قبل حلول موعد الانتخابات، مضيفا: «لا نريد أن يصل الأمر إلى انتخابات التجديد النصفي».

لكن ليس الجميع من يفسر هذه الخطوات على أنها علامات ضعف. فأصفهاني يرى فيها حسابات مدروسة لا حالة من الذعر، قائلا: «هذه ليست أفعال يأس، بل شر محسوب ومتقن».

وقال بيمان صالحي، المحلل السياسي المقيم في طهران، لمجلة «نيوزويك»: «إن مخاطبة الناخبين الامريكيين محاولة للتأثير في حسابات واشنطن، لكنها لا تثبت أن بقاء إيران يعتمد على نتائج الانتخابات».

وفي كل الأحوال، تراهن طهران على عامل الوقت، وهو رهان يبدو ضعيفا. فقد أكد ترامب أن الانتخابات «لن يكون لها أي تأثير» في سياسته تجاه إيران، وقال في 13 تشرين الأول/أكتوبر إنه سيتخذ قرارا بشأن إيران «قريبا جدا». وفي تجمع انتخابي بولاية ألاسكا مساء ذلك اليوم، خاطب أنصاره قائلا: «انتظروا فقط لتروا ما سنفعله بإيران. سنلقنها درسا قاسيا».

وقالت أوزجليك إن «طهران تبالغ في تقدير حجم التأثير المحتمل لانتخابات التجديد النصفي الامريكية في قرار الرئيس ترامب بشأن العودة إلى المواجهة العسكرية مع إيران».

وتشير تقارير إلى أن المسؤولين في طهران يخشون أن يصعد ترامب هجماته بعد فرز الأصوات. فإذا حقق الجمهوريون نتائج أفضل من المتوقع، فقد يشعر الرئيس بأن موقفه قد تأكدت صحته. أما إذا حقق الديمقراطيون الفوز، فقد يستنتج أنه لم يعد لديه ما يخسره.

إن إيران تراقب التقويم، ولا تبدو مرتاحة لما تراه.

 

رابعا: إيران تواجه صعوبات متزايدة في إعادة بناء قدراتها العسكرية

نجح برنامج الصواريخ الإيراني في الصمود خلال الحرب، لكن إعادة بنائه مسألة مختلفة تماما.

فقد خلصت تقييمات امريكية أُجريت في نيسان/أبريل إلى أن أكثر من 80 في المئة من المنشآت التي تصنع الصواريخ ومحركات الصواريخ العاملة بالوقود الصلب قد تضررت.

وفي المقابل، أبلغ مسؤولون غربيون صحيفة «بلومبرغ» بأن إيران لا تزال تمتلك قدرة إنتاجية كافية للصواريخ والطائرات المسيرة تسمح لها بتعويض ما استُهلك من ترسانتها، فيما ذكر أحد المسؤولين أن روسيا تزودها أيضا بالصواريخ.

لكن تقريرا أعده جيم لامسون، المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية (CIA)، خلص إلى أن الحملة الجوية أضعفت، على الأرجح، جزءا كبيرا من قدرة إيران على تصنيع الصواريخ التي كانت تمتلكها قبل الحرب، على المدى الطويل. فالمشكلة لا تتعلق بالكمية وحدها.

وقال كريغ: «تعتمد الأسلحة الدقيقة على إلكترونيات معقدة، ومكونات متخصصة، ومهندسين ذوي خبرة، وسلاسل إمداد تعرقلها العقوبات على نحو متزايد. لذلك، ينبغي التعامل بحذر مع الادعاءات الإيرانية التي تتحدث عن زيادة كبيرة في إنتاج الأسلحة».

وتتوقع أوزجليك أن يظل الحصول على المكونات الأساسية «مشكلة مستمرة أمام طهران، وهي مشكلة ستحاول التغلب عليها، لكن من المرجح أن تواجه صعوبة في ذلك على المديين القصير والمتوسط».

غير أن تعويض الخسائر البشرية أصعب من تعويض القطع والمكونات. فقد أدت الضربات الامريكية والإسرائيلية إلى مقتل المرشد الأعلى، وقائد الحرس الثوري، وقائد القوات البحرية، ورئيس جهاز الاستخبارات.

أما الشخصيات التي عُينت خلفا لهم في آب/أغسطس، فهي في معظمها من أصحاب الخبرة الطويلة. فقد تولى رضائي، المسؤول الأمني، قيادة الحرس الثوري خلال معظم سنوات الحرب العراقية الإيرانية.

ويرى بعض المحللين أن النظام بدأ يعاني نقصا في الشخصيات الموثوقة القادرة على خلافة قياداته، بدلا من إعداد جيل جديد من القادة. لكن أصفهاني يخالف هذا الرأي، مؤكدا أن «الحرس الثوري يمتلك احتياطيا واسعا من الكفاءات، ونظاما مؤسسيا راسخا لتعاقب القيادات؛ ولذلك فإن قتل القادة يضعف المؤسسة، لكنه لا يحطمها».

غير أن إضعاف المؤسسة هو الهدف بحد ذاته. ففي ظل الحصار، ومع احتمال أن تحصد الضربات المقبلة مزيدا من القيادات، تصبح كلفة كل خسارة أعلى، ويزداد تعويضها صعوبة.

 

خامسا: إيران تعجز عن إبعاد البحرية الامريكية

يرتبط هذا المؤشر بالمؤشر الأول، لكنه يختلف عنه في جانب أساسي، وهو أن إيران لا تستطيع، بوضوح، كسر الحصار البحري الامريكي بالقوة.

ففي الخامس من أيلول/سبتمبر، أطلق الحرس الثوري صواريخ باليستية باتجاه حاملة طائرات امريكية ومدمرة بحرية كانتان تفرضان الحصار. لكن أيا من السفينتين لم يُصب، وفقا للقيادة المركزية الامريكية.

ومنذ استئناف الحصار في 14 تموز/يوليو، أعادت القوات الامريكية 135 سفينة، وعطلت أربع سفن أخرى، كان آخرها في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر، بحسب القيادة المركزية الامريكية. كما دمرت عشر ناقلات نفط مرتبطة بالحرس الثوري.

وفي السادس من تشرين الأول/أكتوبر، أغرقت القوات الامريكية سفينة شراعية إيرانية الصلة في خليج عُمان، قالت القيادة المركزية إنها كانت تنفذ عمليات مراقبة وتستهدف سفن البحرية الامريكية. وكانت القوات قد أجلت طاقمها قبل إغراقها.

وعندما هدد قائد القوات البحرية للحرس الثوري، في 13 تشرين الأول/أكتوبر، بإغراق السفن الحربية الامريكية التي تقترب من المضيق، ردت القيادة المركزية الامريكية بأنه «لا يمتلك أسطولا بحريا».

وبالتأكيد، لا تزال إيران قادرة على إيقاع خسائر. فقد أفادت تقارير بإصابة ثمانية من مشاة البحرية الامريكية في هجوم إيراني بصاروخ مضاد للسفن في 14 أيلول/سبتمبر. لكن كل محاولة إيرانية لرفع كلفة الحصار، سواء عبر مهاجمة حركة الملاحة البحرية أو استهداف البنية التحتية في دول الخليج، «تكشف النظام على نحو أكبر، وتعمق التحالف المناوئ له»، بحسب أصفهاني.

إن طهران باتت في موقف دفاعي صعب. فالنظام يستطيع جعل مضيق هرمز خطرا على الآخرين، كما أظهرت أحداث تشرين الأول/أكتوبر، لكنه لا يستطيع جعل المضيق يعمل لمصلحته.

 

الحجج المضادة: لماذا قد يكون الحكم سابقا لأوانه؟

قد يتبين أن هذه القراءة للمؤشرات سابقة لأوانها، على غرار الجداول الزمنية التي حددها ترامب سابقا لتحقيق النصر. فالألم الاقتصادي قد لا يُسقط نظاما مستعدا لقتل أبناء شعبه، وقد أثبتت طهران مجددا في كانون الثاني/يناير أنها مستعدة لذلك. كما أن كثيرا من الإيرانيين منشغلون بتأمين متطلبات بقائهم على قيد الحياة إلى درجة لا تسمح لهم بالاحتجاج.

وقالت أوزجليك: «إن ما يبدو نقطة انهيار حتمية ظل بعيد المنال لفترة طويلة».

كذلك، لم تنفد الترسانة الإيرانية. فقد تحدت تقارير غير مؤكدة تحدثت عن إجراء الحرس الثوري مناورة تضم 30 صاروخا خلال الشهر الجاري الرواية القائلة إن الترسانة الإيرانية استُنزفت، وإن كانت المناورات وحدها لا تكفي لإثبات معدلات الإنتاج، بحسب المحلل السياسي صالحي.

كما أن كل دفعة من الصواريخ الإيرانية تستنزف مخزونا امريكيا محدودا من الصواريخ الاعتراضية. ففي أيلول/سبتمبر، أطلقت القوات الامريكية ما بين 60 و70 صاروخا اعتراضيا من منظومة «باتريوت»، وأكثر من اثني عشر صاروخا من منظومة الدفاع الصاروخي «ثاد»، للتصدي لنحو 20 صاروخا استهدفت قواعد في الأردن.

وفضلا عن ذلك، قد لا يكون النفوذ الإيراني في طريقه إلى الزوال بقدر ما هو بصدد الانتقال إلى ساحات أخرى.

فقد سيطر الحوثيون، الذين استولوا على أجزاء واسعة من الساحل اليمني المطل على البحر الأحمر في أيلول/سبتمبر، بمساعدة من الحرس الثوري الإيراني وفقا للتقارير، على مواقع عدة قبل أن يخسروا لاحقا أراضي قرب مضيق باب المندب. لكنهم حولوا هجماتهم إلى السعودية نفسها.

وخلال عطلة نهاية الأسبوع الممتدة إلى 10 تشرين الأول/أكتوبر، أسفرت هجمات استهدفت المطار الرئيسي في الرياض عن مقتل 14 شخصا، بينهم امريكي. وفي المقابل، بدأت فرنسا تنفيذ اتفاق للمساعدة في حماية البنية التحتية النفطية السعودية، فأرسلت قوات وأنظمة دفاعية إلى ينبع، وهي محطة تصدير على البحر الأحمر تتيح نقل النفط الخام وتجاوز مضيق هرمز.

 

إيران، لا تزال قادرة على ضرب أهداف عسكرية حساسة

كما توسع طهران قائمة أهدافها. فقد هدد رضائي، المسؤول الأمني الإيراني، باستهداف مراكز البيانات الخليجية، والكابلات البحرية، ومنشآت الذكاء الاصطناعي إذا استؤنفت الحرب. وأفادت تقارير بأن إيران حذرت أيضا من احتمال إرسال قوات إلى الدول المجاورة.

وقالت أوزجليك: «على الرغم من الخسائر التي تكبدتها إيران، فإنها لا تزال قادرة على ضرب أهداف عسكرية حساسة ومنشآت حيوية في أنحاء الخليج، بما في ذلك مراكز البيانات، والبنية التحتية للطاقة، ومحطات تحلية المياه، على الأرجح».

ولا يزال مضيق هرمز نفسه بعيدا عن العودة إلى طبيعته. فقد سجلت بيانات البحرية الامريكية نحو 29 عملية عبور يوميا، بمساعدة امريكية، خلال الأيام الثلاثة المنتهية في 11 تشرين الأول/أكتوبر، في حين أحصت جهات مستقلة عددا أقل بكثير من عمليات العبور المؤكدة. وقبل الحرب، كان المضيق يشهد عادة عبور نحو 138 سفينة من مختلف الأنواع يوميا.

وقال صالحي: «إن هذا الطرح يخلط بين العبور الآمن والأمن الفعلي. فمرور ناقلات النفط لا يعني عودة الأوضاع إلى طبيعتها؛ إذ يُقال إن قباطنة السفن يتقاضون 100 ألف دولار شهريا، فيما لا تزال تكاليف الشحن والتأمين مرتفعة».

واستقر سعر خام برنت عند نحو 108 دولارات للبرميل في 19 تشرين الأول/أكتوبر. وكانت مجموعة «غولدمان ساكس» قد قدرت، في أيلول/سبتمبر، أن المخاطر الجيوسياسية تضيف أكثر من 20 دولارا إلى سعر البرميل.

كما أن الأضرار الاقتصادية لا تقتصر على إيران. فوفقا لتوقعات صندوق النقد الدولي نفسها، يُتوقع أن تنكمش اقتصادات الكويت والعراق وقطر والبحرين بوتيرة أسرع من الاقتصاد الإيراني خلال العام الجاري.

وتراهن طهران أيضا على نفاد صبر الامريكيين. ففي استطلاع أجراه مركز «بيو» للأبحاث ونُشرت نتائجه في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر، أعرب 65 في المئة من الامريكيين عن عدم رضاهم عن طريقة تعامل ترامب مع الحرب، ارتفاعا من 61 في المئة في آذار/مارس. كما توقع نحو نصف المشاركين أن تستمر الحرب لأكثر من عام آخر.

 

نهج «محسوب، لكنه يزداد عدوانية»

وفي أيلول/سبتمبر، توقع حميدرضا عزيزي، من مجموعة الأزمات الدولية، أن تحافظ إيران على نهج «محسوب، لكنه يزداد عدوانية» لإثبات أن نفوذها لم يتلاشَ. وقد جاءت تطورات تشرين الأول/أكتوبر لتؤكد هذا التوقع.

وحذر كريغ، من جامعة كينغز كوليدج لندن، من العواقب التي قد يقود إليها هذا المسار، قائلا: «إن أوراق الضغط التي تمتلكها إيران أصبحت أقل فاعلية عند مستويات العنف المنخفضة، وهو ما قد يجعل التصعيد التالي أكثر خطورة بكثير».

ولا يضمن أي من هذه التطورات نهاية سهلة لترامب أو لإيران. فالنظام الإيراني سيصف أي اتفاق بأنه انتصار، وهو يعتبر بقاءه في السلطة معيارا للنصر.

لكن الاتجاه العام يصعب تجاهله. فقد توقفت صادرات النفط الخام الإيرانية، ويتقلص اقتصاد البلاد بسرعة، فيما تبدو محاولات التصعيد سعيا لاستعادة نفوذ فقدت طهران جزءا كبيرا منه بالفعل.

وما يبقى تحت ضجيج التصريحات المتبادلة من الجانبين هو الدبلوماسية. فرغم أن بزشكيان يصف المحادثات الآن بأنها «عبثية»، أعلنت طهران أنها بصدد وضع اللمسات الأخيرة على ردها على أحدث التصريحات الامريكية. في المقابل، دعا نائب الرئيس الامريكي جي دي فانس إلى خفض «جوهري» في قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم، وهو ما اعتبره بعض الخبراء تراجعا عن المطالبة بالتوقف التام عن التخصيب.

 

المسار الدبلوماسي بلغ مرحلة متقدمة

وقال كريغ: «إن المسار الدبلوماسي بلغ مرحلة متقدمة بدرجة تفوق ما توحي به التصريحات العلنية بكثير، لكن المفاوضين الإيرانيين أعادوا مرارا فتح بنود تعتبرها واشنطن محسومة».

وسيتضح قريبا ما إذا كانت طهران ستضع برنامجها النووي على طاولة المفاوضات قبل رفع الحصار، وما إذا كانت حركة الملاحة التجارية ستستمر رغم المحاولات الإيرانية لتعطيلها.

ومن المؤشرات التي قد تدفع إلى استنتاج معاكس: نجاح إيران في استهداف سفينة حربية امريكية، أو استغلالها فترة تعليق ترامب الهجمات قبل الانتخابات لإعادة بناء قدراتها بوتيرة أسرع من تدهور اقتصادها، أو نجاح الحوثيين في تضييق الخناق على المسار البديل الذي تستخدمه السعودية لتصدير النفط عبر البحر الأحمر، بما يمنح طهران ورقة ضغط جديدة.

وقال أصفهاني: «السؤال هو ما إذا كانت واشنطن تمتلك الإرادة السياسية لإعلان النصر».

نادرا ما تنتهي حروب كهذه بمراسم توقيع اتفاق على متن سفينة حربية. إنها تنتهي عندما تنفد أوراق أحد الطرفين. وإيران لم يبقَ لديها سوى أثمن أوراقها: برنامجها النووي.

وقد بدأت طهران بالفعل تضع هذا البرنامج على طاولة المفاوضات. وهذا ما يفعله اللاعب عندما لا تبقى في يده أوراق أخرى.


25/10/2026