×

  المرصد الامریکي

  العراق بعد الانسحاب الأمريكي: نهاية الوجود العسكري وبداية اختبار الدولة



 

*مركز الامارات للسياسات/وحدة الدراسات العراقية

أعلنت القوات الأمريكية انسحابها من آخر مواقعها في العراق في 30 سبتمبر 2026، منهية بذلك قرابة 12 عاما من الوجود العسكري المباشر ضمن إطار التحالف الدولي لمحاربة تنظيم "داعش". وطرح الانسحاب أسئلة حول مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق، ونطاق الالتزامات الأمريكية إزاء استقرار النظام الذي لم يعرف استقرارا فعليا منذ عقود، ويواجه اليوم تحديات كبيرة على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. غير أن الإشكالية الرئيسة تتعلق بتنفيذ الانسحاب قبل استكمال الحكومة العراقية تعهداتها السابقة بحصر السلاح بيد الدولة، وإنهاء ملف المليشيات المرتبطة بإيران، التي تحولت خلال الحرب الأمريكية-الإيرانية الأخيرة إلى مصدر خطر على أمن المنطقة، فضلا عن الخطر المتواصل الذي تمثله على الدولة العراقية.

 تبحث هذه الورقة في المتغيرات التي يمكن أن تطرأ على العلاقات الأمريكية-العراقية في ضوء تأثير سحب القوات العسكرية على سياسات الولايات المتحدة تجاه هذا البلد.

 

 

أمريكا والعراق: علاقة غير واضحة الحدود

من الصعب وضع تعريف محدد للعلاقات الأمريكية-العراقية، التي انتقلت خلال العقدين الأخيرين من علاقة تأسيس النظام العراقي الجديد تحت الاحتلال العسكري، إلى محاولة رعايته وحمايته أمام التحديات التي واجهته، وصولا إلى الضغط عليه وتهديده عسكريا واقتصاديا لدفعه إلى فك ارتباطه بالنفوذ الإيراني وأدواته المحلية التي توسعت وتجذرت خلال الفترة نفسها.

ويمكن القول إن القوى السياسية التي تؤثر في تحديد مسار العلاقات المستقبلية مع واشنطن، وترسم سياسات الدولة العراقية وقراراتها، تمثلها اليوم منظومة "الإطار التنسيقي" الشيعية، وتتألف من أحزاب توسعت أدوارها ومواردها تحت الرعاية الأمريكية بعد عام 2003 في نطاق تأسيس النظام السياسي، إضافة إلى مليشيات مسلحة تشكلت برعاية إيرانية كاملة، وتعددت أدوارها تدريجيا لتحصل على أذرع سياسية واقتصادية، وباتت تمثل التحدي الأكبر لاستقرار الدولة، وأداة لتهديد الأمن المحلي والإقليمي والدولي.

ومع أن الحديث السائد في بغداد وواشنطن كان يربط الانسحاب الأمريكي بتفكيك الحكومة العراقية المليشيات ونزع سلاحها، باعتبار ذلك جزءا من شروط بناء شراكة مستقرة بين البلدين، وهو ما أكده رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال لقائه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب منتصف يوليو الماضي، فإن المسارين انفصلا لاحقا؛ فقد أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية في 30 سبتمبر إنهاء "الانسحاب المنظم لقوات التحالف الدولي من قاعدة أربيل الجوية، بما يمثل ختام المهمة العسكرية التي هزمت تنظيم داعش"، فيما حدد الزيدي نفسه سقفا زمنيا جديدا، يمتد إلى 30 يونيو 2027، لإنهاء ملف حصر السلاح.

ولا يمكن على وجه الدقة تحديد الموقف الأمريكي من الجدول الزمني المطروح عراقيا لنزع السلاح، ولا شكل العلاقة مع بغداد خلال هذه المهلة الزمنية أو بعدها، ولا مستوى الثقة بإمكانية تطبيقها فعلا؛ إذ لوحظ عدم توقيع اتفاقيات أمنية ثنائية تترجم بوضوح الانتقال إلى "الشراكة الأمنية الدائمة" وفق نص الاتفاق الموقع بين البلدين في مايو 2024، والذي تحددت على أساسه المواعيد النهائية للانسحاب الأمريكي.

 ويمكن أيضا قراءة أجواء عدم اليقين هذه في تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قبيل الانسحاب بأيام، بتأكيده أن واشنطن لا تشك في التزام الزيدي بحصر السلاح بيد الدولة، لكنها ترى "ضرورة نزع سلاح الميليشيات لتفادي بلقنة العراق"، نافيا في الوقت نفسه مناقشة قضية المواعيد الزمنية مع بغداد. وبقدر ما أثارت تصريحات روبيو جدلا حول ما قد يعنيه مصطلح "بلقنة العراق" في الرؤية الأمريكية للعلاقات المستقبلية، فإن ردود فعل المليشيات نفسها كرست بيئة مشوشة حول طبيعة الاتفاقات الأمريكية-العراقية؛ إذ صرحت مليشيات مثل "النجباء" و"كتائب حزب الله"، بأنها غير ملزمة باتفاقات الحكومة والمهل الزمنية التي أعلنتها، لكنها أعلنت في الوقت نفسه تجميد "عملياتها الهجومية"، بما يتسق مع رؤية رجحت أن طهران، بالتنسيق مع قوى "الإطار التنسيقي"، تسعى إلى "تطبيقٍ جزئي لآليات حصر السلاح يتضمن اتفاقا زمنيا مرنا مع المليشيات المسلحة قد يفضي إلى تجميد نشاطها من دون إنهاء تهديدها، بانتظار تطورات الصراع الإقليمي".

 

نسخة جديدة من "يوم السيادة"

أعلنت الحكومة العراقية إطلاق تسمية "يوم السيادة"، بمناسبة إنهاء مهمة التحالف الدولي وانسحاب القوات الأمريكية، وانشغلت قوى "الإطار" و"الحشد الشعبي" والمليشيات بإقامة احتفالات بهذه المناسبة تحت عنوان "إنهاء الاحتلال" و"الانتصار"، بغياب واضح لتفاعل القوى السنية والكردية.

ويمكن القول إن المبالغة في مظاهر الاحتفال، التي أثار بعضها الجدل بعد قيام عناصر من "الحشد" بإهانة متعمدة للعلم الأمريكي على الطريقة الإيرانية، فرضتها اعتبارات عدة، منها صرف انتباه الرأي العام عن عدم وضوح إجراءات الحكومة لإنهاء المظاهر المسلحة، والرغبة في تحويل القضية إلى إنجاز للفاعل السياسي الشيعي، على غرار إعلان حكومة نوري المالكي (2006–2014) يوم 30 يونيو 2009 يوما للسيادة والاحتفال حينها بإنهاء الاحتلال الأمريكي. والمفارقة أن عودة القوات الأمريكية بعد عام 2014 جرت بدعوة عراقية رسمية ضمن تحالف دولي لمحاربة تنظيم "داعش"، بل إن وجودها منذ ذلك التاريخ خضع بدوره لإرادة عراقية؛ فقد انتقلت القوات الأمريكية باتفاق أمني مشترك وقع عام 2021 ويمتد لخمسة أعوام، من مهمة "قتالية" إلى مهمة "استشارية" لأغراض تدريب القوات العراقية وتأهيلها.

وقد لا يتجاوز احتفال الحكومة العراقية بانسحاب القوات الأمريكية، من دون الالتزام بالموعد الأساسي لتطبيق إجراءات إنهاء المليشيات، الجوانب الشكلية والإعلامية، لكنه يكشف جانبا من التناقض الذي صاحب العلاقات الأمريكية-العراقية لأكثر من عقدين. فقد حرصت الإدارات الأمريكية المتعاقبة على توصيف العراق شريكا وحليفا استراتيجيا يعاني من جماعات مسلحة غير منضبطة ترتبط بالقرار الإيراني ويحتاج إلى الدعم والإسناد الأمريكيين، فيما نظر الفاعلون السياسيون الأساسيون في العراق إلى الولايات المتحدة باعتبارها دولة "معادية" من حيث المبدأ، يمكن الاحتماء بها والاستفادة من حمايتها عند الضرورة، وتجنب الصدام معها بوصف ذلك نوعا من "التقية السياسية".

 

التهديد الاقتصادي بدلا من الحضور العسكري

لم تخل خطابات قيادات رئيسة في "الإطار التنسيقي"، مثل هادي العامري زعيم منظمة بدر، من تعريف العلاقة مع الولايات المتحدة باعتبارها تمثل "احتلالا اقتصاديا أمريكيا"، بل إن قيادات المليشيات المسلحة وضعت من ضمن شروط التفاهم مع الحكومة العراقية إنهاء "الهيمنة الأمريكية على الاقتصاد".

والواقع أن الوجود العسكري الأمريكي في العراق، بأشكاله ومراحله المختلفة، والذي امتد 23 عاما، لم ينتج مصالح اقتصادية أمريكية وازنة؛ إذ هيمنت على معظم القطاعات الاقتصادية، وفي مقدمتها القطاع النفطي، شركات إيرانية وصينية وروسية وتركية. لذلك يصعب الحديث عن نفوذ اقتصادي أمريكي واسع في العراق. غير أن اعتباراتٍ يتصل بعضها بترتيبات العقوبات الدولية السابقة على العراق، ويتصل بعضها الآخر بالموقع الريادي للولايات المتحدة في الاقتصاد الدولي، ربطت عوائد النفط العراقي بحساب في المصرف الفيدرالي الأمريكي، وهي عوائد تلاحقها منذ عقود آلاف الدعاوى القضائية وأحكام التعويض الخاصة بأفراد وشركات، وتتمتع بحماية جزئية عبر أوامر يوقعها سنويا رئيس الولايات المتحدة بعنوان "حالة الطوارئ الخاصة بالعراق" منذ عام 2003.

 وتتحكم واشنطن بشحنات مباشرة من الدولار، تخص عوائد النفط العراقي، ترسل إلى العراق، وقد تعرضت هذه الشحنات لضغوط وتقليص في الكميات وتجميد أحيانا، بوصف ذلك نوعا من الضغط الأمريكي المباشر، يضاف إلى نمط العقوبات المتصاعدة ضد مؤسسات اقتصادية ومصرفية عراقية. وتعد الإجراءات الاقتصادية التي يمكن للولايات المتحدة استخدامها للضغط على العراق واسعة وذات تأثير بالغ في الاقتصاد العراقي الهش، المعتمد غالبا على تصدير النفط. ويدخل ذلك كله ضمن أدوات الضغط الأمريكية المتاحة، التي تضاف إلى القدرات العسكرية والاستخبارية الكبيرة للولايات المتحدة المنتشرة بالقرب من حدود العراق.

 

ويمكن القول إن ما سينتج عن لحظة الانسحاب العسكري الأمريكي من سياسات سيتأثر بمجموعة العوامل الآتية:

 

أولا، أن السياسة الأمريكية بعد الانسحاب قد تصبح أكثر تحررا من ضغوط تقليل المخاطر المحيطة بأمن قواتها داخل العراق؛ فقد شهدت الحرب الأخيرة عمليات قصف شبه يومية استهدفت السفارة الأمريكية ومواقع الجنود. وقد سلمت القوات الأمريكية بالفعل مركز الدعم الدبلوماسي واللوجستي (المركز الأمريكي) التابع للسفارة الأمريكية في مطار بغداد، ما يشير إلى أن مهمة حماية البعثة الدبلوماسية والبعثات الأخرى ستتحملها الحكومة العراقية منفردة، وأن أي استهداف مستقبلي لها ستترتب عليه اعتبارات دبلوماسية أكثر من إجراءات حماية عسكرية.

 

ثانيا، أن الاستراتيجية الأمريكية باتت تعتمد على نحو متزايد على دور دول الجوار العراقي، بوصفها معنية أكثر من غيرها بتنظيم العلاقة مع العراق وكسر الاحتكار الإيراني-الأمريكي للتجاذب السياسي والاقتصادي والأمني فيه. ويمكن ملاحظة أن السفير الأمريكي في تركيا ومبعوث الرئيس الخاص إلى سورية والعراق، توم براك، يتبنى سياسة تدفع العراق إلى مزيد من تشبيك المصالح مع سورية وتركيا، إلى جانب دعم واشنطن توسيع الشراكات العراقية-الخليجية والعراقية-الأردنية-المصرية. وبهذا المعنى، تتبلور مقاربة أمريكية متزايدة تجاه العراق تنظر إليه باعتباره جزءا حيويا من منطقة الشرق الأوسط ومصالح دولها وشعوبها، لا مجرد ساحة في الصراع الأمريكي-الإيراني.

 

 ثالثا، تختلف طريقة وآلية إعلان الانسحاب الأمريكي من العراق عن تلك التي رافقت الانسحاب من أفغانستان، والتي انتقدها الرئيس ترمب، فالانسحاب جرى ضمن اتفاق مع الحكومة العراقية، والتزامات متبادلة حول تأمين المصالح الأمريكية طويلة المدى في العراق، وتعهدات أمريكية مقابلة بدعم المسار السياسي للحكومة العراقية.

 

رابعا، على الرغم من مظاهر الاحتفال التي رعتها الحكومة العراقية، فإن الانسحاب لم ينظر إليه على نطاق واسع باعتباره تراجعا استراتيجيا أمريكيا، سواء على صعيد الحرب مع إيران أو ضمن نطاق النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط. بل ترى بعض وجهات النظر الأمريكية أن الوجود العسكري داخل العراق لم يكن ذا تأثير حاسم في حرب المراحل المتعددة مع إيران؛ فقد استهدفت دول جوار العراق خلال الحرب من داخل الأراضي العراقية، كما تعرضت السفارة الأمريكية والقنصلية في أربيل لهجمات مكثفة بالطائرات المسيرة والصواريخ الموجهة، لتتحول هذه المواقع إلى نقاط ضعف عسكرية بدلا من كونها نقاط قوة.

 

 

المسارات السياسية المحتملة

تتأثر التوقعات بشأن السياسة الأمريكية تجاه العراق على المدى المنظور باعتبارات تتعلق بتطورات الحرب مع إيران، ومدى التزام حكومة بغداد بتفكيك المليشيات ونزع السلاح، وإجراء إصلاحات اقتصادية، فضلا عن طبيعة التوازنات الداخلية الأمريكية بعد الانتخابات النصفية. لكن ذلك كله لن يغير السياسة الأمريكية جذريا، بل قد يؤدي إلى إدخال تعديلات عليها.

 

ومن المتوقع أن تتحدد هذه السياسة بمسارين رئيسين متداخلين:

الأول، يتمثل بالدعم طويل المدى للحكومة العراقية الحالية من أجل تطوير إمكاناتها، وترصين موقفها الداخلي والخارجي، وصولا إلى استعادة الدولة قرارها الأمني والعسكري، وإنهاء المظاهر المسلحة خارج إطار الدولة. وقد تجرى ترجمة الدعم إلى تسهيلات متزايدة بخصوص القيود والعقوبات كما حصل سابقا على صعيد التعاطي مع استيراد الغاز والكهرباء الإيرانيين، واستخدام الأموال الإيرانية المجمدة في العراق لأغراض غذائية وطبية، أو الاستثناءات الحالية من قرارات حظر استقبال الطائرات الإيرانية، ما يتضمن منح العراق دورا أكبر في المقاربات الأمريكية المستقبلية تجاه إيران وفرصة للخروج من عباءة التابع الجيوسياسي إلى صانع التأثير السياسي.

والمسار الثاني يتعلق بالاستجابة المباشرة لمستوى الالتزامات العراقية، عبر ضغوط متصاعدة واستهداف اقتصادي أو عسكري للجهات السياسية والمسلحة التي تعرقل خطط الحكومة العراقية المعلنة، في مقابل مكافأة الأطراف المستجيبة بضمانات وأدوار سياسية واقتصادية.

 ولا يستبعد هذا المسار توجيه الدعم إلى القوى السنية والكردية والحكومات المحلية في المدن الشيعية، بما يعزز صلاحياتها في مناطقها الجغرافية، سواء من خلال إعلان أقاليم جديدة أو توسيع صلاحيات الحكومات المحلية. وقد يقود ذلك إلى تفكيك السلطة المتركزة حاليا في بغداد، ومنح الأقاليم والمحافظات مزيدا من الصلاحيات لحفظ أمنها بعيدا عن سطوة المليشيات، بما يسهم في نهاية المطاف في تقليص النفوذ الجيوسياسي الإيراني داخل العراق، إذا تعذر حصر سلاح المليشيات.

 

مستقبل العلاقات الأمريكية مع إقليم كردستان بعد الانسحاب

أما على صعيد مستقبل العلاقات الأمريكية مع إقليم كردستان بعد الانسحاب الأمريكي، فقد حافظت هذه العلاقات، لاسيما مع أربيل ممثلة بـ"الحزب الديمقراطي الكردستاني"، على ثباتها رغم تعرضها لاهتزازات في مرحلة الاستفتاء على انفصال الإقليم عام 2017. ولم تتردد حكومة إقليم كردستان في التعبير عن مخاوف جدية من نتائج الانسحاب الأمريكي، خصوصا على مستوى سحب منظومات الحماية الجوية، بالتزامن مع تحذير الزعيم الكردي مسعود بارزاني من احتمال عودة تنظيم "داعش". ولم تعلن أربيل، التي تعرضت لسلسلة من التهديدات والهجمات الإيرانية وعمليات القصف بواسطة المليشيات العراقية خلال الحرب الأخيرة، عن أي ترتيبات عسكرية جديدة مع الجانب الأمريكي بعد الانسحاب، وأكدت اعتمادها على قوة "البيشمركة" الكردية لحماية الإقليم، وتم توحيد أجنحة "البيشمركة" لهذا الغرض.

وتنبع المخاوف الكردية في هذه المرحلة من احتمال أن يكون الانسحاب العسكري الأمريكي بوابة لتمدد إيراني جديد يستهدف تقويض إمكانات الإقليم وصلاحياته لمصلحة حلفاء طهران في بغداد، كما تنبع من خشية أن يفتح الانسحاب الأمريكي الباب أمام إيران للضغط على الإقليم لطرد الآلاف من الكرد الإيرانيين المعارضين من مدنه.

وقد تتركز الالتزامات الأمريكية بأمن إقليم كردستان مستقبلا في دعم القوات المحلية بالسلاح والتعاون الاستخباري، من دون الحاجة إلى وجود عسكري مباشر. غير أن سحب الغطاء الأمريكي عن حماية النظام السياسي العراقي، الذي رعته واشنطن وتدخلت للدفاع عنه في أزمات وجودية مختلفة منذ عام 2003، قد ينتِج أزمات سياسية، بعضها يتصل بالخلافات حول الصلاحيات بين المركز والإقليم. وكان مسعود بارزاني قد لوح بإمكانية الانسحاب من العملية السياسية، متهما أطرافها بخيانة الإقليم.

وعلى مستوى القوى السنية، التي تطالب بمزيد من الشراكة السياسية وإخلاء مدنها من هيمنة المليشيات، شهدت علاقاتها مع الولايات المتحدة تطورات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وتتجدد بين الحين والآخر مطالب بإعلان الإقليم السني أو تحويل بعض المحافظات إلى أقاليم. ومن غير المستبعد أن يسهم غياب الوجود الأمريكي، الذي كان عامل ضغط على القوى المختلفة، في تفعيل الخلافات السياسية، بما يدفع مشروع الإقليم السني إلى الصدارة.

ويذكر أن مرحلة الانسحاب العسكري الأمريكي بين عامي 2011 و2014 قادت إلى صدامات سياسية عنيفة، انتهت إلى أزمة سيطرة تنظيم "داعش" على مدن سنية بعد نحو عام من التظاهرات الاحتجاجية ضد سياسات الحكومة. ويبقى القلق من تجدد ظروف مشابهة مرهونا بقدرة الحكومة العراقية وقوى "الإطار التنسيقي" على بلورة شراكة سياسية شاملة ومنصفة لكل المكونات السياسية والاجتماعية، وهو أمر يصعب تحقيقه في ظل السياقات الراهنة لطبيعة نظام الحكم في العراق. 

 

استنتاجات

لم يترافق الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق مع إجراءات عملية حاسمة لإنهاء ملف المليشيات العراقية وتهديداتها، فالانسحاب خضع لأولويات ومصالح أمريكية ذات طابع استراتيجي بالدرجة الأساس. ولم تكن الحكومة العراقية بدورها في وضع مثالي لإعلان وتطبيق خطط عملية صالحة للمعاينة حول نزع السلاح بحلول نهاية سبتمبر الماضي، وعلى الأرجح لن تسعفها المهلة الزمنية حتى يونيو المقبل لتحقيق هذا الهدف، في ضوء ممانعة إيران ومليشياتها وحلفائها داخل العراق لتكريس هذا الاتجاه.

وعلى هذا الأساس، يمكن النظر إلى مشهد الانسحاب الأمريكي باعتباره يمثل، من جهة، اختبارا للقوى المحلية العراقية من أجل ضبط تعريفها للدولة وأدوارها وحدودها ومستقبلها، ومن جهة أخرى اختبارا للإدارة الأمريكية من أجل إعادة تعريف علاقات استمرت ملتبسة مع هذا البلد منذ عام 2003، كما أنه سيكون فرصة لدول المحيط العربي والإقليمي لضبط علاقاتها مع العراق في نطاق مصالح المنطقة وتوازناتها.


25/10/2026