*حسن ياسين
*المرصد-خاص
يعد توازن القوى أحد المفاهيم الأساسية في علم السياسة والعلاقات الدولية. ولا يقتصر هذا المفهوم على العلاقات بين الدول فحسب، بل يمكن توظيفه أيضا في تحليل العلاقات بين القوى السياسية داخل الأنظمة السياسية. وفي إقليم كردستان العراق، أضحى توازن القوى موضوعا بالغ الأهمية، نظرا إلى تعدد القوى السياسية وتنوع الأحزاب الفاعلة فيه.
لقد اضطلع الرئيس مام جلال، بوصفه إحدى أكثر الشخصيات تأثيرا في التاريخ السياسي الكردي الحديث، بدور محوري في تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني، وفي تطوير العلاقات بين الاتحاد الوطني والحزب الديمقراطي الكردستاني وقد شكل تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني عام 1975 محطة مفصلية أفضت إلى بروز قوة سياسية مؤثرة في كردستان العراق، وأحدثت تحولا مهما في معادلة القوى السياسية في المنطقة.
نسعى في هذه المقالة إلى تحليل دور مام جلال في تحقيق التوازن بين القوى في إقليم كردستان خلال مراحل تاريخية مختلفة، مع التركيز بصورة خاصة على العلاقات بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الديمقراطي الكردستاني، والصراع الداخلي الذي اندلع عام 1992، والمرحلة التي أعقبت عام 2003.
ومن المهم الإشارة إلى أن توازن القوى يعني حالة تسعى فيها قوة سياسية واحدة أو مجموعة من القوى إلى منع قوة أخرى من الهيمنة، وذلك من خلال تعزيز قدراتها الذاتية أو بناء تحالفات مع قوى أخرى.
وفي السياسة الداخلية، يمكن استخدام هذا المفهوم لتحليل العلاقات بين الأحزاب السياسية. فعندما تمتلك أكثر من قوة سياسية قدرة مؤثرة وحاسمة في عملية صنع القرار، تنشأ بينها حالة من التنافس، وقد يختل ميزان القوى فيما بينها.
توازن القوى في إقليم كردستان
في إقليم كردستان، ولا سيما بعد انتفاضة عام 1991، برز الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني بوصفهما القوتين السياسيتين الرئيسيتين. وقد أفرز هذا الواقع نمطا من الثنائية السياسية، إذ امتلك كل من الحزبين نفوذا قويا في مناطقه ومؤسساته.
ولذلك، اتسم التاريخ السياسي لإقليم كردستان، إلى حد بعيد، بالتعقيد، وتداخلت في مساره المنافسة والتعاون والمساعي الرامية إلى تحقيق التوازن في موازين القوى بين الحزبين.
كان مام جلال إحدى الشخصيات المحورية في الحركة السياسية الكردية خلال النصف الثاني من القرن العشرين والربع الأول من القرن الحادي والعشرين «ففي الأول من حزيران عام 1975، وبعد إخفاق ثورة أيلول، أسس مام جلال وعدد من رفاقه الموجودين خارج البلاد، إلى جانب قادة جماعة ماركسية لينينية كردستانية تنتمي إلى فكر ماو تسي تونغ (الفكر الماوي) داخل البلاد، الاتحاد الوطني الكردستاني».
وقد أحدث تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني تحولا مهما في معادلة القوى السياسية في كردستان، فقبل ذلك، كان الحزب الديمقراطي الكردستاني، بقيادة الملا مصطفى بارزاني، القوة الرئيسية في الحركة السياسية الكردية، غير أن تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني أتاح دخول قوة سياسية جديدة إلى الساحة الكردستانية، سرعان ما أصبحت طرفا مؤثرا في المشهد السياسي.
ومن خلال تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني، عزز مام جلال قدراته السياسية وقدرات حزبه، وأصبح شخصية محورية في معادلة القوى السياسية في كردستان.
مام جلال والمنافسة بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني
عقب انتفاضة شعب كردستان العراق في ربيع عام 1991، وتأسيس السلطة الكردية، سعى كل من الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني إلى تعزيز نفوذه وترسيخ سلطته في المنطقة.
وقد أفضت انتخابات برلمان كردستان، التي جرت في 19 أيار عام 1992، إلى إرساء قدر من التوازن السياسي بين الحزبين الرئيسيين. غير أن الخلافات بينهما كانت تضرب بجذورها في مرحلة الكفاح المسلح في الجبال، ولم تقتصر على الاستمرار خلال مرحلة الحياة المدنية وممارسة السلطة في إطار الجبهة الكردستانية، بل تفاقمت أيضا بفعل الخلافات المتعلقة بتقاسم السلطة والموارد الاقتصادية والأمنية. وأدى ذلك إلى تصاعد حدة التوترات ووضع العراقيل أمام تقدم العملية السياسية في إقليم كردستان.
وفي عام 1994، انفجرت الخلافات بين القوتين السياسيتين الرئيسيتين في إقليم كردستان بصورة كاملة، وبلغت في الأول من أيار من العام نفسه حد اندلاع الحرب الأهلية.
وقد ألحقت هذه الحرب أضرارا جسيمة بالعملية السياسية في إقليم كردستان، وكشفت أن توازن القوى، إذا لم يستند إلى المؤسسات والقانون، قد ينقلب من حالة تنافس إلى صراع حاد، بل إلى حرب دامية.
وفي تلك المرحلة، سعى مام جلال، الذي كان يشغل منصب الأمين العام للاتحاد الوطني الكردستاني، إلى الحفاظ على موقع حزبه في معادلة القوى السياسية في كردستان. وفي المقابل، عمل الحزب الديمقراطي الكردستاني، بقيادة مسعود بارزاني، على صون نفوذه والحفاظ على موقعه السياسي.
وبعد أربع سنوات من الحرب الداخلية، شكل اتفاق واشنطن عام 1998 إحدى المحطات المفصلية في مسار تلك المرحلة؛ إذ مهد الطريق لاحتواء الحرب والعودة إلى التعاون السياسي.
مام جلال وتحويل المنافسة إلى التعاون
بعد عام 2003، شهد المشهد السياسي العراقي تحولا جذريا. فقد أتاح سقوط نظام البعث فرصة جديدة أمام الكرد للمشاركة بصورة أوسع في العملية السياسية العراقية.
وفي تلك المرحلة، عمل الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني بصورة مشتركة في العديد من الملفات المهمة وشكل ذلك تحولا بارزا في طبيعة العلاقات بين الحزبين؛ فبعد سنوات طويلة من التنافس والحرب الداخلية، اكتسبت الشراكة السياسية أهمية متزايدة، وأصبحت الحاجة إلى التعاون أكثر إلحاحا.
وفي عام 2005، تولى مام جلال منصب رئيس جمهورية العراق، وهو ما وسع نطاق دوره السياسي على المستويين العراقي والكردستاني.
ومن موقعه في رئاسة الجمهورية، سعى مام جلال إلى بناء التوافق بين مختلف القوى السياسية العراقية، كما مثل هذا المنصب ركيزة مهمة في الحفاظ على العلاقات السياسية بين إقليم كردستان والحكومة الاتحادية في بغداد.
تأثير مام جلال في تحقيق التوازن بين القوى
يمكننا تلخيص تأثير مام جلال في تحقيق التوازن بين القوى في إقليم كردستان في النقاط الرئيسية الآتية:
1. تشكيل قوة سياسية مؤثرة في مواجهة الحزب الديمقراطي الكردستاني: أسهم في بناء قوة سياسية فاعلة في مواجهة الحزب الديمقراطي الكردستاني، الأمر الذي غير معادلة القوى السياسية في كردستان.
2. الحفاظ على نفوذ الاتحاد الوطني الكردستاني: سعى مام جلال، طوال فترة قيادته، إلى صون نفوذ الاتحاد الوطني الكردستاني في مناطق جنوب كردستان، ولا سيما في منطقة السليمانية.
3. دور الوساطة: مكنته قدرته على الحوار وإقامة العلاقات مع مختلف الأطراف من أداء دور الوسيط والمقرب بين القوى السياسية في بعض المراحل.
4. المشاركة في السياسة العراقية: أتاح له تولي منصب رئيس الجمهورية فرصة مهمة لتعزيز مشاركة الكرد في صنع القرارات الرئيسية في العراق. وإلى جانب ذلك، أثبت مام جلال، بوصفه كرديا تولى رئاسة الجمهورية، أنه رئيس لجميع العراقيين.
5. الانتقال من الصراع إلى التوافق: تمثلت إحدى أبرز سمات المرحلة التي أعقبت عام 2003 في انتقال العلاقات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني من التنافس والصراع الدموي إلى التعاون والتوافق. وكان مام جلال في طليعة الجهود الرامية إلى تحقيق هذا التحول.
6. الوثائق والاتفاقات السياسية بين الحزبين: شكلت الاتفاقات السياسية بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني، ولا سيما اتفاق واشنطن عام 1998، إحدى المحطات المهمة في مسار إدارة الخلافات بينهما.
حدود نظام توازن القوى وإشكالاته
على الرغم من أن التنافس بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني أوجد شكلا من أشكال التوازن في القوى السياسية، فإن هذا النظام لم يخل من الإشكالات.
وكان من أبرزها انقسام المؤسسات الأمنية والسياسية. ففي مرحلة تاريخية امتدت من خريف عام 1996 حتى عام 2005، امتلك كل من الحزبين الرئيسيين مؤسساته وقواته الخاصة في مناطق نفوذه. واستمر وجود هاتين القوتين المنفصلتين حتى فترة قريبة، قبل الإعلان عن توحيدهما قبل بضعة أشهر.
وقد جعل هذا الواقع عملية توحيد مؤسسات الإقليم تسير بصورة غير مكتملة، ولم يخل التقدم فيها من الصعوبات.
ومن منظور نقدي، يمكن القول إن توازن القوى في الإقليم لم يكن يعني دائما وجود ديمقراطية راسخة تقوم على المؤسسات؛ بل تحول، في بعض المراحل، إلى توازن بين الحزبين الرئيسيين، بما يعكس طبيعة العلاقة بينهما أكثر مما يعكس بالضرورة رسوخ النظام الديمقراطي ومؤسساته.
الخلاصة
يمكن القول، في ختام هذا التحليل، إن مام جلال كان أحد الشخصيات المحورية التي أسهمت في تغيير معادلة القوى السياسية في إقليم كردستان. فقد أدى تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني عام 1975 إلى نشوء قوة سياسية مؤثرة في مواجهة الحزب الديمقراطي الكردستاني، كما أسهم انخراط مام جلال في التنافس السياسي الكردستاني في تغيير موازين القوى الداخلية.
وخلال مرحلة الحرب الداخلية بين عامي 1994 و1998، بلغ التنافس بين الحزبين ذروته، غير أن اتفاق واشنطن، وما أعقبه من تعاون سياسي، إلى جانب الدور الذي أداه مام جلال في السعي إلى إحلال السلام، أظهرت جميعها إمكانية تحويل التنافس إلى توافق.
وبعد عام 2003، اضطلع مام جلال بدور أوسع في المشهد السياسي العراقي، من خلال مشاركته الفاعلة في العملية السياسية، ولا سيما بعد توليه منصب رئيس الجمهورية، كما كان له دور في إدارة العلاقات السياسية بين إقليم كردستان وبغداد.
وانطلاقا من منظور نظرية توازن القوى، يمكن تحديد دور مام جلال في ثلاث مراحل رئيسية:
- بناء قوة مقابلة: من خلال تأسيس الاتحاد الوطني الكردستاني وإدخاله بوصفه قوة فاعلة في المعادلة السياسية.
- الحفاظ على توازن القوى: من خلال صون موقع حزبه ونفوذه في مواجهة الحزب الديمقراطي الكردستاني.
- الانتقال نحو التوافق والتعاون السياسي: من خلال الدفع باتجاه الحوار والتفاهم، وتعزيز الشراكة السياسية، ولا سيما بعد عام 2003.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين مفهومي «توازن القوى» و«بناء المؤسسات الديمقراطية»، إذ إن وجود قوتين سياسيتين مؤثرتين لا يشكل، بحد ذاته، دليلا على قيام نظام ديمقراطي مؤسسي راسخ،فالميزان السياسي قد يحد من هيمنة طرف واحد، لكنه لا يضمن وحده استقلال المؤسسات، وسيادة القانون، وترسيخ الممارسة الديمقراطية. ومن هنا، تكمن أهمية تجربة مام جلال في دراسة العلاقة بين موازين القوى السياسية، وإدارة الخلافات، وإمكانية الانتقال من الصراع إلى التوافق، مع إبقاء الفارق واضحا بين التوازن الحزبي وبناء مؤسسات ديمقراطية موحدة.