الصراعات العميقة في الشرق الأوسط والدور الاستراتيجي للكرد
*بلند أومري
*مركز روج افا للدراسات الاستراتيجية
يشهد الشرق الأوسط تحولات عميقة تتجاوز حدود الصراعات العسكرية المباشرة، لتشمل إعادة تشكيل موازين القوى، وإعادة تعريف التحالفات، والتنافس على النفوذ، والصراع على هوية الدولة وشكل النظام السياسي في المنطقة. وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى القضية الكردية بوصفها قضية قومية محصورة في حدود جغرافية محددة، بل ينبغي فهمها باعتبارها قضية سياسية واستراتيجية تتقاطع مع ملفات الأمن الإقليمي، ومستقبل الدولة الوطنية، والعلاقات بين القوى الإقليمية والدولية.
وتنبع أهمية الكرد من عدة عوامل، ومنها موقعهم الجغرافي عند تقاطع المصالح التركية والإيرانية والعراقية والسورية، امتلاكهم تجارب سياسية وإدارية وأمنية متفاوتة في أجزاء كردستان، دور القوى الكردية في التحولات التي شهدتها المنطقة، ولا سيما في مواجهة تنظيم داعش وقدرتهم على التأثير في مستقبل الاستقرار السياسي والاجتماعي في المنطقة. لكن هذه العوامل لا تتحول تلقائياً إلى قوة استراتيجية.
فالموقع الجغرافي قد يكون مصدر نفوذ، كما قد يتحول إلى مصدر تهديد، والتجارب السياسية قد تفتح آفاقاً جديدة، لكنها قد تصبح عرضة للضغوط إذا افتقرت إلى رؤية مشتركة ومؤسسات مستقرة.
وهنا فأن التحولات الإقليمية تفرض على القوى الكردية تطوير قدرتها على بناء علاقات متعددة تحفظ مصالحها وتوسع هامش استقلال قرارها السياسي.
التحديات الاستراتيجية التي تواجه الكرد
تتعامل الدول الإقليمية مع المسألة الكردية انطلاقاً من حساباتها الأمنية والسياسية الخاصة، وقد تتقاطع مصالحها في منع نشوء ترتيبات كردية تعتبرها تهديداً لمصالحها، رغم اختلافها في ملفات أخرى. وهذا يفرض على القوى الكردية فهم طبيعة المصالح الإقليمية، والتمييز بين الخلافات المؤقتة والتغيرات الاستراتيجية طويلة الأمد.
ومن جهة أخرى يمثل تشتت القرار السياسي وتعدد المرجعيات الحزبية أحد أبرز مصادر الضعف.
فالتباين في الرؤى بين القوى الكردية لا يؤدي بالضرورة إلى الضعف، لكن غياب آليات إدارة الخلاف يحول التعددية إلى تنافس يستنزف الموارد ويحد من القدرة على التأثير وهناك الاعتماد المفرط على القوى الدولية، في وقت تُظهر فيه التجارب الإقليمية أن الشراكات الدولية تقوم على تقاطع المصالح، فهي ليست ضمانة دائمة لتحقيق الأهداف الكردية وتؤكد التحولات في سوريا والعراق أهمية عدم الخلط بين التعاون الأمني مع قوة دولية وبين وجود التزام سياسي دائم بحماية المصالح الكردية.
وكذلك لا يمكن بناء موقع استراتيجي مستدام من دون مؤسسات فعالة، وشرعية شعبية، واقتصاد قادر على الصمود، وعلاقة متوازنة بين السلطات والمجتمع. ومن التحديات أيضا هو أنه في سوريا والعراق وتركيا وإيران، ترتبط القضية الكردية بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمسائل المواطنة، والاعتراف بالهوية القومية، وتوزيع السلطات، واللامركزية، والحقوق السياسية والثقافية. ومن هنا، فإن مستقبل الكرد لا يتوقف على موازين القوى وحدها، بل يتأثر أيضاً بقدرتهم على تقديم تصورات سياسية قابلة للتطبيق تحظى بقبول شعبي وشرعية قانونية.
ما المطلوب لتعزيز الاستعداد التنظيمي الكردي؟
إن تعزيز الاستعداد الكردي يبدأ من بناء قوة سياسية ومؤسساتية قادرة على التعامل مع المتغيرات، وليس من مجرد ردود الفعل على الأزمات. منها بناء حد أدنى من التوافق الاستراتيجي فليس المطلوب توحيد جميع الأحزاب الكردية ضمن تنظيم واحد، بل الاتفاق على مجموعة من الثوابت المشتركة، تشمل: حماية الحقوق القومية والسياسية والثقافية للكرد، رفض التمييز والإقصاء والتهجير، دعم الحلول السياسية التي تضمن الاعتراف الدستوري بالحقوق الكردية، احترام التعددية السياسية وحق الاختلاف وتطوير آليات مشتركة للتشاور في القضايا المصيرية.
ويمكن ترجمة ذلك إلى إطار حوار كردي مستدام، يضم القوى السياسية والاجتماعية والثقافية، ويعمل على إدارة الخلافات ومنع تحولها إلى صراعات داخلية. كما تحتاج التجارب السياسية الكردية إلى مراجعة مؤسساتية مستمرة، تشمل تقييم الأداء، وتحديد المسؤوليات، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وإشراك الكفاءات الشابة والنسائية والانتقال من القرارات المرتجلة إلى التخطيط الاستراتيجي المبني على تحليل السيناريوهات، وتقدير المخاطر، وتحديد الأولويات.
كما أصبح الإعلام جزءاً أساسياً من الصراعات السياسية المعاصرة. ولذلك، تحتاج القوى الكردية إلى مؤسسات بحثية وإعلامية قادرة على إنتاج المعرفة، وتحليل السياسات الإقليمية، ومواجهة التضليل بالمعلومات الموثوقة ويشمل ذلك: تطوير مراكز الدراسات الاستراتيجية، إعداد دراسات دورية عن التحولات الإقليمية، بناء شبكات تواصل مع الجامعات ومراكز الأبحاث الدولية، تطوير خطاب سياسي يستند إلى الوقائع والحجج القانونية وتعزيز التواصل مع الرأي العام العربي والإقليمي والدولي. والهدف هو الانتقال من موقع المتلقي للتطورات إلى موقع المشارك في تفسيرها والتأثير في النقاشات المتعلقة بمستقبل المنطقة، الى جانب الاستعداد الأمني والعسكري ضمن إطار دفاعي ومؤسساتي وهنا تقتضي التمييز بين بناء منظومة دفاعية مسؤولة وبين الانخراط في سباقات تسلح أو صراعات إقليمية قد تفرض على الكرد تكاليف تفوق قدرتهم على التحمل.
المستوى الاستراتيجي العام:
ينبغي أن تكون حماية السكان والبنية التحتية والخدمات الأساسية أولوية في أي تصور للأمن، مع مراعاة القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان، كما يساعد وضوح المسؤوليات، وخضوع المؤسسات الأمنية والعسكرية لسلطات قانونية ومساءلة مدنية، على الحد من الازدواجية والتنافس الداخلي، وتعزيز الثقة المجتمعية، ومن المهم تجنب تحويل المناطق الكردية إلى ساحات لتصفية الحسابات بين القوى الإقليمية والدولية، لأن ذلك قد يجعل المصالح المحلية رهينة لأجندات خارجية متغيرة ويشمل الاستعداد الأمني أيضاً حماية المرافق الحيوية، واستمرارية الخدمات، والاستجابة للكوارث، والتعامل مع النزوح والأزمات الإنسانية، وضمان أمن المؤسسات المدنية. ولا يمكن تحقيق استقرار طويل الأمد عبر الأدوات الأمنية وحدها فالحلول السياسية التي تعالج أسباب الصراع، وتحمي الحقوق، وتؤسس لعلاقات مستقرة بين المكونات، تشكل عنصراً أساسياً في تقليل التهديدات. أي أن القوة الدفاعية لا تُقاس بالإمكانات العسكرية وحدها، بل كذلك بقدرة المؤسسات على منع التصعيد، وحماية المجتمع، والحفاظ على الاستقرار، وتجنب القرارات التي تجر البلاد إلى مواجهات غير محسوبة.
ومن الناحية الجغرافية يتمتع الكرد بموقع جغرافي يربط بين أسواق وطرق تجارية ومناطق ذات أهمية سياسية وأمنية. لكن الاستفادة من هذا الموقع تتطلب الانتقال من منطق الجغرافيا المفروضة إلى منطق المصالح المتبادلة من خلال تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية مع مختلف الأطراف، دعم مشروعات النقل والطاقة التي تحقق منافع متبادلة، الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا والموارد البشرية، تعزيز التعاون في مكافحة الإرهاب وحماية الاستقرار، بناء علاقات سياسية متوازنة مع القوى الدولية والإقليمية وتجنب الارتهان لطرف واحد أو تحويل التنافس بين القوى الكبرى إلى أساس وحيد للسياسة الكردية. وتكتسب هذه المقاربة أهمية خاصة في ظل التحديات التي تواجه إقليم كردستان العراق، والتحولات المتعلقة بمستقبل الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا، والتفاعلات بين تركيا وإيران والعراق.
ما الفرص المتاحة أمام الكرد؟
رغم التحديات، تتيح التحولات الإقليمية فرصاً يمكن الاستفادة منها إذا توافرت رؤية سياسية واضحة.
الفرصة الأولى: إعادة صياغة القضية الكردية بوصفها قضية ديمقراطية وحقوقية. حيث إن ربط الحقوق القومية بمبادئ الديمقراطية والمواطنة المتساوية والعدالة الدستورية يتيح توسيع دائرة التضامن مع القضية الكردية، ويحد من محاولات تصويرها بوصفها تهديداً للمجتمعات الأخرى.
الفرصة الثانية: تعزيز الشراكات مع المكونات الأخرى. حيث إن بناء تفاهمات مع العرب والسريان والآشوريين وغيرهم من مكونات المنطقة يمكن أن يشكل أساساً لشراكة سياسية واجتماعية أكثر استدامة، خصوصاً في سوريا.
الفرصة الثالثة: تطوير نموذج سياسي وإداري قابل للاستمرار. حيث إن نجاح المؤسسات في تقديم الخدمات، وتحقيق العدالة، وضمان المشاركة السياسية، وحماية التعددية، يعزز شرعيتها وقدرتها على التفاوض بشأن مستقبلها الدستوري.
الفرصة الرابعة: الاستفادة من التنافس الدولي دون الوقوع في التبعية. حيث يمكن للقوى الكردية توسيع علاقاتها الدولية، لكن ينبغي أن تقوم هذه العلاقات على المصالح المتبادلة والاتفاقات الواضحة، مع إدراك أن الدعم الخارجي قد يتغير عندما تتغير أولويات الدول.
الفرصة الخامسة: توحيد الجهد الدبلوماسي والإعلامي. حيث إن تقديم خطاب سياسي متماسك، مدعوم بالوثائق والحجج القانونية، يمكن أن يعزز حضور القضية الكردية في النقاشات الدولية المتعلقة بمستقبل الشرق الأوسط.
نحو استراتيجية كردية متكاملة
إن التعامل مع التحولات الراهنة يتطلب بناء استراتيجية تجمع بين خمسة أبعاد:
البعد السياسي: التوافق على الثوابت وإدارة الخلافات وتعزيز وحدة الموقف.
البعد التنظيمي: تطوير المؤسسات والمساءلة والتخطيط ورفع كفاءة صنع القرار.
البعد: الأمني: حماية المدنيين والاستقرار وسيادة القانون والتقليل من المخاطر الأمنية.
البعد الدبلوماسي: تنويع العلاقات وبناء الشراكات وتوسيع هامش المناورة.
البعد الاقتصادي والاجتماعي: تطوير الموارد البشرية والخدمات والتنمية وتعزيز الصمود والاستقلالية
ويجب ألا تبقى هذه الأبعاد منفصلة؛ فالتقدم في أحدها لا يعوض بالضرورة الإخفاق في الأبعاد الأخرى. إذ لا يمكن للدبلوماسية أن تعوض بصورة دائمة غياب التوافق الداخلي، كما لا يمكن للقوة الأمنية وحدها أن توفر الشرعية السياسية أو تحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية.
النتيجة
إن التحدي الأساسي أمام الكرد في المرحلة الراهنة لا يتمثل فقط في مواجهة التهديدات، بل في تطوير القدرة على التأثير في البيئة التي تنتج هذه التهديدات. ففي الشرق الأوسط، حيث تتغير التحالفات وتتصادم المصالح، لا يكفي أن يمتلك أي شعب موقعاً جغرافياً مهماً أو قوة سياسية أو أمنية مؤثرة؛ بل يحتاج إلى مؤسسات مستقرة، ورؤية مشتركة، وقدرة على إدارة التناقضات، وشبكة علاقات تقوم على المصالح المتبادلة. ومن هنا، فإن الأولوية الاستراتيجية للكرد ينبغي أن تتمثل في تحويل التعدد السياسي إلى قوة تفاوضية، والموقع الجغرافي إلى مصالح اقتصادية مشتركة، والتجربة الإدارية إلى نموذج قابل للاستمرار، والعلاقات الدولية إلى شراكات لا إلى تبعية. أما الاستعداد للمستقبل، فيقتضي الجمع بين الواقعية السياسية والتمسك بالحقوق، وبين القدرة على حماية المجتمع والاستعداد لتسويات سياسية عادلة، وبين الانفتاح على الشراكات الإقليمية والدولية والحفاظ على استقلالية القرار. فالمعيار الحقيقي لقوة الكرد ليس قدرتهم على الصمود أمام الأزمات فحسب، بل قدرتهم على بناء وضع سياسي ومؤسساتي يجعل استقرارهم ومشاركتهم في مستقبل المنطقة مصلحةً مشتركةً لا يمكن تجاوزها.
05/11/2026
|