السليمانية.. تاريخ لا تشوهه الأصوات العابرة، وذاكرة لا تمحوها حملات التشويه
*د.فيصل علي
ليست السليمانية مدينة طارئة على التاريخ، وليست اسماً يمكن أن تنال منه بعض الأصوات التي تحاول، بدوافع سياسية أو حسابات ضيقة، الانتقاص من مكانتها أو تشويه إرثها. فهذه المدينة التي تأسست عام 1784، واحتضنت إمارة بابان، وكانت عاصمة لمملكة كردستان في عهد الشيخ محمود الحفيد، واحتضنت أجيالاً من الشعراء والمفكرين والمناضلين، أكبر من أن تختصرها حملات التشويه، وأعمق من أن تنال من تاريخها محاولات التزوير أو الانتقاص.
إن تاريخ السليمانية ليس ملكاً لحزب سياسي، ولا حكراً على شخصية أو تيار، وليس مادة قابلة للتصرف وفق المزاج السياسي لهذا الطرف أو ذاك. إنه تاريخ مجتمع بأكمله، صنعته أجيال من أبنائها، وشارك في صياغته العلماء والشعراء والمثقفون والعمال والفلاحون والطلبة والمناضلون، وامتدت آثاره إلى مختلف أنحاء كردستان والعراق.
ومن المؤسف أن نرى بين الحين والآخر أصواتاً تتعامل مع تاريخ المدن بعقلية الخصومة السياسية، فتحاول أن تحول الخلافات الراهنة إلى وسيلة للطعن في الماضي، وكأن الاختلاف مع حزب أو قيادة أو تجربة سياسية يمنح صاحبه الحق في إنكار تاريخ مدينة كاملة أو التقليل من تضحيات أهلها.
إن من حق أي مواطن أن ينتقد أداء حكومة السليمانية أو أحزابها أو مؤسساتها، ومن حقه أن يختلف مع أي قيادة سياسية، وأن يناقش الأخطاء والإخفاقات بكل صراحة. لكن هناك فارقاً كبيراً بين النقد السياسي المشروع وبين استهداف الذاكرة التاريخية لمدينة لها مكانتها ودورها في مسيرة شعب بأكمله.
فالسليمانية ليست حزباً حتى تُحاسب بحسابات الأحزاب، وليست سلطة سياسية حتى تختزل في أخطاء الحكومات، بل هي تاريخ وثقافة وهوية وذاكرة جماعية.
ألم تكن السليمانية مركزاً لإمارة بابان التي تركت بصمتها في تاريخ كردستان؟ ألم تكن عاصمة للشيخ محمود الحفيد الذي واجه النفوذ البريطاني ورفع مطالب شعبه في مرحلة بالغة التعقيد؟ ألم تكن حاضنة للحركة الأدبية والصحفية الكردية، ومنطلقاً لأفكار ومشاريع سياسية وثقافية تركت أثرها في تاريخ المنطقة؟
ألم تكن المدينة في طليعة المدن التي انتفضت عام 1991 ضد نظام الاستبداد، وقدّم أبناؤها تضحيات كبيرة في سبيل إنهاء سلطة القمع وفتح صفحة جديدة في تاريخ كردستان.
هذه ليست شعارات عاطفية، ولا ادعاءات تصنعها الرغبات السياسية، بل محطات تاريخية موثقة، يمكن الرجوع إليها ودراستها ومناقشتها، بعيداً عن الأهواء والمواقف المسبقة.
وليس من الإنصاف أيضاً أن ننسب تاريخ السليمانية إلى جهة سياسية واحدة، مهما كان دور تلك الجهة في مرحلة من المراحل. فالمدينة أوسع من جميع الأحزاب، وتاريخها أقدم من التنظيمات السياسية المعاصرة، ومساهماتها الثقافية والوطنية شارك في صنعها أبناء من اتجاهات وتيارات مختلفة.
إن احترام تاريخ السليمانية لا يعني تقديس تجاربها السياسية، ولا التغاضي عن أخطائها، ولا منع النقد أو الاختلاف. على العكس، فإن المدينة التي أنجبت هذا العدد من المثقفين وأصحاب الرأي تستحق نقاشاً حراً ومسؤولاً، لا خطاباً يقوم على الإلغاء والتشويه.
أما أولئك الذين يعتقدون أن بإمكانهم الانتقاص من مدينة بحجم السليمانية عبر منشور أو تصريح أو خطاب متشنج، فعليهم أن يدركوا أن المدن لا تُقاس بما يقال عنها في لحظة خصومة، وإنما بما قدمته عبر تاريخها من إسهامات وتضحيات وما تركته في ذاكرة الأجيال.
إن السليمانية ستظل جزءاً أصيلاً من الذاكرة الوطنية الكردية والعراقية، وستبقى مدينة الشعراء والمثقفين والثورات والحراك السياسي، بصرف النظر عن تغير الحكومات والقيادات والتحالفات.
ولذلك، فإن الرد الحقيقي على محاولات التشويه ليس الدخول في سجالات عقيمة، بل التمسك بالحقيقة التاريخية، وتقديم الوثائق، وتعريف الأجيال بتاريخ مدينتهم، والتمييز بين الاختلاف السياسي والعداء للذاكرة الوطنية.
فمن حق الجميع أن يختلفوا مع السليمانية سياسياً، ومن حقهم أن ينتقدوا تجاربها ومؤسساتها، لكن ليس من حق أحد أن يصادر تاريخها أو ينكر تضحيات أبنائها أو يتعامل مع إرثها وكأنه تفصيل عابر في تاريخ كردستان.
السليمانية أكبر من الأحزاب، وأعمق من الخصومات، وأبقى من الأصوات التي تعلو اليوم ثم تخفت غداً.
إن المدن العريقة لا تحتاج إلى شهادة من أحد كي تثبت مكانتها؛ فتاريخها يشهد لها، وأجيالها تحفظ ذاكرتها، وما تركته من أثر في مسيرة شعبها سيبقى حاضراً مهما تعددت محاولات التشويه.
ومن لا يحترم تاريخ المدن، لن يستطيع أن يفهم حاضرها، ومن يحاول تشويه ذاكرة الأجيال، لن ينجح في محو ما صنعته تلك الأجيال بجهدها وبتضحياتها.
05/11/2026
|