بحوث و دراسات

  نهاية الشعبوية التكنوقراطية في المنطقة



*هشام جعفر

 

هل يمكن أن نعلن بعد عزوف الناخب التونسي عن الانتخابات التشريعية (92% لم يذهبوا للتصويت) والأزمة الاقتصادية الطاحنة في مصر، نهاية الشعبوية التكنوقراطية في المنطقة؟

ولكن ما أبرز ملامح الشعبوية التكنوقراطية التي سعت لأن ترث فشل الانتفاضات العربية كما جري في مصر وتونس؟

 

الشعبوية التكنوقراطية

هي شكل من أشكال الشعبوية ولكنها غير مدروسة في منطقتنا. إنها تقدم أيديولوجية الكفاءة الاقتصادية والحلول التكنوقراطية، بغض النظر عن الأيديولوجيا السياسية والانقسام التقليدي بين اليسار واليمين، السياسيين أو المحافظين والتقدميين أو الإسلاميين والعلمانيين، ومع ذلك فإن الشعبوية التكنوقراطية ليست قاعدتها في التكنوقراط الأكفاء، ولكنها تتمحور حول القائد، وهي في جوهرها إستراتيجية لنزع الشرعية عن الأحزاب السياسية التقليدية والمجتمع المدني، ومناهضة التعددية حين تستخدم ذريعة الخبرة التكنوقراطية للحكم باسم الشعب.

وإذا كانت التكنوقراطية والشعبوية تتعارضان مع بعضهما بعضا، لأن الشعبوية تنظر إلى الارتباط المباشر بالشعب كمصدر لشرعيتها، في حين أن التكنوقراطية تقوم على حكم الخبراء؛ ومع ذلك عندما تندمج التكنوقراطية مع الشعبوية، يتغير كلاهما بطريقة جدلية: يعتمد العنصر الشعبوي على قدرات القائد على التواصل مع الناخبين خارج القنوات المؤسسية القائمة للتمثيل السياسي كالبرلمانات والأحزاب، في حين يضفي العنصر التكنوقراطي الشرعية على القيادة في سعيها لحل قضايا الحكم من خلال الاعتماد على الخبرة الفنية.

 

الشعبوية التكنوقراطية هي طريقة للحكم مناهضة للنخبة وتستغل الكفاءة لخلق مظهر الأصالة والقرب من الناس العاديين، ولأن المكون الديني مكون أساسي في الثقافة العربية، فقد امتزجت بمقولات غيبية كثيرة، وتعمل المكونات الثلاثة في منطقتنا مع بعضها بعضا، وأقصد هنا الشعبوية والتكنوقراط والخطاب الغيبي.

الشعبوية التكنوقراطية هي تهديد معقد للديمقراطية لأنها تتعامل مع الدولة بمنطق الشركة، وتغذي اللامبالاة الشعبية بالمجال العام، وتخلق فرصة للسياسيين لتركيز السلطة. ومع ذلك؛ فمن السهل أن تنهار إذا تم الكشف عن أسطورة كفاءة الخبراء المتحورة حول القائد نتيجة عجزهم عن تقديم حلول ناجعة لمشكلات الدولة والمجتمع؛ وحينئذ فإن شرعيتهم تكون على المحك، وهذا ما أكدت عليه تجربتا مصر وتونس مؤخرا.

 

سمات أساسية ثلاث

ما نحب أن نؤكد عليه أن هذا النوع من الشعبوية هو شكل جديد من أشكال الممارسة السياسية يحاول القائمون عليه تجاوز السياسة التقليدية التي ترتكز على هيمنة الأيديولوجيا وأدوار المؤسسات السياسية من أحزاب ومؤسسات وسيطة في المجتمع المدني، ولكنها ورثت عن السياسة التقليدية دور القائد أو الزعيم المنقذ للأمة.

إن جاذبية الشعبوية التكنوقراطية للناس العاديين لا تتأتى من وعدها بإعادة السلطة إلى "الشعب"، لكنها تقدم رؤية تكنوقراطية للسياسة تعد بحلول الخبراء التي تفيد الناس العاديين. تستخدم الشعبوية التكنوقراطية بشكل إستراتيجي جاذبية الكفاءة التكنوقراطية، وتستخدم الأرقام كسلاح لإيصال رسالة شعبوية.

هي بالمناسبة ليست ظاهرة ترتبط بالضرورة بالنظم الدكتاتورية، ولكنها تخترق النظم الديمقراطية المستقرة أيضا مثل فرنسا ماكرون وأميركا ترامب؛ لذا فقد يكون من المهم فهم السياقات التي تنتجها، بالإضافة إلى الجذور التاريخية التي تجد فيها نموها وازدهارها.

بالشعبوية التكنوقراطية في مصر -على سبيل المثال- تجد جذورها في اللحظة الأولى لنظام 52؛ فقد استعان الضباط الأحرار الشباب بالتكنوقراط المصريين الذين نشؤوا في ظل النظام الملكي للسيطرة على الدولة، واستمرت هذه الصيغة إلى وقتنا الحالي: جيش يحكم وبيروقراطية تنفذ.

كما تمتد جذور هذه الشعبوية لحكم عبد الناصر (1954-1970) الذي ارتكز إلى خطابات شعبوية لخلق تعبئة جماهيرية، ونزع شرعية منتقدي النظام (أعداء للشعب). لم يكن هدف الهندسة الاجتماعية في الفترة الناصرية خدمة الشعب، بل قمع الاحتجاجات المدنية، وتجنب المساءلة، والبقاء في السلطة.

الماضي هو خزان تاريخي للسياسيين الشعبويين لاستخدامه إستراتيجيًا كقشرة تدغدغ مشاعر الجماهير -تأمل كيف تم استدعاء الفترة الناصرية من نظام 7/3 في مصر وفترة بورقيبة في تونس- وعندما يكون ذلك مناسبًا لنزع الشرعية عن المعارضين السياسيين كأعداء للشعب.

عادة ما تنشأ الشعبوية في لحظات الانتقال أو الاضطراب السياسي أو الأزمات الاقتصادية الطاحنة؛ فقد كانت الفترة التي أعقبت انتفاضة 2011 في مصر وامتدت إلى 2013 تمهيدا جيدا لهذا النوع من الشعبوية. وهذا ما حدث في تونس أيضا، وإن تأخر لعام 2019 مع الانتخابات الرئاسية الثالثة بعد انتفاضتها في 2010-2011.

إن الانتقال السريع إلى الشعبوية الممتزجة بخطاب غيبي -ولا أقول ديني- في مصر أولا، ثم إلى الشعبوية التكنوقراطية، وقد سارت تونس في الطريق نفسه فلا تخلو خطابات قيس سعيد من مفردات دينية كثيرة، مما يعني أن الشعبوية كانت متأصلة في وقت مبكر كجزء من المشهد السياسي. كما خلق فيروس كورونا ما يمكن تسميته بلحظة تكنوقراطية؛ فمع الجائحة هناك حاجة واضحة إلى الكفاءة والخبرة التنفيذية.

الشعبوية التكنوقراطية جزء من توجه عالمي في العقود الأخيرة؛ فقد كان هناك توسع كبير في أساليب الحكم التكنوقراطي. تم التنازل عن الصلاحيات التي كانت في حوزة البرلمانات الوطنية للمحاكم والبنوك المركزية والمؤسسات فوق الوطنية. كان هذا التحول -جزئيًا- تحركًا متعمدًا من قبل الحكومات الوطنية لتنظيم مجالات السياسة عالية التقنية والحفاظ على استقرار الأسعار، كما كان أيضًا نتيجة العولمة المفرطة وانتشار المعاهدات والمنظمات الدولية في الأربعين عامًا الماضية.

 

أولا: الدولة كشركة

تستخدم الشعبوية التكنوقراطية جاذبية الخبرة الفنية للتواصل مباشرة مع الناس، وتتعهد بإدارة الدولة كشركة لها مؤشرات أداء عادة ما تكون كمية، تفرض على القائمين عليها تحقيقها في الزمن المطلوب بغض النظر عن تداعياتها الاجتماعية أو الاقتصادية، وفي الوقت نفسه نزع شرعية المعارضين السياسيين وتسريح الناخبين من خلال غرس اللامبالاة المدنية بينهم.

تدار البلاد مثل شركة مساهمة، حيث يشغل القائد منصب رئيس مجلس الإدارة (والمساهم الوحيد)؛ والوزراء والمسؤولون العموميون هم موظفوه التنفيذيون الذين يمكن تعيينهم ونقلهم وعزلهم وإعادة تعيينهم في أي وقت يقرره الرئيس بناءً على أدائهم.

في جميع تصريحات الرئيس المصري، تلعب لغة الأرقام وجداول البيانات دورا رئيسيا. ويشدد على المبالغ التي أُنفقت على المشاريع المختلفة، كما يذكر أطوال الطرق التي مهدت والكباري التي شيدت.. إلخ. يتم تقديم اللغة التكنوقراطية بطرق متعددة مثل العروض التقديمية واستدعاء الخبراء للتصديق على ما تم أو سيجري، مما يخلق وهم الكفاءة والأصالة والقرب من الناس العاديين.

وكما لا يمكن فصل هذا التوجه عن تحويل كثير من أنشطة الدولة وخدماتها إلى شركات تدار وفق منطق الربح، بل يمكن النظر إلى إستراتجيات 2030 و2050 باعتبارها أحد مظاهر حكم التكنوقراط لأنها تتحول في النهاية إلى مستهدفات كمية.

ونظرًا لتزايد حجم مجموعات الأشخاص الذين لا يمكن الوثوق بهم، فإن الأبواب مفتوحة للإدخال الشرعي للخبراء، الذين يتم اختيارهم في الغالب لولائهم للشركة، والذين يمكن استبدالهم بسهولة نسبية.

تدلنا البيانات المتاحة على أن الاعتماد على التكنوقراط هو عنصر مركزي لمعظم الأنظمة في المنطقة في الوقت الحاضر. ففي الجزائر بعد انتخابات 2021 تم اختيار 25 من أصل 34 وزيرا من التكنوقراط. في تونس في عهد قيس سعيد كان جميع الوزراء الخمسة والعشرين من التكنوقراط. في مصر جميع الوزراء في الحكومة هم في الوقت الحاضر تكنوقراط، وعادة ما يكون التفضيل المتزايد للتكنوقراط في الحكومة مقترنًا بالاعتماد على المستقلين أو ما يسمون "نواب الخدمات"، أي الذين يحرصون على تقديم الخدمات لناخبي دائرتهم الانتخابية أكثر من اهتمامهم بالسياسات العامة.

كان الهدف الإستراتيجي للرسالة الشعبوية هو ضمان بقاء النظام من خلال الحفاظ على اللامبالاة المدنية للناس، وتثبيط التعبئة -تعبئة الشعب، وإضفاء الشرعية على النهج "العلمي" تجاه الحكم من قبل الخبراء الذين عادة ما ينظرون إلى الدولة كشركة يجب أن يحكمها الربح والكفاءة في الإدارة، ولذا فهي عادة ما تتخفف من الانحيازات الاجتماعية- بمعنى أنها لا تأخذ مطالب الفئات الاجتماعية المختلفة في الاعتبار كثيرا.

 

الشعبوية التكنوقراطية هي تذكير آخر بكيفية تحول السياسة بشكل متزايد إلى مسألة تكديس وتقسيم الغنائم بين نوع واحد أو مجموعات مغلقة، بدلاً من تمثيل المواطنين على أساس القضايا المشتركة التي تتقاطع مع الانقسامات المتعددة وترتكز على الانحيازات الأيديولوجية. والنتيجة هي التحرك نحو لعبة محصلتها صفر في سياق تكون فيه المخاطر عالية حيث تستنفد الموارد بسرعة وينمو عدم المساواة وينتشر الفساد. وهذا لا يبشر بالخير للمستقبل، سواء من حيث آفاق الديمقراطية أو الاستقرار أو العدالة الاجتماعية.

الخلاصة: إن الشعبوية التكنوقراطية تختزل الدولة في شركة ناشئة بها عدد صغير من أصحاب المصلحة، ومجال عام مغلق أو مقيد، وبيئة مؤسسية ضعيفة، وعدم مبالاة من الناس بالسياسة.

 

ثانيا: موت الأيديولوجيا.. تحيا الثقة

يرى البعض أن هذا النوع من الشعبوية هو في حد ذاته أحد أشكال الأيديولوجيا، إلا أننا لا نتفق مع هذا الرأي، فهو أقرب إلى إستراتيجية لنزع الشرعية عن المؤسسات السياسية والأحزاب السياسية التقليدية والمجتمع المدني وخلق لامبالاة بالسياسة بين الناس، أو أسلوب للحكم يرتكز ويتغذى على تآكل الأيديولوجيا في الزمن المعاصر.

فالآن لا يمكن الحديث عن انقسام بين يسار ويمين، ولا بين دعاة القطاع الخاص وبين دور الدولة، ولا بين دعاة العولمة وبين المنادين بالخصوصية، ولا بين الإسلاميين والعلمانيين؛ فمساحات التداخل بين هؤلاء وأولئك باتت بادية للعيان في كل مساحة ومجال، وهو ما يستحق أن نفرد له مقالا مستقلا. إلا أننا نشير سريعا إلى التقارب الأيديولوجي لليسار واحتضانه للنموذج الليبرالي قد طمس الاختلافات التقليدية بين اليسار واليمين، فكلاهما يدعو عمليًا الآن إلى الحلول نفسها وأصبح لا يمكن تمييزهما خاصة في القضايا الاقتصادية.

قبل الانتفاضات، كان العالم العربي قد بدأ بالفعل يشهد تراجعا في التعريف الأيديولوجي بما يتماشى مع الاتجاهات في جميع أنحاء العالم. ومع ذلك، فقد تأخر الانكماش الأيديولوجي في الدول العربية إلى حد ما حيث كان الناخبون العرب يتطلعون في البداية إلى الأحزاب الإسلامية -التي تم تشريعها حديثًا- بحثًا عن حلول سياسية بعد أن استنفدوا خياراتهم الأخرى.

في زمن الانتفاضات كان الشباب منخرطين في السياسة بأشكال جديدة وعلى أساس القضايا وليس وفق منطق الأيديولوجيات الشاملة؛ فقد توزع اهتمامهم بالشأن العام على المبادرات المختلفة التي حدث تداخل بين أعضائها، وقد تخصصت هذه المبادرات في خدمة قضايا محددة مثل التحرش أو مناهضة الفقر.. إلخ.

كان بعض الأعضاء ملتزمين أيديولوجيا، لكنهم كانوا ملتزمين بأيديولوجيات مختلفة، والبعض الآخر لم يكن أيديولوجيا على الإطلاق، وبعضهم أعضاء في حركات أو أحزاب قائمة، والبعض الآخر كانوا غير منتسبين. لقد تشاركوا جميعًا في الرغبة في إسقاط النظام الحالي، لكن اختلفت أسبابهم، وكذلك كانت أهدافهم للمستقبل متباينة في الحالات التي حدد فيها المتظاهرون مثل هذه الأهداف.

أدى هذان العاملان إلى حركات احتجاجية مجزأة خالية من أجندة وأهداف واضحة ومن دون طموحات سياسية طويلة المدى، ولم تكن هناك قط رغبة في إضفاء الطابع المؤسسي والانضمام إلى المؤسسات السياسية بهدف تغيير الأمور من الداخل إلى الأفضل.

أدى عدم وجود أيديولوجية مشتركة وطموحات سياسية طويلة المدى في نهاية المطاف إلى عدم الاستقرار على أعلى المستويات.

 

تم التذرع بالشعبوية التكنوقراطية بشكل متكرر في الفراغ الأيديولوجي لحقبة ما بعد الانتفاضات. كان الصعود السريع للشعبوية التكنوقراطية في تونس بمثابة نهاية للهيمنة الأيديولوجية للمشروع الديمقراطي الذي دشنته انتفاضة الياسمين 2011-2010، التي تم نزع الشرعية عنها بسبب قلة الكفاءة للأحزاب السياسية الرئيسية، والخلاف الذي جرى بين الديموقراطية بمعناها السياسي وبين الديموقراطية بمعناها الاجتماعي -أي تحسين معيشة الناس- الذي تكتسب السياسة فيه معنى يوميا يستشعره المواطن في تحسين حيواته المتعددة بغض النظر عن الأيديولوجيا التي تحكم.

وهكذا؛ فإن الشعبوية التكنوقراطية تنمو في المنعطفات الحرجة التي تميزت بتعطيل الأيدولوجيات المهيمنة.

إن الشعبوية التكنوقراطية هي إجابة -من الواضح أنها شعبوية- على خيبة الأمل الجماهيرية من عقد من الاضطرابات في المنطقة، ولكنها سرعان ما انهارت سريعا أو على أقل تقدير باتت محل تساؤل لعجزها عن تقديم إجابة على ما نذرت نفسها للتعامل معه، وهو تحسين معيشة الناس.

ويحسن أن نشير إلى أن الشعبوية التكنوقراطية عموما تتغذى من تقسيم الناس ليس إلى يمين ويسار، وإنما إلى أعداء وموالين، ونخبة في مواجهة الناس العاديين، وخبراء لديهم الحلول الناجعة لمشكلات الواقع في مواجهة سياسيين فاسدين غير أكفاء، ومتشرذمين إلى طوائف متقاتلة.

وفي منطقتنا؛ فإن هذا يمتزج بخطاب غيبي أقل ما فيه أنه يصادر الفعل البشري وينتظر أن تمنحه السماء هبة من الموارد التي لا يعلمها إلا الله -كما صرخ الرئيس المصري ويجعل في الدعاء حلا لأزمة شح الدولار في الاقتصاد المصري- كما صرح أحد علماء الدين المقربين من النظام المصري.

يعتبر البعض الشعبوية "أيديولوجية رقيقة"، لذا فهي تكافلية، بمعني أنها يمكن أن تتعايش بسهولة مع الأيديولوجيات الأخرى، مثل القومية أو مناهضة العولمة، وقد استخدمت في واقعنا العربي لتأكيد عقيدة الأمن القومي والحفاظ على الدولة ومنعها من الانزلاق إلى الحروب الأهلية وعدم الاستقرار، وهو ما استخدم لإدامة الاستبداد، والأهم أنها استخدمت لعودة تدخل الجيش في السياسة، وكان مبررًا بأنه ضروري، باعتباره الوسيلة الوحيدة لإنقاذ الأمة، ولكنه تحول إلى أن يكون تعبيرا -ليس فقط عن مسؤوليتها عن الدولة- ولكنه باعتباره موطن الكفاءة البيروقراطية والقدرة الفنية واللوجيستية على الإنجاز السريع، وهكذا بررت الجيوش تدخلها السياسي واستمراريته بصفتها خبيرًا في تقديم قيادة قوية واستقرار وأمن.

 

الخلاصة التي تقدمها لنا إحدى الدراسات هي:

 "يبدو أن صميم هذا النمط الجديد من الاستبداد هو التخلص التدريجي من أيديولوجية موحدة لصالح ما أطلق عليه البعض "الشعبوية التكنوقراطية"، وهو الوضع الذي تدار فيه الدولة كشركة ويستخدم الخبراء لتجاوز المساءلة. يؤدي صعود الشعبوية بدوره إلى مزيد من التوسع في الحكم التكنوقراطي حيث تسعى النخب إلى عزل صنع القرار عن السياسيين الذين يُنظر إليهم على أنهم غير مسؤولين أو غير عقلانيين".

 

ثالثا: القيادة المقدسة

تظهر الخبرة المعاصرة في مصر وتونس تقديس القائد المنقذ وأنه فوق القانون، والذي يحتاج إلى البقاء في السلطة للإشراف على التنفيذ الناجح للمشروع الثوري كما في تونس، أو الحفاظ علي الدولة كما في مصر.

 

ولكنهما يظهران تآكل المؤسسات الأساسية التي تم إضفاء الشرعية عليها عند الضرورة لإنقاذ المشروع الوطني، وتشويه سمعة المعارضين باعتبارهم عملاء وغير وطنيين وأعداء للشعب، والاعتماد المتزايد على الخبراء (التكنوقراط الموالين) لخنق المعارضة ومنع ظهور البدائل السياسية.

وفي حين أن الأيديولوجيا ليست مهمة -كما قدمت- فإن الولاء أمر أساسي لعمل الشعبوية التكنوقراطية، وهو شيء يتحقق من خلال التآكل التدريجي للضوابط والتوازنات المؤسسية، وكذلك تسريح عامة الناس من خلال تقويض الثقة في المؤسسات التمثيلية للبلاد بالتزامن مع التبجيل المتزايد للشخصيات المتمرسة (الموالية) غير المرتبطة بالروابط الأيديولوجية أو السياسية.

في هذه العملية يتم استبعاد شرائح واسعة من المجتمع، على سبيل المثال الخبراء غير الموالين، والسياسيين المتمردين، والمثقفين وبعض الجماعات العرقية أو الدينية وأعضاء مختلف الأحزاب السياسية من خلال وصفهم بأنهم أعداء الشعب.

من مظاهر ازدراء المؤسسية كما ظهرت بجلاء في التجربة التونسية وبشكل مختلف في التجربة المصرية هو تهميش الأحزاب السياسية، نظرًا لتراجع شعبيتها بين السكان، إلا أنه اتجاه مقلق للغاية من منظور الديمقراطية. تعد الأحزاب السياسية جزءًا لا يتجزأ من الديمقراطية، كما أن الانتقال الديمقراطي والتوطيد لها أقل احتمالًا من دون الأحزاب السياسية التي يمكنها تجميع وتمثيل مطالب المواطنين بشكل أكثر فاعلية من الأفراد أو الآليات البديلة، مثل الحركات والجماعات والقوائم.

يمكن القول إن أحد الأسباب الرئيسية التي جعلت الزعماء المستبدين في العالم العربي يعتمدون بشدة على التكنوقراط هو حقيقة أن الأحزاب السياسية تقوي صوت المعارضة ولديها القدرة على تبني بدائل للنظام الحالي.

وإذا كانت الشعبوية -كما قدمت- لا يمينية ولا يسارية، فإنها مناهضة للمؤسسة. يستهدف الشعبيون المؤسسة والنخب بشكل انتقائي، وتركز رؤيتهم كإستراتيجية سياسية على فاعليتها، أي قدرة الحركات الشعبوية على جذب الأتباع بشكل فعال، والحفاظ على علاقة مباشرة بين القائد والأتباع واستغلال نقاط الضعف المؤسسية القائمة، وهي ليست منافسة بين الخبراء الأكثر ملاءمة، لأن المعارضة بما في ذلك المواطنون النشطون لم يعد يُنظر إليهم على أنهم خصم سياسي شرعي بل كعدو للناس العاديين.

يرتكز هذا النوع من الشعبوية على عقد اجتماعي بين القادة والمواطنين يتخطى المؤسسات الوسيطة للمساءلة مثل الأحزاب والجمعيات المدنية ويقلل من تعقيد التمثيل، تمثيل الناس من خلال المؤسسات المنتخبة، وفيها يدعو القائد الكاريزمي إلى محاربة المؤسسة السياسية باسم الشعب ويندد بالأجسام الوسيطة (بمعنى واسع بما في ذلك الأحزاب) ويحرص على التواصل مباشرة مع الناس.

لا تظهر الشعبوية التكنوقراطية فقط كبديل لأيديولوجية التعددية الديمقراطية الليبرالية، ولكن أيضًا عندما يتم استنفاد نظام الحزب التقليدي وتعجز الأحزاب الرئيسية القديمة عن الاستجابة بفعالية للتحديات الجديدة.

أما اللغة التي يتبناها القادة الشعبويون، فإنهم بها يميزون أنفسهم عن "النخبة" ويحاولون إقامة علاقة وثيقة مع "الشعب". ويصف المحللون هذا بأنه "أسلوب سياسي يتميز بجاذبية إلى "الشعب" مقابل "النخبة" التي يتجسد فيها "الأخلاق السيئة وأداء الأزمة أو الانهيار أو التهديد".

*صحفي وباحث

*الجزيرة/موسوعة المعرفة


21/01/2023    |   مشاهدة: 83