قراءة في كتاب "بيان الأئمة"
استشراف الملاحم الجيوسياسية ونبوءات الحكم وتحولات الكورد في آخر الزمان
في غمار التحولات المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، يتردد صدى المأثورات الاستشرافية والتراثية كأداة لفهم التحولات العميقة في التاريخ والجغرافيا. ويبرز كتاب "بيان الأئمة" كأحد أهم المصنفات التراثية التي تعنى بجمع ودراسة الروايات التنبؤية، والملاحم، والفتن، والبشارات السماوية المروية عن أهل البيت (عليهم السلام). يركز هذا السفر الضخم بشكل أساسي على الأحداث المستقبلية المفصلية التي تقع في العالم الإسلامي عموما، وفي العراق والشام خصوصا، خلال زمن الغيبة الكبرى، ممهدا المسرح التاريخي لظهور الإمام القائم المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
وقد صنّف هذا الكتاب منذ زمن بعيد على يد عالم الدين النجفي الحاج الشيخ محمد مهدي (حفيد العالم الجليل الشيخ زين العابدين النجفي)، حيث انطلق في تصنيفه من روق وبلاط مدينة النجف الأشرف، مستندا إلى توليفة بين الأدلة العقلية والنقلية والروايات المأثورة ليقدم رؤية استشرافية دقيقة تحاكي الواقع السياسي والاجتماعي.
نبوءة "العيون الأربعة" في العراق: دقة النموذج التنبؤي
كأحد النماذج البارزة للنبوءات السياسية المتعلقة بنظام الحكم في العراق قبيل أحداث الظهور، أورد المؤلف في "البيان الثاني والعشرون" ما يعرف بـ"رئاسة العيون الأربعة". تستند هذه النبوءة إلى نص مروي عن أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) يقول فيه: «إذا تتابعت العيون الأربعة في العراق فتوقّعوا ظهور القائم من آل محمد».
ويقدم الكتاب تفسيرا حرفيا لهوية هؤلاء الحكام الأربعة الذين يتتابعون على سدة الحكم في بغداد، لافتا إلى أن القاسم المشترك بينهم هو ابتداء أسمائهم جميعا بحرف "العين"، وهم على التوالي: (عبد الإله، عبد الكريم، عبد السلام، وعبد الرحمن). وتربط الرواية بين طبيعة حكمهم ومآلات الاستقرار؛ إذ تشير إلى أن أحوال العلماء وأهل العلم تكون حسنة وفيها جود ونعمة خلال فترتي "العين الثالثة" و"العين الرابعة"..
ووفقا للمصنف، فإن مرحلة ما بعد العيون الأربعة تشهد انتكاسة في أحوال أهل العلم والبلاد، لتدخل الدولة في طور من الترقب لظهور "العين الخامسة"، وهو (عثمان بن عنبسة) المعروف في الأدبيات بـ"السفياني"، والذي يعد خروجه في الشام وبسط يده على أطراف من العراق أحد المؤشرات الحتمية الممهدة للمشهد العالمي الجديد.
الكورد في التفسير والتأصيل التاريخي
لا يقتصر استشراف كتاب "بيان الأئمة" على تغير الأنظمة الحاكمة في بغداد، بل يفرد مساحة استثنائية (لا سيما في البيان التاسع والخمسون) لقراءة الجغرافيا الكوردية وتحولات أدوار قبائلها، رابطا إياهم بمحطات مفصلية من الأحداث الإقليمية.
يبدأ المؤلف بتأصيل مكانة الكورد تاريخيا من خلال التفسير المأثور للآيات القرآنية؛ ففي سياق قوله تعالى في سورة الفتح: ﴿قلْ لِلْمخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تقَاتِلونَهمْ أَوْ يسْلِمونَ﴾، ينقل الكتاب تباينا في آراء المفسرين حول هوية هؤلاء القوم، لكنه يركز على ما أورده الأزهري وابن أبي خالد عن أبي هريرة في تفسير قوله (تقاتلوا قوما نعالهم الشعر) بالقول صراحة: "يعني الكرد".
ويرى البيان في هذا النص دلالة على أن الكورد سيكونون من القوى البارزة والفاعلة في أحداث آخر الزمان، وأن مواجهاتهم وحروبهم ستكون طويلة وممتدة، لتنتهي بانتصار ديني وثقافي يدخل الأمم تحت طاعتهم باختيارهم. كما يربط الكتاب أصولهم التاريخية بنسب "العماليق" (أولاد عملیق بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح)، الذين كانوا متفرقين في أطراف الأرض وكان مستقرهم القديم في بلاد الشام.
جغرافيا كوردستان وحراكها نحو الاستقلال
يقدم الكتاب وصفا جغرافيا دقيقا لكوردستان، واصفا إياه بـأنه "إقليم كبير ومنطقة جبلية تقع بين الأناضول وأرمينيا وأذربيجان والعراق، تقاسمتها في العصور المتأخرة دول كتركيا وإيران والاتحاد السوفياتي والعراق".
وفي قراءته للمستقبل السياسي للإقليم قبيل محطة الظهور، تذكر النصوص (تحت عنوان نور الأنوار) حراكا كورديا خالصا يتلخص في عدة علامات:
1. عقد الراية والاستقلال: نهوض سكان الإقليم للمطالبة بـ"المملكة والدولة والاستقلال الكامل".
2. الثورة الحتمية: استغلالا لضعف الحكومات المجاورة وغياب المعارضة الداخلية، ينهض الكورد بعشائرهم وقبائلهم لرفع شعاراتهم الخاصة بجرأة.
3. تأسيس الجيش والكتائب: تعقد القبائل الكردية لواءها الخاص، وتنظم الكتائب من جيشها لترتيب دولة مستقلة تحكم جغرافيتها والمناطق المجاورة لها.
4. الامتداد الجغرافي وحفظ الأموال: تشمل سلطة هذا الكيان الناشئ مناطق السليمانية، كركوك، أربيل، وخانقين، وصولا إلى أطراف شمال العراق بأكمله. وتوضح النصوص أن الكورد في هذه المرحلة سيتخذون من السيطرة على المقدرات واستملاك الدور والقصور أداة اقتصادية لبناء كيانهم ومصادرة أملاك خصومهم الإقليميين.
ملحمة بغداد وسقوط الزوراء: ظهور "الشيخ الأصفر"
يربط الكتاب (في البيان السابع والخمسون) بين صعود شخصية قيادية كردية استثنائية تدعى "الشيخ الكردي" أو "الأصفر" وبين أحداث دموية تقع في بغداد (الزوراء). ويوصَف هذا القائد بأنه "شيخ كردي بهي طويل العمر، ذو بهاء"، وهو سيد عظيم من رؤساء الكرد، يتميز بأنه سريع الغضب قصير الساقين.
وتتوالى الأحداث عسكريا طبقا للسيناريو التالي:
• معركة بغداد الأولى: تندلع الحرب إثر هجوم جيش بغداد على الكورد مما يؤدي إلى رد فعل صاعق ينتهي بوقوع واقعة عظيمة يقتل فيها خلق كثير.
• نداء الصائح واستنزاف الجيش: تشهد بغداد فتنة هائلة؛ فإذا ضعف جيشها عن القتال ضد المعارضة والدول المحيطة، يصدر بيان عبر وسائل الإعلام (الراديو والتلفزيون وهو "الصائح") يدعو المواطنين للاستلحاق الإجباري بالجيش وسد النقص، مستهدفا مواليد سنوات محددة.
• الهزيمة الكبرى: يخرج أهل الزوراء كـ"دبيب النمل" إلى الحرب، فيقتل من الجيش في الموجة الأولى 50 ألفا، ثم ينكسر الجيش ويفر الجنود إلى الجبال ثم يعودون إلى بغداد، ليعاد النداء مجددا، فيخرجون ويقتل منهم 50 ألفا أخرى، حتى يتسامع بالخبر بلاد الغرب والجزر البريطانية (الجزائر).
• واقعة بابل الكبرى: بالتوازي مع أحداث بغداد، تتحدث المخطوطات عن ملحمة مدمرة عند "جسر بابل الجديد" جراء قصف مكثف بالقنابل والصواريخ والمدافع، يتزامن مع ظهور "النجوم ذات الذوائب" من المشرق.
• السيطرة على شرق العراق: تمتد السيطرة الكردية الميدانية عقب هذه الفوضى لتشمل مناطق شرق العراق كخريسان، مندلي، وشهربان، لتصبح تحت تصرفهم بالكامل.
الفتنة الدهماء (الهلهم): الامتداد نحو الشام والخليج وحظر الحج
تتجاوز حركة الكرد بقيادة "الأصفر" الحدود المحلية لتتشابك مع القوى الغربية (الروم والإنكليز) في أبعاد دولية:
• دخول الشام وفتح حلب: يزحف الأصفر بجيشه إلى الشام بلدا بعد بلد حتى يصل حلب، فيقاتله أهلها الرافضون لإمارته في معركة ضارية تستمر مائة يوم (أو 13 يوما في بعض الروايات) حتى تفتح المدينة.
• التحالف والصدام الدولي: ...تشتعل فتنة بين أهل الشام وجيش العراق، مما يدفع الأخير للصعود لبلاد الجبل والانحدار نحو الكوفة، في حين يتحكم الأصفر بالقرار السياسي ويبعث حاكما من قبله لإدارة العراق والشام.
• التمدد نحو الخليج (البحرين وهجر): تخرج "عصائب من الكورد" بأمر الأصفر إلى أرض الخليج ومجمع البحرين وخط هجر، ويلتحق بهم مقاتلون من نجد وتهامة واليمامة وصولا إلى جبل طيء واليمن ليعيدوا ترتيب الإمارة في البصرة بعد انكسار شوكة الأنظمة القائمة.
• قطع طريق الحج: تتوج هذه الحقبة بقطع الأصفر لطريق الحج ومنع الحجاج، وسلب الأموال، وهدم "مسجد براثا" التاريخي في العراق، قبل أن يتوجه بجيشه لمواجهة الروم في جبهة واسعة تضم ألف سلطان، ينزلون بأرض أرجون القريبة من المدينة السوداء.
الملحمة الكبرى في فرنسا: الفوضى والنهاية
تصل فصول الكتاب إلى ذروتها الدرامية بنقل الصراع إلى عمق القارة الأوروبية:
1. الخدعة الإعلامية: تبث وسائل الإعلام الغربية خبرا كاذبا يزعم مقتل "الأصفر" على يد دول الغرب (فرنسا، ألمانيا، إيطاليا، أمريكا، بريطانيا) لاستدراج قواته.
2. الزحف نحو فرنسا: يتحرك الأصفر بجيش عرمرم يضم مائة ألف مقاتل صاحب سيف، برفقة ضباط وجنود بنظام عسكري صارم، وينزلون أرض "أرجون".
3. حرب غابات فرنسا البيولوجية: تندلع المعركة في غابات فرنسا الكبيرة (وهي بلاد يصفها التراث القديم بأنها بعيدة جدا عن العراق ولم تكن فيها سيارات أو طائرات بل كان السير فيها على الإبل)، وتعرف هذه الحرب بـ"الفتنة الصماء والداهية العظمى الدهماء المسماة بالهلهم"، وهي حرب غير تقليدية (بيولوجية/كيميائية) يفنى فيها الطرفان بكثافة.
خاتمة
في المحصلة، يقدم كتاب "بيان الأئمة" للقارئ والمحلل الجيوسياسي معطيات استشرافية تخرج بالمكون الكوردي وقائده "الشيخ الأصفر" من دائرة الهامش إلى مركز الفعل السياسي والعسكري. فالروايات تصورهم كقوة صاعدة تمتلك مشروعا سياسيا واستقلاليا يتجاوز حدود كوردستان الجبلية ليمتد إلى عواصم القرار في بغداد والشام والخليج، بل ويصطدم مباشرة مع القوى الدولية في عمق أوروبا، مما يجعل من هذا المصنف النجفي مادة غنية للتأمل في فلسفة التاريخ وملاحم آخر الزمان.
|