العربة قبل الحصان والاصلاح الحزبي قبل الاصلاح العام
عملية الاصلاح في كردستان تبدأ بإصلاح الحياة الحزبية وتنقية بيئة التنافس الحزبي ونعني بالحياة الحزبية المدخلات والمخرجات من مفاهيم وستراتيجيات وصنع قرار وتنفيذ نسبة معتبرة من كل ذلك وفق الامكانيات المتاحة ومراحل تقدم المجتمع وتطور العملية السياسية.
وأبسط مراجعة لسير العملية السياسية في كردستان تكشف لنا ان المسار والمسيرة شابهما الكثير من الاخطاء منذ ان انتشرت مفردة الاصلاح كالنار في الهشيم في الخطاب الاعلامي والسياسي دون ان نتوقف طويلا و بتعمق عند المعنى الشامل للاصلاح وعن معنى المراد منه في الحالة الحزبية وفي مجمل العملية السياسية ومحطاتها المختلفة. واصبحت هذه المفردة شفرة مجازية للنشاط الانشقاقي ولكل طماع طموح للوثوب على مراكز النفوذ والسلطة سواء بحرق مراحل التراتبية في المسؤولية او اتخاذ وحدة الحزب التنظيمية كرهينة بحد السكين عند المنعطفات الحساسة كالانتخابات او في ذروة المهام الوطنية للحزب المعني.
ولو اخذنا مثالا للمسارات السياسية من تجربة الشعوب المجاورة ربما امكننا تقريب الصورة لتجربتنا الوطنية. فرغم كل الانتقادات المصرية للتجربة الناصرية بقيادة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر حزبيا وتنظيميا فأن قصة خلاف ناصر مع رفيق سلاحه المشير عبدالحكيم عامر فيها حكاية يمكن سردها كعبرة لكل من يتعض من تجربة القريب والبعيد. فكل زعل و تقاطع للمشير مع ناصر كان يسبقه ويلحقه كلامه عن وجوب تبني الديمقراطية و الاصلاح و المؤسساتية ثم سرعان مايخبو هذا الحديث ويتم رفعه من مسرح الاحداث بعد تصالح الصديقين والتفاهم بينهما على اعادة توزيع جديدة لمساحة السلطة والنفوذ وكأن شيئا لم يكن و كأن المشير لم يقل شيئا.ولمن يريد ان يستزيد فعليه بقراءة القصة كاملة في كتاب شخصيات لها العجب لصلاح عيسى.
تكشف هذه القصة و قصص غيرها ان وراء الاكمة ماورائھا و الامر الخلافي داخليا یختلف عن ما يظهر على السطح و في وسائل الاعلام و وسائل التواصل الاجتماعي.
إن تدني مستوى التقاليد الحزبية فقر الثقافة السياسية والانحراف في المسار الفكري يصبح عدوا لاستمرارية الحياة الحزبية في بيئة صحية ونظيفة، بل ويصبح عدوا لا تصالح معه لدمقرطة الحياةالحزبية والالتزام بتوقيتات تداول المسؤلية و الالتزام بنهج وبرامج الحزب. فكل شخصنة للصراع الحزبي وتغول الشخصيات وحصر الاصلاح في الصف الاول للمسؤولية هو شرخ في روح الرفاقية والمساواتية و العدالة التنظيمية التي هي اساس الدعوة للاصلاح مهما تم تزويق الخطاب السياسي للاصلاح بكلمات جميلة ومنمقة.
ان نقل معركة الاصلاح من التنظيم الحزبي الى الجمهور او الى فضاء مؤسسات الشأن العام كالحكومة والبرلمان يحدث بلبلة مجتمعية وينتج عنه حرب صليبية بين الرفقاء تستخدم فيها مؤسسات الشأن العام بدعوى وتحت غطاء توسيع المشاركة السياسية، بينما الامر لا يعدو اكثر من توسيع الصراع كحرب شوارع لاضابط لها ولا قوانين تنظمها او تلجمها ان انحرفت عن المسار.
وبدل من ذلك على العقلاء تنشيط الحياة الحزبية واحياء التقاليد الديقراطية الحزبية حزبيا قبل التصارع على الاصلاح العام للعملية السياسية، ولو قيمنا التجربة الحزبية في كردستان وفي عموم العراق مرتبطا بمحطات الانتخابات النيابية وانتخابات مجالس المحافظات وبرلمان كردستان، فأننا نلاحظ الثقل السياسي الذي نوليه للانتخابات العامة دون ان يرافق ذلك التزام بالحياة الحزبية وتوقيتاتها الديمقراطية لجهة الانتصار للاستحقاقات الحزبية او عقد المؤتمرات او توسيع قاعدة صنع القرار. فكيف يمكن توقع تطور ديمقراطي واصلاح للشأن العام فيما ادوات العملية الديمقراطية وابطالها من احزاب متانفسة ومسار الحياة الحزبية تعاني من الترهل والمحسوبية وتكدس الاجيال والعنوسة الحزبية؟
وهذا شأن غالبية احزابنا العراقية والكردستانية منها طبعا، مضافا اليها نقطتي ضعف اريد ان انهي بهما حديثي بشرح واحدة منها والذي ارجو لها ان لاتكون ثرثرة فوق التل فيما لدي عودة اخرى لشرح النقطة الثانية منهما وللتحاور مع المختلفين ان طاب لهم التحاور.
نقطة الضعف الاولى تتعلق بمسار التجربة الحزبية داخليا فيما يخص الاستحقاق الديمقراطي الرفاقي فبدلا من تنشيط التداول الداخلي للمسؤلية وتأهيل اجيال جديدة و تطوير المسار بحسب استحقاقات الحياة والجمع بين قوة التغيير وقوة الاستمرارية، فأن ما نشهده هو التحول الديمقراطي الافقي بالانشقاقات وشرذمة الاتحاد الحزبي وزيادة الاحزاب عددياً، مع ما يرافق ذلك من تنابذ على التركة الحزبية ماديا ومعنويا بدل المسار الصحيح بتوسيع التجربة الحزبية عن طريق التحول الديمقراطي العمودي في بيئة حزبية تحفظ للحزب وحدته و قوته وتحفظ لقادته وناشطيه مكانتهم السياسية، وحقهم الديمقراطي في لعب أدوار خدومة للمجتمع والوطن كما تحفظ للحزب دوره المفترض في الاصلاح السياسي العام بدلا من ان تتحول الى قوة طاردة وليس جاذبة لطالبي الجهد السياسي الموحد، اذا ما ثبتنا في قناعتنا السياسية ان اساس الدافع الحزبي هو اصطفاف القوة المختلفة و مضاعفة النشاط الجماعي.
فقادة الاصلاح العام الناجحين هم قادة الاصلاح الحزبي الصبورين المارين بماراثونات التصارع الحزبي، وهم ممن خبروا الوئام المبدئي ومروا بفلترات حزبية لتعلم الصبر والتحمل والتعايش الرفاقي وليس التخندق لأتفه الاسباب.
رمضان كريم يا رفاق ولنا عودة في الحديث عن الائتلافات الانتخابية بوصفها عدوة للديقراطية العراقية.
|